No Result
View All Result
سيلفا الإبراهيم
السلطة لا تعادي الكرد كوجود، بل تعشق الكردي المصنوع على مقاسها، وتستهدف بشراسة، الكردي الحر، المطالب بهويته وحقوقه، هذا ما يجسده الواقع التاريخي وفق تحليلات الثائرين الكرد.
“الثورة يصنعها العظماء، ويقودها الفقراء، ويجني ثمارها الأغنياء”.. مقولة شهيرة تختزل مفارقة إنسانية وتاريخية أزلية؛ فالبعض يعرق ويعمل، والبعض الآخر يأكل، في معادلة مجحفة يزرع فيها المقاوم الأرض بدمه، بينما يجني ثمارها العابرون في لحظات الحصاد.
في سياق النضال السياسي وحركات التحرر، لا يتوقف هذا المفهوم عند حدود الطبقات الاجتماعية وصراعها، بل يمتد ليعكس واقعاً تراجيدياً يتكرر عبر العصور ويشهد عليه التاريخ في كل منعطفاته الكبرى، إنهم الثوار الحقيقيون أولئك الذين يحملون على عواتقهم وزر البدايات، ويقودون الثورات في أحلك الظروف، ويدفعون من أرواحهم وحريتهم ضريبة الصمود. لكن؛ وما إن تدور عجلة الزمن وتصل تلك التضحيات إلى مرحلة التتويج، وينقشع غبار المعارك لتبدأ مرحلة صياغة القوانين ورسم الملامح السياسية للمستقبل، حتى تجد هذه الفئة المناضلة نفسها خارج المشهد، جرى إقصاؤها وتغييبها بفعل فاعل.
الإرث الاستعماري… استبدال المناضلين بأصواتٍ شكليّة
شكّلت الهندسة السياسية الأخيرة لانتخابات البرلمان السوري (مجلس الشعب)، والتي أسفرت عن إقصاء الشريحة الكردية الحقيقية التي ناضلت وقدمت آلاف الشهداء لحماية مناطقها، حلقة جديدة في مسلسل تاريخي ممتد، فهذا السلوك القائم على استبدال المناضلين بأصوات شكلية طيّعة، هو ذاته التكتيك الذي وضعت لبناته الأولى القوى الاستعمارية والأنظمة الإقليمية منذ أكثر من قرن.
ففي غياهب التخطيط لسايكس بيكو 1916، لم يُجزّأ الجسد الجغرافي الكردي فحسب، بل بدأت معها استراتيجية خبيثة تقوم على تقريب واجهات محلية مستكينة لتمرير مشاريع التفتيت، لتصل إلى ذروتها في كواليس معاهدة لوزان 1923، هناك برز تكتيك مصطفى كمال أتاتورك الذي اعتمد على “التمثيل المزيف” كأداة شرعنة أمام المجتمع الدولي، مستعيناً بنوابٍ كرد من “البرلمان التركي الأول” تم انتقاؤهم بعناية ليرسلوا برقيات تضليلية إلى عصبة الأمم تزعم باسم الشعب الكردي رضاهم بالاندماج الكامل وإنكار خصوصيتهم، ليكون هؤلاء الواجهة التي أُجهضت خلفها الحقوق، في وقتٍ كان فيه قادة الثورات الحقيقيون يُساقون إلى المشانق لرفضهم التنازل.
كُرد على مقاس رغبات السلطة
يُفكك القائد عبد الله أوجلان هذه الجدلية بعمق في أطروحاته الفكرية ومجلداته خاصةً في سياق تحليلاته لحضارة الرأسمالية والشرق الأوسط، حيث طوّر مفهوماً متكاملاً يُعرف بـ “الكردي المستأنس” أو “الكردي البديل” في مواجهة “الكردي الحر”.
ويمكن تلخيص رؤية القائد عبد الله أوجلان حيال هذا التكتيك في عدة نقاط أساسية وهي خلق “ذات مشوهة” تخدم السلطة، إذ يرى أن الأنظمة الحاكمة لا تستهدف الجسد الكردي بقدر ما تستهدف تصفية “إرادته السياسية الحرة”، السلطة تسعى دائماً إلى صياغة شخصية كردية مجردة من جوهرها القومي والاجتماعي، تُمنح مناصب أو امتيازات شكلية شريطة أن تتبنى عقلية النظام وتتحول إلى أداةٍ لشرعنة إنكار حقوق شعبها.
