بدرخان نوري
تعيشُ منطقةُ الشرقِ الأوسطِ منذ أكثر من قرنٍ دوامةً مستمرةً من النزاعاتِ البنيويّةِ التي غيّبتِ الإنسانَ لصالحِ حدودٍ مصطنعةٍ ومصالح دوليّةٍ معقّدةٍ. ولم يعدِ الآخرُ حالة وجود مماثلة وشريك الجغرافيا، بل بات “فوبيا” ومنظومة كراهية متكاملة، جرت هندستها وتشبيك روافدها التاريخيّة والدينيّة والسياسيّة بدقةٍ، عبر آليات عدة منها تزييفُ الوعي الجمعيّ، وتحوير البنى التقليديّة كالعشائر، وصولاً إلى تأطيرِ التهميشِ والاستبداد دستوريّاً ضمن صيغةٍ قوميّة أحاديّة وتعميمه ثقافيّاً وترويجه إعلاميّاً.
جينات الإنكار البنيويّ
أُسِّستِ الكراهية الهيكليّة ضد الشعوب القوميّة الأصيلة، وفي مقدمتها الكرد، مع ولادة الكيانات السياسيّة القوميّة التي أفرزتها اتفاقية سايكس بيكو 1916. فقبل قرن، رُسمت الحدود لتلبية مقتضيات مصالح القوى الاستعماريّة، وجرى فرز المجتمعاتِ إلى أكثريات سياديّة وأقليات هامشيّة وفق فرزٍ قوميّ صارمٍ، ولتتشكّل الهويات القاتلة كما عرّفها المفكر أمين معلوف.
لم تؤدِّ الهندسة السياسيّة لضبط الجغرافيا فقط، بل أعادت صياغةَ الوعي؛ فأصبح التاريخ الممتد لآلاف السنوات يُقرأ بانتهازيّة وفقاً لاتفاقية التقسيم، ويُنكر الوجود الكرديّ الأصيل؛ لأنّ قلم المستعمر لم يمنحه خطاً حدوديّاً. وجرى تقديس الحدودِ المصطنعة كجدارٍ حامٍ للكيانِ وشرطٍ للانتماء الوطنيّ، بينما أُعفي مجتمعُ الأغلبيّة من مراجعةِ سياساتِ التذويبِ القسريّ.
منحت هذه المنظومة الأكثريّة وهماً بالسيادة وإرضاء لغرورها القوميّ، محوّلة الآخر تلقائيّاً من شريكٍ أصيلٍ في الأرض والتاريخ إلى طامعٍ تجب محاربته لرفع الحرجِ عن السلطةِ القائمة. والمفارقة تكمنُ في إنكار الوجود التاريخيّ لشعوبٍ لم تشملها صكوكُ القرن العشرين، ما خلق اغتراباً يُطالب فيه الكرديّ بإثبات براءته من تهمة الانتماء لأصله.
وبدل التعامل مع الحدود كأمر واقع عابر، تحولت إلى عقيدةٍ إقصائيّةٍ تمنع التواصل وترسخ حالة العداوة والوصاية على العقول. فهذا الإنكار يتغذّى على نرجسيّة تصفُ انتماءها بالكمال والعدل المطلق، وتعتبر صرخةَ المظلوم مؤامرةً تهدف للتفتيت، وتُمارس ضد الكرد كلّ وسائل القمع من التهميش والإقصاء إلى التجريد من الجنسيّة وحملات الإبادة الجماعيّة.
هذه التعمية منعت ظهور تيارات نقديّة ترفض فرض الثقافة بالقوة أو وصم تطلعات الشريك بالخيانة. وهكذا تحولت “فوبيا الآخر” إلى ثقافة مجتمعيّة تتكامل فيها السرديات الدينيّة والتاريخيّة، لتنتج حكمَ إعدامٍ معنويّ وماديّ مسبق ضد الكرد عبر اتهامات جاهزة؛ كالانفصال القوميّ، والإلحاد، والعمالة للغرب، وعدم الأهليّة لإدارة شؤونهم.
