يشهد النظام العالمي منذ عدة سنوات، تحولات عميقة، أعادت رسم أولويات الأمن والسياسة العالمية، فقد أسهمت الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة، والصين، واستمرار التوتر بين واشنطن وطهران، إلى جانب التطورات المتلاحقة في الشرق الأوسط، في إعادة تشكيل أنماط التحالفات والتوازنات الإقليمية والدولية.
ولم تعد أزمات الشرق الأوسط، تُفهم باعتبارها نزاعات محلية منفصلة، بل أصبحت جزءًا من التنافس بين القوى الكبرى، على النفوذ والموارد والممرات الاستراتيجية، وتبرز في هذا الإطار ملفات سوريا، والعراق، وشرق البحر المتوسط، بوصفها ساحات تتقاطع فيها المصالح الأمنية والسياسية، لعدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين.
وتكتسب قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) أهمية خاصة في هذا المشهد، ليس فقط باعتبارها منصة لتنسيق السياسات الدفاعية بين الدول الأعضاء، وإنما بوصفها مؤشرًا على توجهات الحلف، في مواجهة التحديات الأمنية المتغيرة، ورغم أن الشرق الأوسط، لم يكن محورًا رئيسيًا في جدول أعمال القمة، فإن التطورات الإقليمية لا تزال تؤثر بصورة مباشرة في البيئة الأمنية للحلف، خصوصًا في ظل موقع تركيا الجيوسياسي، الذي يربط أوروبا بالشرق الأوسط، والبحر الأسود.
ومن هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل موقع تركيا في التنافس بين القوى الكبرى، وانعكاسات التحولات الجيوسياسية على القضية الكردية، مع قراءة للتفاعلات الإقليمية التي تشكل مستقبل المنطقة.
الشرق الأوسط في مرحلة إعادة تشكيل
يشهد الشرق الأوسط مرحلة انتقالية تتجاوز حدود الأزمات التقليدية، حيث أصبحت التفاعلات الإقليمية مرتبطة بصورة متزايدة بالتحولات التي يشهدها النظام العالمي، فقد أدى تراجع نمط الأحادية القطبية، وصعود قوى دولية وإقليمية جديدة، إلى إعادة صياغة موازين القوى والتحالفات بصورة أكثر تعقيدًا. وفي هذا الإطار، تداخلت ملفات الأمن، والطاقة، والاقتصاد، والهجرة، مع الاعتبارات العسكرية، لتصبح المنطقة إحدى أكثر الساحات حساسية في التنافس الدولي، ولم تعد النزاعات في سوريا، والعراق، وشرق المتوسط، مجرد قضايا داخلية، بل تحولت إلى ملفات تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، والقوى الأوروبية، إلى جانب الفاعلين الإقليميين، تركيا وإيران وإسرائيل ودول الخليج.
كما أن التطورات الأخيرة، بما في ذلك استمرار المواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة، وإيران، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، والتحولات التي شهدتها الساحة السورية، عززت من أهمية الشرق الأوسط، في الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى، وجعلت المنطقة مرشحة لمزيد من إعادة ترتيب التحالفات خلال السنوات المقبلة.
قمة الناتو وأبعادها الاستراتيجية
رغم أن جدول أعمال قمة الناتو، ركز بصورة أساسية على الأمن الأوروبي، وتعزيز القدرات الدفاعية للحلف، واستمرار دعم أوكرانيا، فإن انعكاسات القمة تجاوزت الإطار الأوروبي، لتطال البيئة الأمنية في الشرق الأوسط أيضًا.
فالتحديات المرتبطة بالإرهاب، وأمن الطاقة، والهجرة غير النظامية، واستقرار الجناح الجنوبي للحلف، تظل من القضايا التي تؤثر بصورة مباشرة في أولويات الناتو، ولذلك، فإن أي تطور في الشرق الأوسط، ولا سيما في سوريا والعراق وشرق المتوسط، ينعكس بصورة غير مباشرة على الحسابات الاستراتيجية للدول الأعضاء.
ومن هذا المنظور، تُعد تركيا أحد أكثر أعضاء الحلف أهمية، ليس فقط بسبب قدراتها العسكرية، وإنما أيضًا بحكم موقعها الجغرافي، الذي يجعلها نقطة ارتكاز بين أوروبا، وآسيا، والشرق الأوسط، كما يمنحها هذا الموقع دورًا محوريًا في ملفات مكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، والطاقة، وإدارة تدفقات الهجرة، وهي جميعها قضايا تتصدر الاهتمام الأمني الأوروبي.