ويشير القائد أوجلان بكثافة في تحليلاته التاريخية منذ عهد أتاتورك وحتى العصر الحديث إلى أن الأنظمة الاستبدادية تعتمد دائماً على نخب عشائرية، أو إقطاعية، أو “برجوازية مستسلمة” تبيع قضية شعبها مقابل “فتات المائدة” والحفاظ على مصالحها الضيقة، وتُستخدم كواجهة لتمرير سياسات الصهر والإقصاء.
ويوضح القائد أوجلان أن خطورة هذا الصنف “المصنوع على المقاس” تكمن في أنه يُعطي انطباعاً زائفاً للدخل والخارج بأن “الكرد ممثلون في الدولة”، بينما هم في الحقيقة يقومون بدور المخدّر للشعور القومي والتحرري، ويشاركون بصمتهم أو تبريرهم في تصفية المنجزات الحقيقية التي عُمّدت بدماء الشهداء.
في المقابل، يؤكد القائد عبد الله أوجلان أن الرد الحاسم على هذه المؤامرات التاريخية لا تكون بانتظار اعتراف أو هبات من السلطة المركزية، بل عبر تنظيم الشعب لنفسه بناءً على نظام الأمة الديمقراطية والدفاع المشروع، وخلق “الكردي الحر” الوعي بذاته، والذي يرفض أن يكون مجرد بيدق في رقعة مصالح الأنظمة.
هندسة الإقصاء… تمثيل صوري لا يتجاوز 4%
هذا التناقض الصارخ ليس وليد حدث عابر في الحاضر، بل هو منهج ثابت تتبعه الأنظمة والخصوم لكسر إرادة الشعوب، فحين تلوح في الأفق لحظة قطف ثمار سنوات من الكفاح، يُستبعد أصحاب الحق الأصليون الذين دافعوا عن الوجود والهوية، ليُستبدلوا بواجهات هادئة لم تعرف وعورة الدرب، صُنعت فقط لتعتلي منصات التتويج وتوقّع على صكوك التنازل، ليكون المشهد الختامي دوماً، تضحيات يعمدها المناضلون بدمائهم، وثمار يقتنصها المستأنسون برضا جلاديهم.
تتجلى هذه السياسة في التشكيل البرلمان السوري الجديد، الذي منح للكرد نسبة (4%) من نسبة المقاعد البرلمان، هذا التوزيع الهزيل حوّل العملية برمتها من سياقٍ انتخابي إلى “تعيينات فوقية” صممتها دمشق لالتفاف فج على الحقائق الديموغرافية والسياسية وثقل الكرد السكاني في سوريا عموماً وفي روج آفا خصوصاً.
ولم يتوقف الإقصاء الممنهج عند الحقوق القومية والسياسية العامة، بل امتد ليشكل طعنةً صارخة للمرأة الكردية التي قادت ثورة روج آفا وعمّدت حريتها بالدماء عبر قيادة معارك النضال ضد داعش الإرهابي الذي كان يهدد العالم أجمع، فالبطلات اللواتي أدهشن البشرية بصلابتهن في ميادين القتال، حُرمن تماماً من أي تمثيل في البرلمان السوري، فضلاً عن أن مقاعد النساء فيه عموماً لم تتجاوز الـ 14 بالمئة.
يأتي هذا التغييب المجحف في وقتٍ اختلقت فيه الحكومة السورية المؤقتة العديد من العقبات بما يتعلق بملف دمج وحدات حماية المرأة (YPJ) بوزارة الدفاع؛ ما يؤكد استمرار العقلية الإقصائية في محاربة الدور الريادي والتاريخي للمرأة الحرة، ويمكن متابعة تفاصيل وتطورات هذه المواقف عبر التغطية المستمرة لمركز الأخبار لتداعيات الهيكلية السياسية الجديدة.
صرخة سياسية بوجه التهميش
وقد أثارت هذه التعيينات سخط الأحزاب الكردية، ولم يكن هذا الموقف الصلب وليد اللحظة، بل جاء امتداداً طبيعياً للمُخرجات التاريخية لـ “مؤتمر وحدة الموقف والصف الكردي في روج آفايي كردستان” الذي عُقد العام الماضي في مدينة قامشلو، وهو المؤتمر الاستثنائي الذي نجح في تسمية ممثلين حقيقيين ومفوضين عن الإرادة الكردية العامة لحماية مكتسبات ثورة 19 تموز.
