لم تكن قضية الشعب الكردي في باكور كردستان، وتركيا، وليدة لحظة سياسية عابرة، بل كانت نتيجة عقود طويلة من السياسات التي سعت إلى إنكار الهوية والثقافة واللغة الكردية، فمنذ تأسيس الجمهورية التركية الحديثة، واجه الكرد، مراحل متعاقبة من التضييق والممارسات والانتهاكات بحق الكرد، حيث اعتُبرت المطالب القومية والثقافية تهديداً لوحدة الدولة، وتعرضت الثورات والانتفاضات الكردية إلى القمع والملاحقات والاعتقالات.
في هذا المناخ التاريخي والاجتماعي المضطرب، ظهرت في سبعينيات القرن الماضي مجموعة من الطلبة الكرد، الذين حاولوا قراءة واقع شعبهم من زاوية جديدة، معتبرين أن غياب التنظيم السياسي هو أحد أسباب استمرار التهميش، ومن رحم تلك المرحلة تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 بقيادة القائد عبد الله أوجلان ومجموعة من رفاقه، حاملاً خطاباً يقوم على تنظيم المجتمع الكردي، والدفاع عن حقوقه القومية والسياسية، انطلاقاً من فكرة “كردستان مستعمرة”.
ولادة المقاومة وانقلاب 12أيلول
منذ بداياته، تبنى حزب العمال الكردستاني خطاً تنظيمياً يقوم على بناء كوادر سياسية وفكرية، وعلى مواجهة سياسات الدولة التركية تجاه القضية الكردية، وكان الحزب يرى أن المعركة الأساسية ليست فقط في الميدان العسكري، بل أيضاً في الحفاظ على الوعي والهوية والإرادة السياسية.
وفي 27 تشرين الثاني عام 1978، تم تأسيس حزب العمال الكردستاني، بقيادة القائد والمفكر عبد الله أوجلان، والذي حمل راية المقاومة المسلحة، والسياسية ضد الاستعمار الداخلي والإنكار القومي، اعتمد الحزب خطاً مقاوماً يرفض الاستسلام، ويؤكد أن الكرامة والحرية لا تُمنح بل تُنتزع بالنضال والمقاومة الدؤوبة.
في 12 أيلول سنة 1980، نفذ الجيش التركي انقلاب عسكري دموي بقيادة كنعان إيفرين، رئيس هيئة الأركان العامة للجيش التركي آنذاك، منهياً الحياة السياسية المدنية، ومعلناً مرحلة واسعة من القمع والاعتقالات، خلال السنوات التالية، امتلأت السجون التركية بآلاف المعتقلين السياسيين وخاصة الكرد منهم.
وكان سجن آمد العسكري رقم (5) في مدينة آمد الكردستانية، أحد أكثر المعتقلات قسوة، حيث تعرض المعتقلون فيه إلى ممارسات تعذيب وحشية، وإذلال بهدف كسر إرادتهم السياسية والتنظيمية، لم يكن الهدف، بحسب قادة المقاومة داخل السجن، مجرد اعتقال الأفراد، بل ضرب البنية الفكرية والتنظيمية للحركة الكردية ومحاولة دفع المعتقلين إلى التخلي عن انتمائهم السياسي، عبر سياسة الضغط النفسي والجسدي والتعذيب الشديد.
محاولات التصفية وصرخة مظلوم دوغان
سعى النظام التركي، إلى إحداث انشقاقات داخلية عبر “التصفويين”، محاولاً إضعاف حركة التحرر الكردستانية، من الداخل، فإلى جانب أساليب القمع المباشر، شهدت السجون محاولات لإجبار المعتقلين على تقديم تنازلات سياسية وتنظيمية، وظهرت محاولات لاستخدام بعض المعتقلين كأدوات لتنفيذ سياسة تفكيك التنظيم من الداخل. لكن؛ المعتقلين واجهوا تلك المحاولات باعتبارها معركة على الإرادة والهوية، قبل أن تكون معركة على ظروف الاعتقال، وكان السؤال الأساسي بالنسبة لهم، هل يمكن للسجن أن ينهي فكرة سياسية، أم أنه قد يتحول إلى مكان تولد فيه مقاومة جديدة؟
ففي ليلة 21 آذار سنة 1982، ليلة عيد نوروز، أقدم القيادي في حزب العمال الكردستاني، وعضو اللجنة المركزية للحزب “مظلوم دوغان”، على إشعال النار في جسده الطاهر داخل سجن آمد، مستخدماً ثلاثة أعواد كبريت، في احتجاج رمزي على ظروف الاعتقال، ومحاولات كسر إرادة المعتقلين، وقبل استشهاده أطلق عبارته التي أصبحت شعاراً للمقاومة، منذ ذلك الحين، “المقاومة حياة”.
لم تكن تلك الصرخة مجرد فعل احتجاج فردي، بل تحولت إلى رسالة رمزية داخل السجن وخارجه، وأصبحت نقطة تحول في تاريخ مقاومة المعتقلين الكرد، ألهمت تضحيته رفاقه، وأعقبها في أيار 1982 إحراق أربعة معتقلين آخرين أنفسهم احتجاجاً على التعذيب.
