كوباني/ سلافا أحمد – لم تكن ثورة 19 تموز التي انطلقت من كوباني عام 2012 حدثاً عابراً في تاريخ المنطقة، بل شكلت بداية لمسار تاريخي وسياسي واجتماعي أعاد صياغة علاقة الشعوب بأرضها ومجتمعها وحقوقها، فمن مدينة عانت لعقود من سياسات التهميش والإنكار، انطلقت شرارة ثورة حملت معها مشروعاً يقوم على التنظيم المجتمعي، والديمقراطية، وحرية المرأة، والدفاع المشروع، والتعايش بين مختلف الشعوب.
خلال أربعة عشر عاماً، لم تقتصر مكتسبات الثورة على تحرير المدن من القوى التي هددت وجود شعوب المنطقة، بل شملت بناء منظومة دفاع، وتأسيس الإدارة الذاتية، وتنظيم المجتمع، وتعزيز دور المرأة، وترسيخ نموذج للتعايش بين الكرد والعرب والسريان والآشوريين والأرمن والتركمان وغيرهم من شعوب المنطقة.
كوباني تفتح الطريق أمام مرحلة جديدة
وفي 19 تموز 2012، شهدت مدينة كوباني تحولاً تاريخياً، مع خروج مؤسسات النظام منها، حيث بدأ مرحلة تولى فيها أبناء المنطقة إدارة شؤونهم، فلم تكن هذه الخطوة مجرد تغيير في إدارة المدينة، بل بداية لبناء نموذج جديد يقوم على مشاركة المجتمع وتنظيمه الذاتي. ومنذ الأيام الأولى، بدأت عملية تأسيس الكومينات والمجالس وتنظيم المجتمع، لتصبح المشاركة الشعبية أساساً في إدارة الحياة العامة، بعد عقود من فرض القرارات من الأعلى وهي السلطة إلى أسفل الهرم وهو الشعب. وشكلت كوباني بذلك نقطة انطلاق لمشروع لم يهدف إلى استبدال سلطة بسلطة أخرى، بل إلى بناء مجتمع قادر على إدارة نفسه والدفاع عن حقوقه.
الدفاع الذاتي.. أساس تقدّم الثورة
وأدرك أبناء المنطقة، منذ بداية الثورة، أن حماية المكتسبات الجديدة تتطلب بناء منظومة دفاع نابعة من المجتمع، ومن هنا أُسِّست وحدات حماية الشعب، التي تولت مهمة الدفاع عن المدن والقرى وحماية أبناء المنطقة. كما كان تأسيس وحدات حماية المرأة محطة تاريخية في مسيرة الثورة، إذ أصبحت المرأة شريكة أساسية في الدفاع عن المجتمع، ولم تعد محصورة في دور الضحية أو المتلقي للحماية.
لقد شكلت وحدات حماية المرأة نموذجاً جديداً لدور المرأة، التي أثبتت حضورها في ساحات الدفاع، إلى جانب مشاركتها في المؤسسات السياسية والمدنية والاجتماعية. وهكذا، لم يكن الدفاع في مفهوم الثورة مجرد عمل عسكري، بل أصبح جزءاً من مفهوم الحماية الذاتية للمجتمع، القائم على أن المجتمع المنظم هو القادر على حماية نفسه وأرضه ومكتسباته.
مقاومة كوباني… حماية الثورة من محاولات القضاء عليها
وأرادت القوى المعادية للثورة ضربها في مهدها، فكان الهجوم على كوباني عام 2014 من أكبر التحديات التي واجهتها، إلا أن المدينة تحولت إلى ساحة مقاومة تاريخية شارك فيها أبناء وبنات كوباني إلى جانب وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة. وعلى مدى 134 يوماً، خاضت كوباني مقاومة أثبتت أن الثورة لم تكن مشروعاً هشاً، بل باتت متجذرة في المجتمع، وانتهت المقاومة بتحرير المدينة في 26 كانون الثاني 2015، لتتحول كوباني إلى رمز عالمي لمواجهة الإرهاب، وإلى محطة مفصلية انتقلت فيها الثورة من مرحلة الدفاع إلى مرحلة التحرير.
تأسيس قوات سوريا الديمقراطية
ومع اتساع خطر مرتزقة داعش، وتعرض مناطق وشعوب مختلفة للخطر، أُسِّست قوات سوريا الديمقراطية في 11 تشرين الأول 2015، لتكون مظلة عسكرية جامعة لمختلف شعوب المنطقة. وشكل تأسيسها تحولاً هاماً في مسيرة الثورة، إذ انضم إليها أبناء مختلف الشعوب، من الكرد والعرب والسريان وغيرهم، لتخوض معاً معارك الدفاع والتحرير.
وبذلك، انتقلت الثورة من كونها تجربة انطلقت من منطقة كردية إلى قوة جامعة لشعوب المنطقة، تقاتل من أجل حماية الإنسان والمجتمع، بعيداً عن الانتماء القومي أو الديني.
