يواصل كبير الفاشيين أردوغان تهديدَ الاتحادِ الأوروبيّ بفتح الحدود أمام اللاجئين السوريين للتدفق، وفي 10/9/2019 قال أردوغان “إن بلده لا يمكنها تحملُ موجةِ هجرةٍ جديدة من شمال سوريا”، مضيفاً أنّه يتعين على أنقرة وواشنطن إقامة “منطقة آمنة” هناك بأقرب وقت ليتمكن اللاجئون من العودة إليها، وذكر ذلك في خطابه أمام الأمم المتحدة في 24/9/2019 وبررَ الحربَ على شمال السوريّة في 9/10/2019 لهذه الغاية.

ومن صور الابتزاز المبالغة بعدد اللاجئين، وقد ذكر معهد “دي زيم DeZim” الألمانيّ في30/9/2019 عبر موقعه الإلكترونيّ أنّه “من الواقعيّة” اعتبارُ عددِ اللاجئين حوالي 2,7 مليون سوريّ وليس 3.7 مليون، مشيراً إلى أرقامِ الهيئةِ التركيّةِ للهجرةِ ومفوضيةِ الأممِ المتحدة السامية للاجئين، وتقديرات علميّة.
في السياسة أهدافٌ محددة، فيما تأتي المواقفُ والقرارات لتحقيق الأهداف، ومن حيثُ الهدفِ لا ترغبُ أوروبا باستقبال موجات جديدة من اللاجئين وتخشى تهديدات أردوغان ولهذا فالموقف الأوروبيّ مترددٌ بين التنديد بالعدوان ورفضه دون مواقفَ فاعلةٍ بسبب التهديد بملف اللاجئين بمقابل مقترحاتٍ تخضع لشروطِ أنقرة وابتزازها.
إلغاء أم تمديد لاتفاقية اللاجئين؟
توصلت أنقرة وبروكسل في 18/3/2016 إلى اتفاقية للحدِّ من تدفقِ اللاجئين من تركيا إلى دولِ الاتحاد الأوروبيّ. وأدّت إلى تراجعٍ كبير في حركة تدفق المهاجرين، إلا أنّها كانت محلَّ انتقادات واسعة لأحزابٍ سياسيّةٍ ومنظماتٍ إنسانيّة.
وبموجب الاتفاقية، وعدت بروكسل أنقرة بستة مليارات يورو. لكنّ أردوغان قال إنّهم حصلوا على 3 مليارات يورو حتى الآن، فيما أكّدت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية ناتاشا بيرتو أنّ الاتحاد الأوروبيّ قدّم 5.6 مليار يورو لتركيا بموجب الاتفاق، وأنّ “الرصيد المتبقي المقرّر سيرسلُ قريباً”.
تقول نائبة رئيس البرلمان الألمانيّ كلاوديا روت “أردوغان يبتزنا بشكل لا يُطاق”، وتضيفُ روت لصحيفة “دي فيلت” الألمانيّة: “الدول الأوروبيّة وبضغطٍ من الحكومة الألمانيّة جعلت الاتفاقية بين الاتحاد الأوروبيّ وتركيا تعتمد على حكومة تركيّةٍ تنتهكُ حقوق الإنسان ولا تُطبقُ اتفاقيةَ جنيف للاجئين”.
وترى روت أنّ إلغاء الاتفاقِ هو الحلّ، لكيلا تتعرض أوروبا لابتزازِ أردوغان: “يجب ألا نسمحَ أن يتم ابتزازنا من قبل رجل يقول: إذا انتقدتموني أو لم ترسلوا لي الأموالَ، سأرسلُ الناسَ عبر البحر! هذا مثيرٌ للشفقة”، مضيفة: “أردوغان يستخدمُ لاجئي الحرب ويستخدمنا كوديعةٍ سياسيّة لسياساته المجنونة”. وتؤكد روت أنّ “إلغاءَ اتفاقية اللاجئين مع تركيا لا يعني التخلّي عن اللاجئين فيها”.
بالمقابل يؤكّد سياسيون آخرون ضرورةَ تمديدِ الاتفاقية الحالية التي تنتهي في 2022. وقال رئيس الكتلة البرلمانيّة لحزب الشعبِ الأوروبيّ بالبرلمان الأوروبيّ، مانفريد فيبر، إنّه يؤيد زيادةَ المبالغِ المدفوعة إلى تركيا بالمستقبل. وأشار فيبر إلى أنّ الاتفاق يسهمُ بمكافحة عصاباتِ تهريبِ المهاجرين. إلا أنَّ السياسيّ الألمانيّ حذّر تركيا بالوقت نفسه من “ابتزاز” الأوروبيين: “من يلعب باتفاقية اللاجئين يهدّدُ العلاقاتِ الاقتصاديّة بين أوروبا وتركيا، وعلى الأتراك معرفةَ ذلك”.