تركيا بين التحالف الأطلسي والاستقلالية
منذ انضمامها إلى حلف الناتو عام 1952، شكلت تركيا، إحدى الركائز الأساسية للجناح الجنوبي للحلف، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي، الذي يمنحها قدرة على التأثير في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، وخلال العقدين الأخيرين، تبنت أنقرة، سياسة خارجية أكثر استقلالية، سعت من خلالها إلى تحقيق توازن بين استمرار شراكتها مع الغرب، وتوسيع علاقاتها مع قوى إقليمية ودولية أخرى، وفي مقدمتها روسيا، إلى جانب تعزيز حضورها في الشرق الأوسط، والقوقاز، والبحر الأسود.
وقد انعكس هذا التوجه في ملفات متعددة، من بينها شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400»، والانخراط المباشر في عدد من الأزمات الإقليمية، مع استمرار التعاون العسكري والأمني مع حلفائها داخل الناتو في ملفات أخرى.
ويرى صناع القرار في أنقرة أن هذا النهج يوفر هامشًا أوسع لحماية المصالح الوطنية، وتعزيز القدرة على المناورة في بيئة دولية تتسم بتزايد التنافس بين القوى الكبرى، وفي المقابل، ينظر بعض حلفاء تركيا داخل الناتو إلى هذه السياسة بوصفها مصدرًا لتحديات جديدة داخل الحلف، لا سيما عندما تتقاطع المصالح التركية مع أولويات الحلفاء الغربيين في بعض الملفات.
ومع ذلك، لا تزال تركيا تمثل عنصرًا يصعب الاستغناء عنه في المنظومة الأمنية الأطلسية، سواء من حيث موقعها الجغرافي، أو قدراتها العسكرية، أو دورها في إدارة العديد من الملفات ذات الصلة بالأمن الأوروبي والإقليمي، الأمر الذي يجعل العلاقة بين أنقرة والناتو قائمة على مزيج من التعاون الاستراتيجي والخلافات السياسية في آن واحد.
القضية الكردية بين الاعتبارات الأمنية والاستحقاقات السياسية
تظل القضية الكردية، واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في الشرق الأوسط، نظرًا لتداخل أبعادها التاريخية والسياسية والأمنية، وامتدادها الجغرافي عبر تركيا، وسوريا، والعراق، وإيران، كما أن تباين السياسات التي تنتهجها هذه الدول تجاه مواطنيها الكرد، واختلاف الأوضاع الداخلية لكل منها، جعلا من الصعب التعامل مع القضية باعتبارها ملفًا موحدًا أو متشابهاً.
ومن المنظور التركي، تُعد محاربة حزب العمال الكردستاني أولوية أمنية، إذ تصنفه أنقرة تنظيمًا إرهابيًا، وترى أن أي كيانات أو هياكل، مرتبطة به، تمثل تهديدًا لأمنها القومي، خاصة في المناطق الحدودية مع سوريا والعراق.
في المقابل، ترى قطاعات من القوى السياسية الكردية، ومنظمات المجتمع المدني، أن القضية الكردية لا يمكن اختزالها في بعدها الأمني، بل ترتبط أيضًا بقضايا المواطنة المتساوية، والحقوق الثقافية واللغوية، والمشاركة السياسية، والتنمية، وسيادة القانون، ويستند هذا الطرح إلى أن تحقيق الاستقرار المستدام الذي يتطلب مقاربات سياسية ومؤسساتية، إلى جانب الإجراءات الأمنية.
وقد أدى اختلاف هذه الرؤى، إلى استمرار التوتر في مقاربة القضية الكردية، سواء على المستوى الداخلي، أو في سياق العلاقات الإقليمية، والدولية، حيث أصبحت القضية الكردية، أحد الملفات التي تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية مع التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
الإدارة الذاتية وتقاطع المصالح الإقليمية والدولية
أفرزت الأزمة السورية، واقعًا سياسيًا وأمنيًا جديدًا، تمثل في بروز الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، كأحد أبرز الفاعلين المحليين في المناطق التي لم تمتثل للحكومة المركزية، بل أدارت مناطقها. واكتسبت هذه الإدارة أهمية متزايدة خلال النضال ضد داعش، حيث تعاونت قوات سوريا الديمقراطية، بدعم من الولايات المتحدة، والتحالف الدولي، في العمليات العسكرية التي استهدفت إنهاء سيطرة داعش على مناطق واسعة من سوريا.