ورداً على خطوة دمشق، وتماشياً مع إجماع مع مخرجات المؤتمر، أصدرت أربع وعشرون من القوى والأحزاب السياسية الكردية بياناً تاريخياً حازماً ومشتركاً، أعلنت فيه الرفض القاطع والجملي لهذه التعيينات وآلية التوزيع الحالية، واصفة إياها بأنها استمرار لسياسات التهميش العنصري ومحاولة واضحة لتغييب القضية الكردية.
وقد تجسد موقف الأحزاب في التمسك الصارم بحق الشعب الكردي في تمثيل برلماني حقيقي وعادل لا يقل عن 40 مقعداً يشغلها مناضلون حقيقيون يتبنون قضية شعبهم العادلة في روج آفا تماشياً مع نسبتهم السكانية الواقعية. كما حذّرت هذه القوى من أن قبول أي جهة سياسية أو اجتماعية بهذه المقاعد الأربعة الهزيلة يمثل سابقة تاريخية بالغة الخطورة؛ لأنها ستكون أساساً يُبنى عليه مستقبلاً لتثبيت حصص الكرد بنسب دنيئة في مفاصل الدولة كافة، من وظائف سيادية وحقائب وزارية ومؤسسات قضائية ودبلوماسية؛ ما يعد بمثابة حكم بالإعدام السياسي على حقوق الأجيال القادمة، الأمر الذي يحمّل الجهات القابلة بها المسؤولية التاريخية الكاملة أمام الشعب.
منبهين المجتمع الدولي والسوري في الوقت نفسه إلى أن الاستمرار في هذه السياسات الإقصائية لن يساهم إلا في تعميق الأزمة السورية وضرب مساعي الاستقرار وتفتيت النسيج المجتمعي للبلاد.
شرعنة التزييف بفتات المقاعد
في الوقت الذي انتفضت فيه الحركة السياسية الكردية بمختلف تياراتها الملتزمة بمخرجات “مؤتمر وحدة الموقف والصف الكردي في روج آفايي كردستان”، رفضاً لهذا الإقصاء الممنهج، وجه المجلس الوطني الكردي طعنةً سياسية لهذا الموقف الوطني الجامع، إذ برز كجهة وحيدة غردت خارج السرب بعدم انضمامه للموقف الكردي الموحد وامتناعه عن رفض هذه الآلية الصورية، ليسير بذلك عكس التيار الشعبي والوطني العام.
وبموجب هذا التوافق المعزول الذي يشرعن سياسة الاستقطاب وتصنيع البديل، حجز أحد عشر نائباً كردياً مقاعدهم في البرلمان، معظمهم يمثلون المجلس الوطني الكردي، إلى جانب شخصيات مجتمعية أخرى مغمورة. هؤلاء جميعاً يجمعهم قاسم مشترك واحد يتطابق مع نموذج “كرد المقاس”، وهو افتقارهم التام لأي رصيد نضالي حقيقي على الأرض، وغياب أي بصمة لهم في الدفاع عن قضايا شعبهم، ليتحولوا بذلك إلى مجرد واجهات شكلية ومستأنسة لا تملك أي تفويض شعبي لإشغال هذه المقاعد، بل تم توظيفهم كأداة لتمرير سياسات الإقصاء والتغطية على جريمة سلب الحقوق المشروعة.
وبذلك قاطع المجلس الوطني الكردي مساعي توحيد الصف، وارتضى الاندماج والقبول بفتات مقاعد برلمان دمشق الصورية، ليمنح السلطة شرعنة مجانية تُجهض مخرجات المؤتمر الذي كان جزء منه، وتتحرك بعكس التيار الشعبي والوطني العام لحماية مكتسبات ثورة 19 تموز.
في الخلاصة ما يفعله النظام في دمشق اليوم هو دقة متناهية لما حذّر منه القائد عبد الله أوجلان، محاولة استبدال “المشروع الديمقراطي الحقيقي وإرادة الشعب الحرة” التي تمثلها ثورة 19 تموز، بنماذج مستأنسة ومصنوعة في أروقة المخابرات لشرعنة نظام الإقصاء.
No Result
View All Result