مساعداتٌ أم عقوباتٌ اقتصاديّةٌ؟
ويطالب سياسيون في حزبي الخضر واليسار الحكومةَ الألمانيّة بإجراءات إضافيّة لمواجهةِ تهديداتِ الديكتاتور أردوغان، وطالب برلمانيّ حزب الخضر ورئيسه السابق جيم أوزدمير الحكومة بالضغطِ على تركيا اقتصادياً.
يؤكّد ماكسيميليان بوب، المختصُّ بالشؤونِ الألمانيّة التركيّة بصحيفة شبيغل الألمانيّة، على ضرورة “تحمّلِ الأوروبيين مسؤولياتهم تجاه اللاجئين في تركيا”، ويضيف: “يجب ألا يتركَ الأوروبيون الانطباع بأنّهم قابلون للابتزاز من قبل أردوغان”. ويرى بوب أنّ الفاشي أردوغان لن يفرط في اتفاقية اللجوء، ويضيف: “تهديدات أردوغان فارغة، ولديه اهتمام باستمرار الاتفاقية مثله مثل الأوروبيين، فالأمر يتعلق بالنسبة له بالحصول على مليارات اليوروهات”. ويرى بوب أنّ أي عقوبات اقتصاديّة أوروبيّة على تركيا ستعقّد مسألة اللجوءِ، ويؤكّد مجدداً على ضرورة تقديم مزيد من المساعدات الأوروبيّة للاجئين بتركيا أنفسهم لتحسين أوضاعهم فيها، ما يدفعهم للاستقرار فيها.
منطقة حماية دوليّة وإعادة توطين السوريين
اقترحت زعيمة الحزب المسيحيّ الديمقراطيّ (حزب المستشارة ميركل ووزيرة الدفاع الألمانيّة) إقامةَ منطقةٍ آمنةٍ مراقبة دوليّاً عند الحدود السوريّة التركية مؤكّدة أنّ الوضع في سوريا يؤثر على أمن أوروبا. وفي حديث للتلفزيون الألمانيّ DW مساء الاثنين 21/10/2019 أوضحت كرامب كارينباور أنّها تشاورت حول هذا المقترح مع ميركل ونقلته إلى حلفاء غربيين وأكّدت كارينباور، أنّ “استقرار المنطقة سيسمحُ بإعادةِ إعمارها ما يتيح بالعودة الطوعيّة للاجئين إليها”. وفي محاولةٍ لتبريرِ المقترحِ الألمانيّ قالت كرامب –كانيباور في 24/10/2019: “تبقى حقيقةَ أن دولةً ما وهي تركيا شريكنا في حلف شمال الأطلسيّ (ناتو) بغضِّ النظر عن مصالحها الأمنيّة المبررة، ضمّت إقليماً بالمخالفة للقانون الدوليّ، وأنَّ أناساً تم طردهم”.
يرى مراقبون الدعواتِ لإقامة هكذا منطقة محاولةً لتجنبِ تهديداتِ أردوغان، وقال خبير الشؤون الخارجيّة بحزبِ الخضر، أوميد نوريبور: إنّ تصريحات كرامب-كارينباور الأخيرة حول المنطقة الآمنة “تثبّتُ الانطباعَ بأنّ الرئيسَ التركيّ أردوغان بإمكانه ابتزازَ ألمانيا بالتهديد بفتحِ الباب أمام المهاجرين لأوروبا”، وأضاف: “الخوفُ من اللاجئين يحجبُ رؤيةَ الواقعِ لدى البعضِ بالحزبِ المسيحيّ الديمقراطيّ”.
واعتبر رئيس المجموعة البرلمانيّة لحزب الخضر، أنتون هوفرايتر، أنّ دعوة زعيمة الحزب الديمقراطيّ المسيحيّ لإنشاء منطقة حماية دوليّة “مناورة تضليل بحتة”، مشيراً إلى أنّ كارينباور “لا تستطيع التوضيحَ واقعيّاً كيف يمكنُ تطبيق ذلك، لا دبلوماسيّاً ولا سياسيّاً ولا ماديّاً”.
وحذّر رئيس الحكومة المجريّة من أن تركيا “إما ستقوم بإرجاع اللاجئين إلى سوريا، أو إطلاقهم باتجاه أوروبا”، وهدّد باستخدام القوة لمنع المهاجرين “غير الشرعيين” من دخول بلاده إذا نفّذت تركيا تهديداتها.
وبحسب مجلة فيرتشافت فوخه الألمانيّة، فإنّ “سياسة اللجوء الأوروبيّة الحالية تجعل الاتحاد الأوروبيّ قابلاً للابتزاز” في مجال اللاجئين. وطالما بقيت أوروبا دون سياسة لجوءٍ موحّدة ومتماسكة، وتقول المجلة “الدول الأوروبية لن تستطيع سوى فعل القليل أو فعل لا شيء أمام تهديدات أردوغان”.