غير أن هذا الواقع أوجد معادلة معقدة في العلاقات الدولية، فمن جهة، اعتبرت الولايات المتحدة وشركاؤها، أن التعاون مع قوات سوريا الديمقراطية، كان جزءًا من استراتيجيتهم في مكافحة الإرهاب، ومن جهة أخرى، أعربت تركيا عن مخاوفها من بسالة هذه القوات ونجاح مشروع الإدارة الذاتية. ونتيجة لذلك، أصبحت تلك المناطق، إحدى أكثر ساحات التنافس حساسية في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة، وتركيا، وروسيا، وإيران، والحكومة السورية المؤقتة، الأمر الذي يجعل أي تغيير في موازين القوى الإقليمية أو الدولية ذا تأثير مباشر على مستقبل المنطقة.
سوريا ساحة للتنافس على النفوذ
لم تعد الأزمة السورية، تُقرأ باعتبارها نزاعًا داخليًا فحسب، بل أصبحت إحدى أبرز ساحات التنافس بين القوى الإقليمية والدولية، حيث تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي مع المصالح الجيوسياسية.
فمنذ التدخل العسكري الروسي عام 2015، تمكنت موسكو من ترسيخ حضورها العسكري، والسياسي، في سوريا، بما منحها دورًا مؤثرًا في مسار الصراع، إلا أن تداعيات الحرب في أوكرانيا، فرضت تحديات جديدة على قدرتها على تخصيص الموارد والاهتمام بالملف السوري، بالوتيرة نفسها التي كانت عليها في السنوات السابقة.
في المقابل، تواصل إيران اعتبار سوريا، حلقة رئيسية في استراتيجيتها الإقليمية، وتسعى إلى الحفاظ على نفوذها السياسي والعسكري، من خلال شبكة من الحلفاء المحليين، والإقليميين، في حين تركز الولايات المتحدة على منع عودة داعش، والحد من تنامي النفوذ الإيراني، مع الإبقاء على وجود عسكري محدود في شرق سوريا. أما تركيا، فترى أن أمن حدودها الجنوبية كما تدعي، يمثل أولوية استراتيجية، وتؤكد أن سياساتها في روج آفا، تنطلق من اعتبارات تتعلق بالأمن القومي، وذلك للتدخل في المنطقة وتوسيع مناطق احتلالها كما فعلت في العديد من المناطق السورية. وبذلك، أصبحت سوريا ساحة تتقاطع فيها مشاريع إقليمية، ودولية متعددة، بحيث يصعب فصل التطورات الداخلية عن حسابات القوى الخارجية.
الصراع الأمريكي ـ الإيراني وانعكاساته الإقليمية
على الرغم من غياب مواجهة عسكرية مباشرة واسعة النطاق، بين الولايات المتحدة وإيران، خلال العقود الماضية، فإن العلاقة بين البلدين اتسمت باستمرار حالة من التنافس الاستراتيجي، تجلت في العقوبات الاقتصادية، والضغوط الدبلوماسية، والمواجهات غير المباشرة، والتنافس على النفوذ في عدد من دول المنطقة.
ويمتد تأثير هذا التنافس إلى العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، حيث يدعم كل طرف حلفاء وشركاء محليين بما يخدم رؤيته لموازين القوى الإقليمية. وبالنسبة لواشنطن، يشكل الحد من النفوذ الإيراني، وضمان أمن شركائها الإقليميين، ومكافحة المجموعات المتطرفة، ركائز أساسية في سياستها الشرق أوسطية، أما طهران، فترى أن الحفاظ على شبكة علاقاتها الإقليمية يمثل عنصرًا رئيسيًا في منظومتها الدفاعية وردعها الاستراتيجي.
وفي ضوء هذه المعادلة، فإن أي تصعيد بين الطرفين من شأنه أن ينعكس على مجمل التوازنات في الشرق الأوسط، بما في ذلك الأوضاع في سوريا والعراق، ومستقبل القضية الكردية، وأولويات السياسة الأمنية التركية.