قامشلو/ سيدار رشيد ـ في صباح 27 تموز 2016، تعرض الحي الغربي في مدينة قامشلو، على طريق عامودا، لواحدة من أعنف الهجمات الإرهابية في تاريخ روج آفا وسوريا، عندما فجّرت “مرتزقة داعش” شاحنة مفخخة يقودها انتحاري وسط منطقة مكتظة بالسكان والمحال التجارية، بالقرب من مقرات أمنية، ما أدى إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة خلّفت عشرات الشهداء ودماراً واسعاً.
جاء الهجوم في مرحلة كانت مرتزقة داعش تتعرض فيها لخسائر ميدانية كبيرة، خاصة مع تقدم القوات التي كانت تقاتله في شمال سوريا، ولا سيما في محيط منبج ومناطق أخرى، ومع تضييق الخناق عليه عسكرياً، لجأت المرتزقة إلى تنفيذ هجمات انتحارية تستهدف المدن والأسواق والأحياء السكنية لإثبات قدرته على إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر البشرية وإثارة الفوضى والرعب بين المدنيين.
كيف وقع الهجوم؟
قاد مرتزق انتحاري شاحنة محملة بكميات ضخمة من المتفجرات إلى الحي الغربي، قبل أن يفجرها بالقرب من نقطة أمنية وفي منطقة تعج بالمدنيين والمتاجر، وشدة الانفجار كانت هائلة لدرجة أنها سُمعت في معظم أحياء المدينة، وأحدثت حفرة كبيرة، بينما انهارت أبنية بالكامل وتضررت عشرات المباني والمحال والسيارات في محيط التفجير، وأكدت تقارير إعلامية أن التفجير كان الأعنف الذي شهدته المدينة حتى ذلك الوقت.
شهداء وهدم
وتفاوتت الإحصاءات بشأن عدد الشهداء بسبب استمرار انتشال الجثامين والمفقودين بعد الانفجار، إلا أن معظم المصادر أشارت إلى ارتقاء ما بين 62 مواطناً إلى الشهادة، إضافة إلى أكثر من 170 جريحاً، بينهم نساء وأطفال ومدنيون وعناصر أمن، وبقي عدد من الأشخاص في عداد المفقودين تحت الأنقاض خلال الساعات الأولى بعد التفجير.
ولم تقتصر المأساة على الشهداء والجرحى، بل خلفت عشرات العائلات المفجوعة، وترك العديد من الأطفال أيتاماً، فيما عانى الجرحى من إصابات دائمة وإعاقات جسدية ونفسية ما تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.
أضرار مادية
كما خلّف التفجير دماراً واسعاً في البنية التحتية للحي الغربي، حيث “دُمرت أبنية سكنية بالكامل، تعرضت عشرات المنازل للتصدع أو الانهيار الجزئي، احترقت عشرات السيارات، دُمرت محال تجارية ومؤسسات خدمية، تضررت شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات، احتاجت المنطقة إلى أشهر من أعمال إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار”، كما تكبد أصحاب المحال التجارية خسائر كبيرة، وفقد كثيرون مصادر رزقهم نتيجة الدمار الذي أصاب ممتلكاتهم.
الهدف من التفجير
ولم يكن اختيار الحي الغربي عشوائياً، بل حمل عدة أهداف، أبرزها إيقاع أكبر عدد ممكن من الشهداء المدنيين، بث الخوف وزعزعة الاستقرار في مدينة تُعد من أكثر المدن تنوعاً من حيث الشعوب، الانتقام من الخسائر العسكرية التي تكبدها المرتزقة، إظهار أن داعش ما زال قادراً على تنفيذ عمليات كبيرة رغم تراجعه الميداني، استهداف الحياة الاقتصادية والاجتماعية عبر ضرب الأسواق والمرافق المدنية.
آثار إنسانية ونفسية
ولا تزال ذكرى التفجير حاضرة في ذاكرة أهالي قامشلو، إذ يستذكر السكان مشاهد الدمار والدخان والجثامين وفرق الإسعاف التي عملت لساعات طويلة لانتشال الشهداء، كما يعاني العديد من الناجين حتى اليوم من آثار نفسية، مثل اضطرابات ما بعد الصدمة والخوف من التفجيرات والأماكن المزدحمة.
هل انتهى خطر داعش؟
ورغم إعلان هزيمة مرتزقة داعش عسكرياً في آخر معاقله عام 2019 في الباغوز في ريف دير الزور الشرقي، إلا أن خطره لم ينتهِ بالكامل، فما تزال خلاياه النائمة تنشط في مناطق مختلفة من سوريا والعراق، وتنفذ عمليات اغتيال وتفجيرات وهجمات متفرقة، مستفيدة من الظروف الأمنية والاقتصادية المعقدة، كما حذرت تقارير أممية ودولية مراراً من قدرة المرتزقة على إعادة تنظيم صفوفه إذا توفرت له بيئة مناسبة.
وتشير التطورات الأمنية خلال عام 2026 إلى استمرار الإعلان عن تفكيك خلايا مرتبطة بمرتزقة داعش في سوريا، ما يؤكد أن التهديد لا يزال قائماً، وإن كان أقل من ذروة نشاطه في الأعوام السابقة.
ويبقى تفجير الحي الغربي في قامشلو في 27 تموز 2016، إحدى أكثر المجازر دموية التي ارتكبها مرتزقة داعش في روج آفا وسوريا، ليس فقط بسبب عدد الشهداء وحجم الدمار، بل لما تركه من أثر عميق في الذاكرة الجماعية لسكان المدينة، وبعد مرور سنوات على المأساة، لا تزال ذكراها تؤكد أن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على الحسم العسكري، بل تتطلب أيضاً تعزيز الأمن، والحفاظ على الوعي المجتمعي لمنع عودة المرتزقة أو تكرار مثل هذه الجرائم.
هذا، وقد عاد الحي الغربي تدريجياً إلى الحياة، رغم حجم الدمار الذي خلّفه التفجير، حيث يواصل الأهالي إعادة بناء الأبنية والمحال التجارية التي دمرها الانفجار، في رسالة تؤكد تمسكهم بالحياة ورفضهم للاستسلام للإرهاب.
هذا؛ ويستذكر أهالي قامشلو كل عام في هذ التاريخ منذ عشر سنوات المجزرة عبر فعاليات متنوعة في موقع التفجير ويجددون العهد على مواصلة طريقهم.