من كوباني إلى مناطق شمال وشرق سوريا
ولم تتوقف قوات الثورة عند حدود المناطق التي انطلقت منها، بل توجهت إلى المناطق التي تعرضت لهجمات الإرهاب وطلبت المساعدة. فبعد مقاومة كوباني، امتدت عمليات التحرير إلى صرين، كري سبي، ومنبج، والطبقة، والرقة، وريف دير الزور، وصولاً إلى الباغوز، آخر معاقل داعش جغرافياً في سوريا. وكانت هذه المعارك تعبيراً عملياً عن مبدأ أساسي من مبادئ الثورة الدفاع عن المجتمع لا يرتبط بقومية أو لغة أو دين، بل بحق الإنسان في الحياة والأمان. فحين تعرضت مناطق عربية للخطر، وقفت إلى جانبها قوات تشكلت من أبناء شعوب مختلفة، كما شارك أبناء المناطق العربية والسريانية والآشورية في صفوف قوات الدفاع، لتتحول المعركة ضد الإرهاب إلى تجربة مشتركة جمعت شعوب المنطقة. وأسهمت هذه المسيرة في تحرير صرين، كري سبي، منبج، والطبقة، والرقة، ومناطق من دير الزور، وصولاً إلى إنهاء السيطرة الجغرافية لداعش في الباغوز عام 2019.
الإدارة الذاتية… مكتسب سياسي واجتماعي للثورة
ولم تكتف ثورة 19 تموز بالدفاع والتحرير، بل انتقلت إلى مرحلة بناء المؤسسات، ففي عام 2014، أُعلنت الإدارات الذاتية في الجزيرة وكوباني وعفرين، لتشكل أساساً لنموذج إداري جديد قائم على المشاركة الشعبية. ومع تحرير مناطق جديدة، توسع هذا النموذج ليشمل منبج والرقة والطبقة ودير الزور، وتطورت التجربة إلى الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا. وقامت هذه الإدارة على بناء المؤسسات والمجالس والكومينات والهيئات، وتنظيم الحياة المدنية والخدمية، وإشراك مختلف الشعوب في إدارة مناطقهم. وهنا تكمن إحدى أهم مكتسبات الثورة: “الانتقال من حالة الفراغ والفوضى إلى بناء مؤسسات نابعة من المجتمع، تعمل على تنظيم شؤونه وتقديم الخدمات وحماية حقوقه”.
ثورة الشعوب التواقة
ومنذ بدايتها، لم تطرح ثورة 19 تموز نفسها كمشروع خاص بشعب واحد، بل قامت على فكرة أن المنطقة متعددة الشعوب والثقافات، وأن مستقبلها لا يمكن أن يبنى من خلال إقصاء أي شعب، ولهذا، شارك الكرد والعرب والسريان والآشوريون والأرمن والتركمان وغيرهم في المؤسسات المدنية والعسكرية والسياسية، كل منهم بهويته وخصوصيته، ضمن إطار مشترك يقوم على التعايش والتشارك. ولم يكن هذا التعايش مجرد شعار، بل ظهر في الميدان، عندما وقفت شعوب المنطقة معاً في مواجهة الإرهاب، وعندما توجهت قوات الدفاع إلى مناطق عربية وسريانية وآشورية تعرضت للخطر. لقد أثبتت الثورة أن حماية الأهالي يمكن أن تكون أساساً لعلاقة جديدة بين الشعوب، وأن الاختلاف القومي والديني واللغوي لا ينبغي أن يكون سبباً للصراع، بل يمكن أن يتحول إلى مصدر غنى وقوة.
المرأة… مكتسب ثوري
ومن أبرز المكتسبات التي حققتها الثورة، التغيير العميق في دور المرأة، فقد أصبحت المرأة حاضرة في الإدارة والسياسة والدفاع والمجتمع، وشاركت في بناء المؤسسات واتخاذ القرار. وكان تأسيس وحدات حماية المرأة أحد أبرز محطات هذا التحول، إذ أثبتت المرأة أنها قادرة على الدفاع عن مجتمعها وأرضها، كما أثبتت أن تحرير المجتمع لا يمكن أن يتحقق من دون تحرير المرأة. كما ترسخت مشاركة المرأة في المؤسسات من خلال نظام الرئاسة المشتركة، والتنظيمات النسائية، والمؤسسات الخاصة بالدفاع عن حقوق المرأة. وبذلك، تحولت المرأة من فئة عانت من التهميش إلى قوة أساسية في بناء المجتمع وحماية مكتسبات الثورة.
2019… نهاية السيطرة الجغرافية لداعش
وبعد سنوات من المعارك، واصلت قوات سوريا الديمقراطية مسيرتها حتى وصلت إلى الباغوز في ريف دير الزور، حيث أُعلن في 23 آذار 2019 القضاء على السيطرة الجغرافية لداعش في سوريا. وكان هذا الانتصار ثمرة تضحيات كبيرة قدمتها شعوب المنطقة، التي ناضلت معاً ضد ارتزاق إرهابي؛ هدد مختلف الشعوب دون تمييز، وقد شكل هذا الانتصار دليلاً على أن التكاتف بين الشعوب يمكن أن يتحول إلى قوة قادرة على مواجهة أخطر التحديات.