تلغيم الوعي بالمناهج المدرسيّة
يتجلى المظهر الأكثر خطورةً ورسوخاً لمنظومة الكراهية البنيويّة في المناهج التعليميّة، إذ يجري تلقين الناشئة دروساً تاريخيّة موجّهة تغذّي “عقد التفوق الشوفونيّ” وتصنع وعياً مشوّهاً، وتعتمدُ آليّة تزييف معرفيّ تبالغُ بتمجيدِ التاريخ القديم وسيادةِ ثقافة الأغلبيّة المهيمنة، وتصوّر الحروبَ الإقصائيّة الغابرة بأنّها “حروب ضرورة حضاريّة” والحروب الحالية بأنّها للضرورة الأمنيّة والوطنيّة، فيما تنتقصُ من تاريخِ وثقافة الشعوب القوميّة الأخرى الأصيلة.
يعدُّ غياب التوازن الأخلاقيّ والمعرفيّ في تناول التاريخ المدرسيّ الأداة الأقوى لترسيخ خطابِ الكراهية والفوبيا المستدامة؛ فأبناء الغالبين يتطلعون بغريزةٍ استعلائيّةٍ لإعادة فصول الماضي وتجديد الغلبة، بينما تحرّضُ رغبةٌ مضادةٌ لدى أبناء الطرف الآخر، ليكونَ التاريخُ حلبةَ صراع وليس مساحة تواصل وثقافة.
وتصل الأزمة ذروتها الصادمة في الموقف المشوّه من الرموز والجرائم التاريخيّة الحديثة، إذ يظهر انقسام حادٌ يجعل من المستحيل التقاء الشعوب على أرضيّة المواطنة. فلا يمكن للكرديّ، الحامل ندوب الإبادة، التعايش مع مواطنٍ يمجّد نظام صدام حسين انتصاراً لأيديولوجيا البعث، متجاهلاً مجزرة الأنفال، وقتل الآلاف في مجزرة حلبجة، وتشريد الكرد الفيليين.
واليوم يتماهى الموالون لصدام وأنصار حزب البعث في العراق وسوريا مع الخطاب الإقصائيّ نفسه، متبنين لغةً عدائيّةً ضد الكرد، معتبرين قمعَهم إنجازاً وطنيّاً. ويحوّل هذا التمجيد الجريمةَ ضد الإنسانيّة إلى فعلٍ بطوليّ، لتصبحَ “المواطنة الدستوريّة” طيفاً واهماً طالما أنّ الوعيَ المعرفيّ يشرعنُ سحقَ الشريك التاريخيّ والوطنيّ.
وينسحب هذا التلغيم على نموذجِ مصطفى كمال “أتاتورك” المقدّس بوصفه أباً للأتراك وهو من تنكر لوعوده للكرد وقاد عمليات عسكريّة ضدهم وأحرق قراهم وسمّاهم “أتراك الجبال”. وكذلك حال الخمينيّ المعمّد “إماماً قائداً” وصاحب الفتوى الشهيرة بالحربِ على الكرد ومشانق نظامه التي تحصد نشطاءهم. وصولاً إلى حافظ الأسد الذي كُرّس “أباً قائداً” وهو مهندس التغيير الديمغرافيّ والحزام العربيّ، ومن بعده ابنه بشار الذي واصل نهجه، فكانت مجزرة قامشلو 2004 وما بعدها شواهد حيّة على تعسفه واستبداده.
اختراق الوعي بواجهات وصوليّة
لا تكتفي منظومة الكراهية بالهجوم الخارجيّ والإنكار التاريخيّ، بل تطور أدواتها لتبلغ ذروتها عبر استراتيجية “الاختراق من الداخل”، باستقطاب نخبٍ كرديّةٍ وصولية ــ نموذج “حسن خيري” ــ واعتمادهم شكليّاً في مفاصل إداريّةٍ وتشريعيّةٍ كممثلين عن الكرد.
ولا يهدف دعم وتعيين الكرديّ الوصوليّ لمنحه صلاحية قرار حقيقيّ أو إنصاف تطلعاته، بل لتوظيفهم كديكور سياسيّ وشهادة زور تستخدمها الأنظمة لنفي تهمة الإقصاء. وبمجرد تصعيد هؤلاء، تبدأ المنظومة بتسويق سرديّة مضادّة تنسف شرعيّة المظلوميّة الكرديّة وتسأل بصلف: كيف تتحدثون عن التهميش وهناك كرد في البرلمان والوزارات؟
والمناورة الأخطر عندما يقلب النظام عبر الواجهات المزيّفة الأدوار ويحول الضحية في الوعي الجمعيّ السائد إلى “معتدٍ ومسيء للوطنيّة”. ويصبح استمرار الكرد بالمطالبة بحقوقهم الفطريّة، بوجود ممثليهم الشكليين، دليلاً على الجحود، والابتزاز السياسيّ لصالح أجندات خارجيّة، ما يُشرعن زيادة منسوب القمع ضدهم ويبخر أيّ تعاطف مجتمعي معهم.
