باران كرمياني
أجبرت الحرب بين إيران والولايات المتحدة العراق على البحث عن وسائل لحماية إيراداته النفطية، فتوجه نحو توقيع اتفاقيات جديدة مع تركيا والأردن وسوريا لاستخدام مسارات بديلة لنقل النفط عبر الأنابيب إلا أن الكلفة المرتفعة لهذه المشاريع ومحدودية طاقتها الاستيعابية تعني أن بغداد ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على مضيق هرمز، ولا تملك حتى الآن بديلاً حقيقياً له.
في 28 شباط 2026، ومع اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وإغلاق مضيق هرمز، واجهت دول الخليج المُصدّرة للطاقة أزمة في تصدير النفط، وكان العراق من أكثر الدول تأثراً، إذ يعتمد اقتصاده بشكلٍ رئيسي على عائدات النفط، ما جعل تعطل الصادرات يشكّل تهديداً مباشراً لاقتصاده. لذلك؛ بدأ العراق بدراسة عدة بدائل لتصدير النفط، أبرزها، خط جيهان التركي، مشروع طريق التنمية، خط بانياس السوري، وخط البصرة ـ العقبة الأردني. لكن؛ يبقى السؤال: هل تستطيع هذه المشاريع أن تحل محل مضيق هرمز؟
خط جيهان ومشروع طريق التنمية
في عام 1973 وقع العراق وتركيا اتفاقية إنشاء خط أنابيب النفط إلى ميناء جيهان، واكتمل المشروع عام 1976، فيما انطلقت أولى شحنات النفط عبره عام 1977.
ورغم الخلافات التي شهدتها السنوات الماضية بين الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان بشأن تصدير النفط عبر هذا الخط، فإنه ينقل حالياً نحو 650 ألف برميل يومياً من نفط كردستان وكركوك، ووفقاً لوزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار، فإن الطاقة القصوى للخط تصل إلى 1.5 مليون برميل يومياً.
ومن المقرر أن تنتهي الاتفاقية الحالية في 28 من هذا الشهر، حيث تطالب تركيا برفع الكميات المصدرة إلى 1.5 مليون برميل يومياً، بينما تؤكد بغداد إن أي اتفاق جديد يجب أن يحفظ سيادتها على قرار تصدير النفط وألا يمنح تركيا صلاحيات واسعة في هذا الملف.
وفي الثالث من تموز 2026 أعلن أمين مجلس وزراء إقليم كردستان، أمانج رحيم، إن العراق وتركيا توصلا في أنقرة إلى بروتوكول مؤقت يضمن استمرار تصدير النفط العراقي، بما فيه نفط حقول إقليم كردستان، عبر خط أنابيب كردستان ـ جيهان.
أما مشروع طريق التنمية، فقد وقعت اتفاقيته في بغداد في 23 نيسان 2024 بين العراق وتركيا وقطر والإمارات. ويهدف المشروع إلى إنشاء ممر تجاري ونقل يربط البصرة بأوروبا عبر تركيا.
ويتضمن المشروع إنشاء 1200 كيلومتر من السكك الحديدية والطرق السريعة، تبدأ من البصرة مروراً ببغداد والموصل وصولاً إلى الحدود التركية، مع تحديث خطوط النقل الحالية. وتبلغ كلفة المشروع نحو 17 مليار دولار، وقد ترتفع إلى 20 مليار دولار، ومن المتوقع أن يبدأ التنفيذ في عام 2028، بينما يمتد استكماله حتى عام 2050.
ورغم أن المشروع ليس مخصصاً لنقل النفط بشكل مباشر، فإنه قد يتيح مستقبلاً إنشاء خطوط لأنابيب الغاز أو النفط وشبكات الكهرباء بمحاذاة مساره، لربط العراق ودول الخليج بتركيا وأوروبا. لكن؛ المشروع ما يزال في مرحلة التخطيط، ولم تبدأ أعماله على أرض الواقع، ولذلك لا يمكن اعتباره بديلاً فعلياً لمضيق هرمز في المستقبل القريب. كما يطرح أيضاً مسار معبر ربيعة باتجاه تركيا، إلا أن الاعتماد عليه في تصدير النفط يعد خياراً مكلفاً مقارنةً بخط جيهان والمشاريع الأخرى.
خط البصرة ـ العقبة
رغم إن المشروع لا يزال قيد النقاش ولم يدخل مرحلة التنفيذ، فإنه يقضي بنقل النفط من البصرة إلى حديثة في محافظة الأنبار، ثم إلى الأراضي الأردنية وصولاً إلى ميناء العقبة على البحر الأحمر. وفي حال تنفيذه، ستبلغ طاقته نحو مليون برميل يومياً، ما يجعله قادراً على استيعاب جزء مهم من صادرات العراق. وخلال زيارة رئيس الوزراء العراقي علي زيدي إلى الولايات المتحدة، بحث مع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي سبل المضي في تنفيذ مشروع خط أنابيب البصرة ـ العقبة.
خط بانياس السوري
بعد اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، اضطر العراق إلى نقل جزء من صادراته النفطية بواسطة الصهاريج عبر منفذي ربيعة وحديثة إلى ميناء بانياس السوري، ومنه إلى الأسواق العالمية. ويصدر العراق حالياً عبر هذا المسار ما بين 900 و1000 صهريج يومياً، أي ما يعادل نحو 50 ألف برميل يومياً، وهي كمية محدودة جداً مقارنةً بإنتاجه النفطي.
ويملك العراق خط أنابيب كركوك ـ بانياس، الذي يبلغ طوله 800 كيلومتر، وقد دخل الخدمة عام 1952، إلا أنه تعرض لأضرارٍ جسيمة خلال الحروب في عامي 1982 و2003، وأصبح خارج الخدمة ويحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة. وفي 18 تموز 2026 وقعت شركة نفط البصرة، ممثلة بالعراق، مع شركة النفط السورية اتفاقاً لإعادة تشغيل الخط.
وسيتولى تنفيذ المشروع تحالف يضم شركتي Chevron وTI Capital الأميركيتين، وشركة UCC القطرية، إضافة إلى شركة عراقية محلية. ومن المتوقع أن تستغرق أعمال التأهيل بين سنتين وثلاث سنوات، بكلفة تتراوح بين 4.5 و10 مليارات دولار، نتيجة الدمار الكبير الذي لحق بمحطات الضخ والتحديات الأمنية والمالية. وعند اكتمال إعادة التأهيل، ستبلغ الطاقة القصوى للخط نحو 700 ألف برميل يومياً.
هل يمكن لهذه المشاريع أن تحل محل مضيق هرمز؟
كان العراق يصدر عبر مضيق هرمز ما بين 3.3 و3.5 ملايين برميل يومياً، وهو ما يمثل 90 إلى 95% من إجمالي صادراته النفطية، معظمها إلى الأسواق الآسيوية. وحتى إذا جمعت الطاقات القصوى لجميع المسارات البديلة، فإن العراق لن يتمكن من تصدير أكثر من 2 إلى 2.5 مليون برميل يومياً، أي أقل بنحو مليون برميل يومياً مما كان يصدره عبر مضيق هرمز.
لذلك، ورغم أهمية هذه المشاريع في تنويع منافذ التصدير وتقليل المخاطر، فإنها لا تستطيع أن تكون بديلاً كاملاً عن مضيق هرمز، بل يمكنها فقط تأمين جزء من صادرات العراق النفطية. وبذلك يبقى مستقبل الإيرادات النفطية العراقية مرتبطاً إلى حدٍ كبير بإنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة النفطية.