مكتسبات الثورة
إن الحديث عن مكتسبات ثورة 19 تموز لا يقتصر على تأسيس الإدارة الذاتية، أو وحدات حماية الشعب والمرأة أو قوات سوريا الديمقراطية، بل يشمل أيضاً التغيير الذي طرأ على وعي المجتمع.
فالثورة أسست لمفاهيم جديدة، من بينها: مشاركة المجتمع في إدارة شؤونه، حق الشعوب في الحفاظ على هويتها وثقافتها ولغتها، مشاركة المرأة في جميع مجالات الحياة، التعايش بين مختلف الشعوب، الدفاع المشروع والحماية الذاتية، الإدارة الديمقراطية واللامركزية، رفض الإقصاء والتمييز، اعتبار التنوع مصدر قوة للمجتمع.
وهذه القيم، التي ترسخت خلال سنوات الثورة، أصبحت جزءاً من حياة المجتمع ووعيه. ولذلك؛ لا يمكن اختزالها في مرحلة زمنية أو مؤسسة سياسية.
اتفاق التاسع والعشرين من شهر كانون الثاني… مرحلة جديدة لحماية المكتسبات
وتعيش المنطقة اليوم مرحلة جديدة بعد توقيع اتفاق التاسع والعشرين من شهر كانون الثاني بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية المؤقتة، وتفرض هذه المرحلة ضرورة الحفاظ على المكتسبات التي تحققت خلال سنوات الثورة، وعدم التعامل معها باعتبارها تجربة مؤقتة يمكن تجاوزها. ووفق الاتفاق ينبغي الاعتراف بالتعددية السورية، واحترام حقوق الكرد والعرب والسريان والآشوريين وسائر الشعوب، وضمان مشاركتهم في بناء مستقبل البلاد. كما أن أي صيغة سياسية جديدة ينبغي أن تستفيد من التجربة التي بنيت خلال السنوات الماضية، لا أن تلغيها، فالمؤسسات التي تأسست، والتجربة التي عاشت، والتضحيات التي قدمت، تشكل جزءاً من الواقع السوري الجديد.
قيم الثورة مستمرة… والشعب حاضر لحمايتها
ورغم مرور أربعة عشر عاماً على انطلاقة ثورة 19 تموز، فإن قيمها لا تزال حاضرة، فالديمقراطية، وحرية المرأة، والتعايش، وحق الشعوب في إدارة شؤونها، والحماية الذاتية، ليست شعارات ارتبطت بمرحلة وانتهت، بل أصبحت جزءاً من وعي المجتمع. لقد أثبتت السنوات الماضية أن الثورة لا تستمد قوتها من المؤسسات وحدها، بل من المجتمع الذي بناها وحماها وقدم التضحيات في سبيلها. ولهذا، فإن أي مساس بقيم الثورة أو مكتسباتها لن يكون مساساً بمؤسسة أو إدارة فقط، بل سيكون مساساً بإرادة مجتمع كامل.
فالشعب الذي دافع عن كوباني، ووقف إلى جانب منبج والرقة والطبقة ودير الزور، واحتضن شعوباً ومكونات مختلفة، وقدم أبناءه وبناته في سبيل حماية الأرض والإنسان، ما يزال حاضراً للدفاع عن قيمه ومكتسباته.
قد تتغير الظروف، وقد تدخل الثورة في مراحل سياسية جديدة، وقد تتبدل الصيغ والمؤسسات، لكن جوهر ثورة 19 تموز يبقى حاضراً في قيمها ومكتسباتها. فمن كوباني بدأت الشرارة، ومن مقاومة كوباني خرجت الثورة إلى مرحلة التحرير، ومن التحرير انتقلت إلى بناء الإدارة، ومن الإدارة ترسخت تجربة التعايش بين الشعوب. واليوم، وفي المرحلة الراهنة؛ تبقى المهمة الأساسية هي الحفاظ على ما تحقق وتطويره، بما يخدم شعوب سوريا.
إن ثورة 19 تموز لم تفرق بين عربي وكردي وسرياني وآشوري وتركماني، ولم تجعل من القومية معياراً للحماية أو التضامن، بل جعلت الإنسان والمجتمع أساساً لمشروعها.
ولهذا، فإن قيم الثورة ستبقى مستمرة ما دام المجتمع متمسكاً بها، وما دام أبناؤه واعين بأن المكتسبات التي تحققت لم تأت منحة من أحد، بل ثمرة تضحيات طويلة.
وإذا ما مست هذه القيم أو حاول أحد الانتقاص من مكتسبات الثورة، فإن الشعب الذي صنعها وحماها طوال هذه السنوات سيبقى حاضراً للدفاع عنها؛ لأن ثورة 19 تموز لم تعد مجرد حدث وقع في 19 تموز 2012، بل أصبحت جزءاً من وعي المجتمع وإرادته ومسيرته نحو الحرية والديمقراطية والعيش المشترك.