ملحمة العصر ومرافعة خيري دورموش
بعد أشهر من استشهاد مظلوم دوغان، قرر أربعة من أبرز المعتقلين في سجن آمد، إطلاق إضراب مفتوح عن الطعام حتى الموت في 14 تموز 1982، والقادة الأربعة هم كل من: “محمد خيري دورموش، وكمال بير، وعاكف يلماز، وعلي جيجك”. واختاروا الإضراب كسلاح أخير في مواجهة سياسة القمع داخل السجن، مؤكدين أن الهدف ليس فقط تحسين ظروف الاعتقال، بل الدفاع عن الكرامة السياسية والإنسانية للمعتقلين.
قبل بدء الإضراب، كانت محاكمات معتقلي حزب العمال الكردستاني، تجري في أجواء مشحونة، وكان النظام العسكري يسعى إلى تقديمهم باعتبارهم مجرمين لا أصحاب قضية سياسية. لكن؛ محمد خيري دورموش، حوّل المحكمة العسكرية إلى منصة سياسية رافضاً الاعتراف بشرعية المحكمة العسكرية نفسها، إذ قدم مرافعة تاريخية دافع فيها عن أفكار رفاقه وعن حقهم في التعبير عن قضيتهم أمام محكمة مدنية سياسية.
ورفض أن تكون المحكمة مجرد أداة لإدانة سياسية جاهزة، وبعد ذلك أعلن دخوله في إضراب عن الطعام حتى الموت، في خطوة حملت رسالة واضحة، أن المعتقلين مستعدون لدفع حياتهم ثمناً لرفض الإذلال والتصفية المعنوية، بدأ الإضراب الكبير عن الطعام (الإضراب حتى الموت) في 14 تموز 1982، ليصبح أول إضراب جماعي من نوعه في تاريخ تركيا.
استشهاد الرفاق الأربعة ونهاية الإضراب
بعد إعلان محمد خيري دورموش إضرابه، انضم إليه رفاقه الثلاثة، كمال بير، عاكف يلماز، وعلي جيجك، لتتحول الخطوة الفردية إلى مقاومة جماعية، حيث انضم إليها فيما بعد المئات من كوادر وأنصار حزب العمال الكردستاني، في مختلف السجون التركية سواء في باكور كردستان أو في تركيا، كانت أيام الإضراب طويلة وقاسية، حيث تدهورت صحة المضربين بشكل خطير، لكنهم رفضوا التراجع. كانوا يرون أن الجسد يمكن أن يضعف، لكن الإرادة يجب ألا تنكسر.
استمر الإضراب أسابيع طويلة وسط معاناة شديدة، ليؤدي في النهاية على استشهاد القادة واحداً تلو الآخر:
كمال بير في اليوم الـ 53، ومحمد خيري دورموش في اليوم الـ 61، وعاكف يلماز في اليوم الـ 63، وعلي جيجك في اليوم الـ 65.
وكان استشهادهم نقطة تحول كبيرة في مسار الحزب وحركة التحرر الكردستانية، إذ تحولت أسماؤهم إلى رموز للمقاومة داخل الحركة الكردية، وأصبح يوم 14 تموز، يوماً يُستذكر بوصفه محطة تاريخية في مقاومة السجون.
بعد استشهاد القادة الأربعة وتصاعد الضغط السياسي والإنساني، اضطرت إدارة السجن والقيادة العسكرية التركية، إلى الدخول في مفاوضات مع ممثلي المعتقلين، وتولى “مصطفى قره سو” عضو اللجنة التنفيذية لمنظومة المجتمع الكردستاني حالياً، دوراً في تلك المرحلة، حيث اضطرت السلطات الفاشية التركية الى إجراء اتصالات وحوارات معه، انتهت إلى تلبية جزء كبير من مطالب المضربين، وقف بعض أشكال التعذيب، والسماح بالدفاع السياسي، وتحسين الظروف المعيشية، وانتهى الإضراب بانتصار معنوي كبير للحركة الكردية، رغم التضحيات الجسيمة، لم يكن إنهاء الإضراب نتيجة تراجع المعتقلين، بل جاء بعد أن أصبحت تكلفة استمرار سياسة القمع كبيرة سياسياً وإنسانياً، وبعد أن أثبت المعتقلون أن السجن لم ينجح في كسر إرادتهم.
لم تنتهِ قصة مقاومة سجن آمد بخروج المعتقلين من الزنازين، بل بدأت مرحلة جديدة في الذاكرة السياسية الكردية، فقد أصبح 14 تموز رمزاً للصمود والتضحية والفداء، ودليلاً على أن السجون قد تتحول أحياناً من أماكن للعقاب، إلى ساحات لإنتاج الرموز والأفكار والانتصار والمقاومة، لقد أراد منفذو انقلاب 12 أيلول أن يجعلوا من السجون أداة لإنهاء حركة سياسية، لكن مقاومة المعتقلين جعلت من تلك السجون عنواناً للصراع على الهوية والكرامة. وبينما بقيت جدران سجن آمد شاهدة على واحدة من أقسى مراحل الاعتقال السياسي في تركيا، بقيت كلمات الشهيد مظلوم دوغان: “المقاومة حياة”، تختصر فلسفة جيل كامل، رأى أن الإنسان قد يُحرم من الحرية، لكنه لا يفقد حقه في الدفاع عن كرامته واثبات ذاته، إن “المقاومة حياة”، وتضحيات الشهداء: مظلوم دوغان، وخيري دورموش، وكمال بير، وعاكف يلماز، وعلي جيجك، لم تذهب سدى، بل أصبحت وقوداً لثورة مستمرة من أجل الحرية والكرامة، لا زالت تستمر حتى تحقيق الأهداف الكاملة.