تحقق هذه السياسة مكسباً داخليّاً فتّاكاً للمنظومة الإقصائيّة عبر نقل المعركة والنزاع إلى “البيت الكرديّ الداخليّ”. فبدلَ تركيز الجهد الفكريّ والثقافيّ الكرديّ في مواجهة بنية الاستبداد الكبرى وتفكيك سردياتها المضللة، يجد المجتمع نفسه مستنزفاً في صراعات بينيّة وتبادل للاتهامات نفسها التي توظّفها أنقرة أو دمشق ضدهم، الأمر الذي يخلق شرخاً عميقاً يُفتت التماسك الاجتماعيّ ويُضعف أيَّ موقفٍ تفاوضيّ مستقبليّ.
استخدام النخب الوصوليّة كواجهاتٍ ليس مجردَ مناورةٍ عابرة، بل إعادة صياغة مشوّهة للآخر المختلف ليخضعه بغطاء من أبناء جلدته ولتسويق مشهد عملية سلام مع الكرد، في ظروف تقتضيها الضرورة الطارئة. وهذه الآلية سبيل تدمير الوعي التحرريّ، وجعل المطالب الحقوقيّة الجوهريّة مسألة فئويّة وعاملَ تعطيلٍ لمسارٍ وطنيّ معطّلٍ بالأساس.
هندسة التوظيف والارتزاق الدوليّ
تقف وراء الصراعاتِ المستمرة شبكةٌ معقّدةٌ من كارتيلات النفط والصناعة العسكريّة، لضمان تدفق الطاقة وبيع السلاح وإبقاء المنطقةِ في إطار “ستاتيكو” يخدم مصالح واشنطن والناتو. وفي هذه المعادلة البراغماتيّة، لا مكانَ لحقوق الشعوب؛ إذ تُستخدم النزاعات كأدواتِ مشاغلة وإلهَاءٍ دائم، تمنعُ استقرار الدول وتَحرم المنافسين كالصين وروسيا من تعزيز نفوذهم.
وبما أنّه لا يمكن إقناع الجماهير بأنّ التدخل الأجنبيّ وتحرك الجيوش يخدمُ فقط تأمين النفط أو الممرات المائيّة، يأتي دور “المترجمين المحليين” من الأنظمة والنخب لتغطية هذه المصالح بغطاءٍ دينيّ أو قوميّ عاطفيّ. وهذا التزييف يسمح بتوظيف “العنصر الجهاديّ” عابر الحدود، الذي لا يؤمن بالوطن بل بفكرة الأمة الهلاميّة، لكونه البندقية الأرخص والأكثر طواعيّةً للتحريك بأدوات التحكم الاستخباريّ، دون المطالبة بإصلاحات تنمويّة.
فالمواطن المؤمن بوطنيته الحقيقيّة يرى الوطنيّة عملاً وتطوراً وتحسيناً للمعيشة، ويربط انتماءه بالسلم الأهليّ والاستقرار الوطنيّ، لذا يشكّل عائقاً أمام تجار الحروب. بالمقابل، من السهل نقل ما يسمى بالجهاديّ من جبهة إلى أخرى (من سوريا إلى ليبيا أو أذربيجان) لخدمة توازن الطاقة وحظر الصين؛ فالنظام الإيرانيّ مثلاً لا يُحارب لانتهاكاته، بَل لحرمان بكين من النفط.
وتتماهى الحكومات المحليّة مع هذه الاستراتيجية لضمان بقائها، طالما أنّها تؤدي وظيفة تأمين الثروات وإبقاء الصراعات مشتعلة لإلهاء الجماهير الجائعة. وضمن هذا الإطار، أضحى الكرديّ الطرف الأسهل للتضحية به؛ إذ يُراد زجُّ أبناء العشائر، بعد تجريدهم من استقلاليتهم العرفيّة وتحويلهم إلى أذرع أمنيّة، في معارك بالوكالة ضد شركاء الجغرافيا التاريخيين، ونصب الكمائن لهم تحت مسميات النفير العام.
