تناقلت كلّ وسائل الإعلام خبر نهاية البغداديّ متزعم داعش في قرية باريشا بريف إدلب، وأعلن مسؤول رفيع في وزارة الدفاع الأمريكيّة (البنتاغون) مقتل البغداديّ، فجر الأحد، في عملية وصفتها الوزارة بالسريّة، صدّق عليها الرئيس الأمريكيّ ترامب من قبل أسبوع، ونفّذتها حوامات أمريكيّة، بحسب ما نقلته مجلة “نيوزويك” الأمريكيّة.
دلتا فورس مبضع أمريكيّ للعمليات الدقيقة
قال مسؤول رفيع في البنتاغون، لم يذكر اسمه، لمجلة نيوزويك، إنّ تبادلاً قصيراً لإطلاق النار حدث عندما دخلت القوات الخاصة الأمريكيّة الموقع الذي كان فيه البغداديّ، مضيفاً أنّ البغدادي فجّر حزاماً ناسفاً، وكان أفراد من عائلته موجودين بالمكان لحظة تنفيذ العملية. وأشارت مصادر البنتاغون، إلى أن العملية لم تسفر عن إصابة أطفال بأذى، لكن اثنتين من زوجات البغداديّ قتلتا نفسيهما بتفجير حزامين ناسفين، مؤكّدة أنّ العملية نفذها فريق “دلتا فورس”.
وأيّاً كان توصيف العمليّة من حيث الأهمية والمستوى العملياتيّ والاستخباراتيّ والتقنيّ، فإنّها لا تعني زوال خطر الإرهاب من المنطقة، وقد رأينا أنّ مقتل أسامة بن لادن لم ينهِ تنظيم القاعدة ومخاطره.
هناك كثيرٌ من وجوهِ التشابهِ بين حادثي مقتل بن لادن في أيار 2011 والبغداديّ اليوم، فالمسألة عمليّة عسكريّة معقّدة من حيث المعلوماتِ الاستخباراتيّة التفصيليّة والقيام بإنزال مفاجئ بالحوامات محدودة زمنيّة تعتمد الغزارة الناريّة يقوم بها عناصر عالية التدريب من فرقة “دلتا فورس” المتخصصة في الاقتحام وتنفيذ العمليات في الظروف المعقّدة في عُمق العدو.
تنفّذُ القوة “دلتا فورس” مهاماً سريّة بالتعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية، وتقوم بمهمة حماية الشخصيات الهامة، وبخاصة خلال زيارتها للبلدان التي تشهد اضطرابات.
“دلتا فورس” تأسست عام 1977. بعد أن اتضحت الحاجة إلى قوة ضاربة تكون دقيقة داخل الجيش الأمريكيّ. وأول من قادها العقيد تشارلز بيكويث بعد سنوات من العمل مع الخدمة الجوية البريطانية الخاصة بهذا المجال، وتلقى دعماً إدارياً من قيادة العمليات الخاصة للجيش الأمريكيّ.
ومن أبرز المهام التي قامت بها القوة “دلتا فورس”، عملية “مخلب النسر” عام 1980، لتحرير الرهائن الأمريكيين داخل السفارة الأمريكيّة بطهران، إلا أنّ العملية فشلت إذ قتل 8 أمريكيين وتدمير طائرتين. ونفذت عمليات خلال الحرب في أفغانستان عقب هجمات 11/9/2001.
رسائل واشنطن من إدلب
يبدو أنّ الرئيس ترامب لم يكن على ثقة بمجريات الحادث واكتفى بالحديث عن حدثٍ كبيرٍ، ولكن واشنطن أرادت أن توصل رسالة مهمة فالتحضير للعملية كان يتم بالتزامن مع انسحابٍ أمريكيّ من المناطق الحدوديّة والعدوان التركيّ، وإعادة انتشار في مناطق أخرى واضطرابٍ في الموقف الأمريكيّ.
هذه العملية ما كانت لتتمَّ لولا التنسيق مع الجانب الروسيّ والتركيّ، فالمسألة تتعلقُ بتحليقِ ست حوامات، ويحتاج عملُ الطيران تنسيقاً كبيراً من غرف العمليات الجويّة، وهو يختلفُ عن الاختراقاتِ والعملياتِ على الأرض، ما يؤكّد وجودَ تنسيقٍ متقدمٍ بالمستوى الاستخباراتيّ والعملياتيّ، والمسألة تنسحب على مناطق أخرى أيضاً.
ومن الرسائلِ التي أرادت واشنطن إرسالها عبر عملية نوعيّة بهذه الدقة والأهمية، تأكيدُ الحضور على مستوى العمليات، وليس بمجردِ التموضعِ في قواعد عسكريّة، وأنّ ما تقوم به هو إعادة انتشارٍ على مستوى المنطقة، فالحواماتُ انطلقت من خارج الحدود السوريّة، وقيل إنّها أقلعت من قاعدة عسكريّة قرب أربيل.
من جهة أخرى تمّت الإشارة إلى جهدٍ خاص قامت به قوات سوريا الديمقراطيّة على مستوى المعلوماتيّ والجهد العسكريّ، وهو يعني وصول هذه القوات إلى مستوىً عالٍ من التنظيم والتدريبِ وإمكانيّة التنسيق معها وحضورها الفاعل.
إنّ وجودَ البغداديّ في إدلب يعني احتواءه في الحاضنة التركيّة حيث تعترضُ أنقرة على العمليةِ العسكريّة فيها، وتحتجُّ بالمدنيين العزل، وهو ما يؤكّد أنّ كلّ عناصر مرتزقة داعش الذين فروا من شمال وشرق سوريا وجدوا ملاذات آمنة في مناطق النفوذ التركيّ، وهي الورقة التي لوّحت بها أنقرة لابتزاز الدول، وقد قامت بإعادة تنظيم أعدادٍ منهم في إطار العدوان على شمال وشرق سوريا.
من المهم أن نتذكرَ هدفَ مرتزقة داعش الأساسيّ هو إحياء الخلافة الإسلاميّة التي انتهت عام 1924 في إسطنبول، ويذكر في بياناته أنّه يحارب الصليبيين ويتطلع للسيطرة على روما وإقامة الدولة الإسلاميّة الكبرى، ويصف من يخالف آراءه وتفسيراته بالرِّدة والشِّرك والنفاق، ويستحلُّ دماءهم.
ولا يمكن القطع بانتهاء مرتزقة داعش بمقتل البغداديّ فهناك الآلاف من المبايعين له في مناطق كثيرة من العالم، كما تنتشر الخلايا النائمة في المناطق المحررة، كما تواصل حكومة أنقرة دعم مرتزقة داعش بكلِّ الوسائل، وصولاً للعدوان الحالي على شمال سوريا الذي أرادت عبره مدَّ حبلَ النجاةِ لعناصره وتخليصَ المرتزقة الموقوفين من السجون.
رامان آزاد




