انتهى مرتزقة داعش جغرافيّاً في آخر معاقله بالباغوز في 23/3/2019، وأُزيح العبء عن الجغرافيا، ولكن كثيراً من العقول لم تتحرر فتحول أصحابها إلى خلايا نائمة، بانتظار وهم الانبعاث، ومرت أشهر لنعرف أنّ الآمال معقودة على أنقرة ومجاميع الارتزاق التي جمعتها باسم مزور هو “الجيش الوطنيّ” وليس له من اسمه أيّ نصيب، فمجاميع المرتزقة والقتلة ليست جيشاً، والارتهان لأنقرة عاصمة الإرهاب ليس بوطنيّة، ولعل التوصيف بالسوريّ لا تفيه الكلمات شرحاً وتفصيلاً إذ تعني الحضارة وعمق التاريخ، كما أنها تعني سيادة الدولةِ الوطنيّة التي اُستبيحت حدودها بالعدوان واُحتلت جغرافيتها.
العدوانُ على شمال وشرق سوريا هو الحلقة الثالثة من مسلسلِ إرهاب الدولة التركيّة في إطار مخططِ الوهم السلطانيّ لإسقاط اتفاقية لوزان 1923 وإحياء الميثاق المليّ 1920واحتلال كامل الشمالِ السوريّ، ولهذا دعمت أنقرة مرتزقة داعش ففتحتِ الحدودَ أمامه، وسهّلتِ العبورَ له اعتباراً من مطار إسطنبول حتى الحدودِ السوريّة، بإشراف المخابراتِ التركيّة، وأنقرة صُدمت باندحاره الجغرافيّ، فكان استهداف السجون متعمداً لتحرير المعتقلين.
معركة الإرهاب لما تنتهِ، فقادة مرتزقة داعش الكبار كانوا أول الهاربين، وبذلك على قوات سوريا الديمقراطيّة مواجهة تحديين على التوازي، الإرهاب التركيّ القادم عبر الحدود واستكمال ما تمّ البدء به ملاحقة الخلايا والقادة، بالأمس القريب قُتل البغداديّ كما كان متوقعاً وبنفس اليوم أبو الحسن المهاجر في جرابلس وتلا ذلك عملية نوعية في جرابلس المحتلة نفذها بواسل قسد واستهدفت أبا العز العراقيّ، فيما تستمر المواجهات بالميدان في المناطق المحتلة مؤخراً ما بين سري كانيه وكري سبي في مواجهات جحافل الانكشاريّة للعثمانيّة الجديدة.
محاربة مرتزقة داعش لا تقتصر بمواجهته عسكرياً والمسألة ليست مجاميع مسلّحة متطرفة، اندحرت جغرافيّاً وفرط عِقدُها بفرارِ قادة النسقّ الأول، بل بفهمِ أنّ داعش وكلَّ الإرهابِ ليس حالةً طارئة فكريّاً، بل استمدّ جذوره الفكريّة من تاريخ المنطقةِ التي شهدت حروباً كبيرة. وظهوره يتعلقُ إلى حدٍّ كبيرٍ بتراكماتٍ تاريخيّةٍ وتناقضات مذهبيّة معقّدة تسببت بحروب عديدة بالمنطقة، كما أنّه نتيجةَ طبيعةِ الحياةِ بالمنطقةِ، أي البيئة المهيأة لظهوره، حيث تفتقدُ المجتمعاتُ لعواملِ التحصينِ والوقاية من الاختراقاتِ الفكريّة وتسودُ حالةُ الإحباطِ، ويتوقُ البعضُ لصنعِ الانتصاراتِ بأيّ صيغة كانت ولو على حساب شركاء الجغرافيا والوطن، وكان كثيرٌ من عناصر مرتزقة داعش سوريين وعراقيين. وكانت حوادثُ الحرقِ والذبحِ بعدرا العماليّة ووضعِ النساءِ بالأقفاصِ سلوكاً إرهابيّاً.
فهمُ نشأةِ الإرهابِ وظروفه هو الذي يقود لدحره ويفتح الطريقَ للحلِّ السياسيّ وتثبيت ركائز المجتمع على مبادئ السلم الاجتماعيّ والعيش المشترك والشراكة السياسيّة ويمنحُ الاعتبارَ للهوية الوطنيّة، وصولاً لصياغة مجتمعٍ ديمقراطيّ تعدديّ متوافقٍ مع طبيعة المجتمعِ المتعددِ المكوناتِ.
رامان آزاد