هذا التوظيف السياسيّ للقبيلة يحوّل الخلافَ إلى عقيدةٍ ثأر عابرةٍ للأجيال، ويفاقم التدمير الذاتيّ للمجتمع ويغلق اللعبة السياسيّة، مستبدلاً طموحات العيش الكريم بحروبِ استنزاف طويلة. وكلّ قطرة دم تسيل تزيد من أرباح شركات السلاح، بينما يتوهم المقاتل المحليّ المحشور في الشحن العقائديّ أنّه يحققُ نصراً دينيّاً، غافلاً عن أنّه مجرد أداةٍ لتثبيت الاستبداد وتأمين تجارة السلاح العابرة للحدود.
مأزق العقد الدستوريّ السوريّ
يمثل المسارُ التشريعيّ في سوريا التطبيق العمليّ لكيفية توظيف النص القانونيّ الأعلى لخدمة أيديولوجيا الطمس وإنكار الشريك التاريخيّ. وجاء دستور البعث ليتوّجَ عقيدةَ الفرز القوميّ، عبر إسباغ التوصيف القوميّ على الأرضِ، جاعلاً من الوطنِ ملكيّةً حصريّةً لقوميّةٍ محددةٍ، ومحوّلاً آخرين إلى لاجئين، وملغياً بجرةِ قلم دستوريّةَ الوجودَ الطبيعيّ والثقافيّ للشعوب القوميّة الأخرى، وفي مقدمتها الكرد، ما شرعن سياساتِ التعريبِ القسريّ، وحرمان مئات الآلاف من حق المواطنة والجنسيّة.
وكان التعديلُ الدستوريّ لعام 2012 مناورةً تشريعيّةً من بشار الأسد لإعادة إنتاج المنظومة ذاتها بلغةٍ أكثر مواربة؛ فرغم حذف المادة الثامنة، بقيتِ المضامين الشوفونيّة مهيمنةً في الدستور. وبعد سقوطِ نظام البعث، جاء الإعلان الدستوريّ لاحقاً في 13/3/2025 مفصّلاً على مقاسِ السلطاتِ القائمة وحلفائها وتموضعها السياسيّ، لتثبيتِ منطقِ الغلبة العدديّة والأيديولوجيّة كقاعدةٍ أزليّةٍ لا يمكن المساس بها.
تكمن خطورة هذا الإرث بتحويل الفكر الإقصائيّ إلى فكرٍ مقدّس، يتربى عليه الناشئة، ويتحرك وفقاً له أبناء العشائر والنخبُ المدجّنة. ولا يُراد دستورٌ ليكونَ عقداً اجتماعيّاً يحمي الفردَ، بل خنجراً تشريعيّاً يُجرّد الكرديّ من وطنيته، ويُصوّر مطالبته بالاعترافِ بلغته كجرمٍ يُبرّر الحربَ ضده وضخّ خطاب الكراهية ضده. وهكذا تؤكد الاستمراريّة البنيويّة أنّ المعضلة تتجاوز تبديلَ الواجهاتِ السلطويّة.
تواجه محاولة إنضاج مفهوم الوطنيّة الدستوريّة والمواطنة في المناخ السوريّ الراهن جداراً صلباً من الاصطفافات المذهبيّة والشوفونيّة الممنهجة، وتسعى القوى المهيمنة لفرض واقع ديمغرافيّ وعسكريّ بقوة السلاح ودسترته، ليعكس منطق الغلبة لا حقيقة الشراكة التاريخيّة. وقد أُغلق الفضاء الوطنيّ بسبب الإمعان بتوصيف الاستبداد مذهبيّاً لتكونَ الثورةُ مذهبيّة بالمقابل، ما دفع شرائح واسعة للحياد والتردد.
وتظهر هذه الهندسة الإقصائيّة بوضوح في مناطق عفرين، حيث اُستهدفت اللغة والهوية القوميّة والثقافيّة وحتى البيئية، وسري كانيه، وقرى الباب، والتضييق الممنهج في عدة مناطق، وصولاً إلى إبطاء تفاهمات اندماج مؤسسات الإدارة الذاتية؛ إذ يُراد تحويل قضية شعبٍ يطالب بحقوق وجوديّة وثقافيّة إلى مجرد تفصيلٍ أمنيّ أو ملف تفاوضيّ تُستغل فيه النخب الوصوليّة لنسف المظلوميّة التاريخيّة. ويقترن ذلك برغبة جمعيّةٍ مشوّهة تقبل منح الجنسية والوطنيّة السوريّة لمسلحين أجانب كالإيغور والشيشان والطاجيك والداغستان والعرب، بينما تطالب بسحبها من الكرديّ الشريك التاريخيّ والأصيل على هذه الأرض، بلِ المطالبةُ بقتالِ الكرد تعني انتزاع حق الحياة والوجود وهو يتجاوز انتزاع الجنسيّة.
