عملية “السلام والمجتمع الديمقراطي” واستراتيجية حزب العدالة والتنمية تجاه المعارضة الداخلية:
بين 2024 ـ 2026 برز خطاب “السلام والمجتمع الديمقراطي”. دعوات إنهاء مرحلة الكفاح المسلح من قنديل، نقاشات اللجنة في البرلمان، زيارة إمرالي. كانت محاور على المحك، سار حزب العدالة والتنمية في هذه العملية على مستويين:
المستوى الخارجي.. إشارة حوار في المسألة الكردية
الهدف: إضعاف الإدارة الذاتية الديمقراطية في روج آفا، زيادة قوة التفاوض مع أمريكا، تقوية صورة “فاعل ينتج الحلول” في الشرق الأوسط، وحتى لا يزعج الخطاب “تركيا الديمقراطية” القاعدة القومية تم تغليفها بمفهوم “تركيا بلا إرهاب”.
المستوى الداخلي.. تصميم المعارضة
في الفترة نفسها التي رُفعت دعوى “البطلان المطلق” لمؤتمر حزب الشعب الجمهوري. يمكن قراءة الأسباب في ثلاثة عناوين:
منع خطر الجبهتين: بينما تظهر مرونة في المسألة الكردية في الخارج، إشغال أقوى خصم وهو حزب الشعب الجمهوري في الداخل حتى لا ينتج استراتيجية لانتخابات 2028.
تجزئة المعارضة:
ترسيخ الصراع بين كليجدار أوغلو – أوزال داخل الحزب. إعلان جناح “شرعي” والآخر “باطل” بقرار المحكمة. تتشاجر المعارضة مع نفسها وتتفاوض السلطة في الخارج.
تحديد قواعد اللعبة: الرسالة بـ “البطلان المطلق”: من يحدد قواعد السياسة ليس البرلمان بل القضاء. إذا اعترضت المعارضة فهي “لا تحترم القانون”، وإذا رضخت فهي “مهزومة”. في الحالتين ترسم السلطة الإطار.
هذه الاستراتيجية تشبه “عملية الحل 2013-2015”. في تلك الفترة بينما كان حزب العدالة والتنمية يتفاوض مع حزب الشعوب الديمقراطي، استمرت اعتقالات غيزي والضغط على الإعلام. مرونة في الخارج، وانضباط في الداخل. في نسخة 2023-2026 تغيرت الأداة: بدل المراسيم “البطلان المطلق”.
“فرّق تسد، إدارة الشرعية”. تعطي السلطة رسالة “سلام” للناخب الكردي ورسالة “دولة” للناخب القومي. إشغال حزب الشعب الجمهوري بالمحكمة يحافظ على اتساق هذه الرسالة المزدوجة.
لماذا أداة “البطلان المطلق”..؟
“البطلان المطلق” في القانون التركي يعني أن التصرف باطل من البداية. كان يُستخدم في مؤتمرات الجمعيات والشركات. تطبيقه على مؤتمر حزب سياسي في 2026 يستند إلى ثلاثة أسباب:
مبرر قانوني: ادعاء “شراء الأصوات بالمال”. إذا كان صحيحاً فهناك انتهاك لقانون الانتخابات. لكن التأخير سنتين ورفع الدعوى بعد الانتخابات وتجاوز سلطة المجلس الأعلى للانتخابات يقوي نقد “تسييس القانون”.
وظيفة سياسية: كسر زخم حزب الشعب الجمهوري بعد انتصار المحليات 2024. إشغال الحزب بـ “صراعه الداخلي” وتحديد أجندة السلطة. خلق “سابقة” لجميع الأحزاب. غداً قد تواجه مؤتمرات حزب الحركة القومية وحزب الديمقراطي نفس الدعوى.
منطق الدولة: تشغيل منطق “ما يلتحق بالدولة شرعي وما لا يلتحق في الخارج”. إذا لم يلتزم مؤتمر الحزب بـ “قواعد الدولة” يتدخّل القضاء، هذا نسخة مدنية لنفس منطق إغلاق الحزب التقدمي الجمهوري في 1925.
“الهندسة المؤسساتية” تُعيد السلطة تشكيل النظام السياسي بقراراتٍ قضائية بدل تعديل الدستور.
مشروع البحار الأربعة
مشروع “البحار الأربعة”: رؤية مركز الطاقة وعلاقته بالسياسة الداخلية: أهم قطعة أضيفت للمعادلة بعد 2024 هي “مشروع البحار الأربعة”. مشروع يربط الخليج العربي وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود بخط بري – سكك حديد – طاقة.
تاريخ المشروع
طرح في زيارة عبد الله غول لدمشق 2009. خطة نقل نفط الخليج وغاز مصر – قزوين عبر سوريا إلى تركيا ثم أوروبا. أوقفته الأزمة في سوريا عام 2011م.
في 8 كانون الأول 2024 سقط النظام السوري السابق، واليوم الحكومة المؤقتة بقيادة أحمد الشرع تُريد إحياء المشروع. قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في أنقرة “تركيا ستكون الشريان الرئيسي لتوزيع الطاقة بين سوريا”. ووصف أحمد الشرع المشروع بأنه “بديل لمضيق هرمز”.
الممرات الأربعة:
شرق – غرب: غاز شاه دنيز الأذربيجاني عبر تاناب-تاب إلى إيطاليا، 16 – 31 مليار.
شمال – جنوب: السيل الأزرق، التركي للغاز الروسي. غاز تبريز – أنقرة الإيراني. أضيف غاز تركمانستان 2025. تنتهي عقود روسيا 2026 وتريد تركيا استخدام قوة التفاوض.
ممر زنكزور: سكة حديد الصين – أوروبا عبر نخجوان.
طريق التنمية: الخليج العربي، العراق، سوريا، تركيا، أوروبا. تريد الدخول ليس فقط في خطوط الطاقة بل اللوجستية أيضاً.
الخريطة: يأتي نفط الخليج من الجنوب وغاز قزوين من الشرق والغاز الروسي من الشمال ليتجمع في تراقيا ويفتح على أوروبا. تريد السلطة الحالية استخدام خط سوريا الجيوسياسي الهش. تريد ضمان أمن واستقرار سوريا وفق رغبتها ودخول الخطوط الأربعة في رؤية “البحار الأربعة”.
الارتباط الداخلي
بالنسبة لأردوغان رؤية “مركز الطاقة” شرط امتلاك الكلمة في الخارج. المنطق: إذا لم تكن صاحب كلمة في الخارج لا يمكنك اتخاذ قرار مستقل في الداخل. إذا تم تأمين سوريا يمكن أن يذهب نفط الخليج عبر خط سوريا-تركيا إلى أوروبا. بعد حرب روسيا – أوكرانيا تبحث أوروبا عن بديل للغاز الروسي. هل يمكن لخط تركيا-سوريا ملء هذا الفراغ؟
بالنسبة لحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية يتطلب تنفيذ مشروع كبير في الخارج “صوتاً واحداً” في الداخل، لهذا يتم كسر المعارضة في مفاوضات الطاقة وإشغال السياسة بدعوى المؤتمر. السياسة الخارجية محفوفة بالمخاطر، وتضييق مجال المعارضة في الداخل أصبح أداة لإدارة المخاطر. لم تعد الدولة تنتج القوة عبر الأمن فقط، بل عبر الطاقة واللوجستيات. ربطت ممرات الطاقة وحروب الشرق الأوسط والتنافس العالمي هذه العملية بالسياسة الخارجية.
جعل خطاب “السلام والمجتمع الديمقراطي” غطاءً أيديولوجياً لاستراتيجية المرونة في المسألة الكردية في الخارج والانضباط عبر دعوى البطلان المطلق لحزب الشعب الجمهوري في الداخل. تعطي السلطة رسالة “حل” للناخب الكردي ورسالة “دولة” للناخب القومي. إشغال حزب الشعب الجمهوري بالمحكمة يحافظ على اتساق هذه الرسالة المزدوجة.
تاريخياً هذه الفترة هي النسخة الحالية لدورة أسلوب السياسة الدولتي – المركزي الوافد من العثمانيين والذي تكرر في مراحل مختلفة من الجمهورية. 1925، 1960، 1980، 2016 هي المحطات.
اليوم ثلاث أسئلة على الطاولة
هل ستكسر تركيا هذه الدورة؟ إذا كسرتها فالأداة هي إصلاح الدستور وقانون الانتخابات وتقوية الإدارات المحلية وإعادة السياسة من القضاء إلى أرضية البرلمان.
ماذا سيحدث إذا نجح مشروع البحار الأربعة؟ سيزداد الثقل الجيوسياسي لتركيا وتصبح صاحبة كلمة في أسعار الطاقة.
ماذا سيحدث إذا فشل؟ ستذهب استثمارات بمليارات الدولارات هباءً، وينشأ خطر مستنقع جديد في سوريا. إذا اجتمع الفشل الخارجي مع المركزية في الداخل ستتعمق أزمة الشرعية.
تركيا 2026 عند تقاطع خطين
من جهة مؤتمر حزب الشعب الجمهوري في المحكمة، ومن جهة خط أنابيب الطاقة في دمشق. لم تعد السياسة الداخلية ومعادلة الطاقة الخارجية منفصلتين. الجواب مرتبط بكل من صندوق 2028 وبعملية “السلام والمجتمع الديمقراطي” وبحل المسألة الكردية وبالقرارات التي ستُتخذ في سوريا والعراق وشرق المتوسط.