خريطة تفكيك الاستعصاء
المخرج الوحيد من هذا الاستعصاء التاريخيّ ليس بالرهان على التوازنات الدوليّة أو الرضا الأطلسيّ الحامي لمصالح أنقرة، بل يتطلب أولاً تفكيك هذه المنظومة بامتلاك الجرأة على تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقيّة، والإقرار بأنّ تزييف الوعي التاريخيّ وإسقاطَ الحاضر المصطنع على الماضي الممتد جريمةٌ معرفيّة كبرى تمنعُ أي تشخيص صحيح للأزمة الإقليميّة.
وبموجب هذا التشخيص، فإنّ اعتبار الآخر المختلف ليس مجرد خطأ أيديولوجيّ، بل هو جريمة فكريّة من الدرجة الأولى؛ لكونه الأساس الحقيقيّ والمبرر الفلسفيّ لسفك الدماء، واستمرار الحروب، وتعطيل الحلول السياسيّة، وتهديد السلم الأهليّ بشكلٍ مباشرٍ. ولذلك، يبنى العلاج الحقيقيّ وجوهر الحلّ على إصلاحٍ فكريّ عميقٍ يعيدُ تعريفَ الوطنِ حياضاً مشتركاً للحياة، وتأكيد أنّ الثقافة الوطنيّة نهرٌ تتعدد روافده ويتحرك هذا الإصلاح على جبهتين متوازيتين:
الجبهة الأولى فكريّة، وتتطلب نسفاً كاملاً للمناهج التعليميّة السائدة والقطع التام مع السرديات المضللة التي تحول الاختلاف من مصدرِ ثراء وتكامل للوحة الوطنيّة إلى تهديد وجوديّ، فبدون هذا المشرط الفكريّ ستبقى محاولات بناء الجسور مجرد طرحٍ سطحيّ يتعامل مع الأعراض ويتجاهل الجذور الفكريّة والثقافيّة للمشكلة المعقّدة.
أما الجبهة الثانية فتشريعيّة، وتتحقق بامتلاك الشجاعة لإحداثِ قطيعة كاملة مع إرث البعث الشوفونيّ، وصياغة دستور سوريّ وطنيّ يقف على مسافةٍ واحدةٍ من الجميع. وأن تكون الوطنيّة والمواطنة القانونيّة الصرفة هما السقف والحجة البديلة عن منطق الديمقراطيّة العدديّة المزيّفة القائم على الأكثريّة والأقليّة؛ لأنّ دسترة العدديّة في مجتمعٍ منقسم تعني دسترة الشوفينيّة، ومنح الأغلبيّة شيكاً على بياض لإنكار لغة وثقافة وتاريخ الشريك وسلب حقوقه الفطريّة؛ ذلك لأنّ كلّ توحيد للسوريين سيكون قسريّاً أيّاً كان أساسه ومنهجه، إلا المسار الوطنيّ فهو الجامعُ القطعيّ، وهو ما تجب صياغته في مبادئ ما فوق دستوريّة تؤكدُ أنّ الوطنيّةَ هي السقف الأعلى الذي لا يجبُ المساسُ به.
إنَ تحويلَ الولاء من الكيانات القطيعيّة والفرزِ العشائريّ إلى الدستور والقانون الصارم فوق السياسيّ هو الحصنُ الضامن لحمايةِ كرامةِ الإنسان، وإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة، هو الطريقُ الوحيد لإنقاذ الجغرافيا السوريّة من حروبِ الثأر الأبديّة وإغلاق الباب نهائيّاً أمام تجار الحروبِ والمترجمين المحليين. وبدون هذا العقد الاجتماعيّ الشجاع الذي يفرضُ سقفَ القانون فوق الغلبة العسكريّة، ستبقى النصوص القانونيّة أداةً بيد السجّان الجديد أيّاً كان لونه أو ولاؤه، ويظل المجتمع أسيرَ التجهيلِ والتبعية والدوغمائيات، ويسود واقعُ الاستبداد مشهدَ المستقبل.