هو أبو العلاء؛ أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي؛ من مَعَرَّة النعمان، كاتب وشاعر وفيلسوف عربي ضَرير، ولِدَ عام 363 هـ، وأصيب بالجُدَريُّ سنة 367هـ ففقد بصره بسببه، ونطق بالشعر عندما بلغ الحادية عشرة من عمره، وقد أخذ علوم القراءات القرآنية بإسناد عن الشيوخ، كما تعلم الحديث في سن مبكرة، ورحل إلى بغداد سنة 398هـ، وأقام فيها سنة وسبعة أشهر، ثم عاد إلى بلده، فلزم بيته، وأغلق عليه بابه فلم يسمح لغير طلاب العلم بمخالطته، وهذا هو السبب في تلقيبه بـ (رهين المحبَسَين) اللذين هما: مَحبَس العمى ومحبَس المنزل. كان متوقد الذهن قوي الذاكرة عجيب الحفظ والفهم، يؤكد ذلك ماحكاه تلميذه أبو زكريا التبريزي من أن طالبا آذَرِيًّا – من آذَرْبَيْجان – كان يقرأُ كتابا لأبي العلاء؛ وأبو العلاء يستمع، فبدا على وجه الآذَرِيّ الابتهاج، فأحس أبو العلاء بذلك من غير أن يرى وجهَه، فأخبره به، واستأذنه الآذريّ أن يكلّم زميلا له بلغته فأذن له، فكلمه بلسان الآذَرِيّة، فأعاد أبو العلاء عليه ما قالوه بلسانهم من غير أن يفهم منه شيئاً. وهذا يدل على حفظه الشديد. اشتُهر بآرائه وفلسفته المثيرة للجدل في وقته، وهاجمَ تصورات معاصريه للدين والاعتقاد. وللعلماء أقوالٌ كثيرة في المَعَرِّي.
مكانته العلمية
المعرّي من أسرة علمٍ تسنمت به قبة القضاء وألفتا على المذهب الشافعي مدة طويلة بين حمص ومعرة النعمان. قال ياقوت الحموي فيه: «كان غزيرَ الفضلِ، شائعَ الذكرِ، وافر العلمِ، غاية الفهمِ، عالماً باللغةِ، حاذقاً بالنحوِ، جَيّدَ الشعرِ، جزلَ الكلامِ. شُهرتُهُ تُغني عن صفته، وفضله ينطقُ بسجيته». فأبو العلاء ـ عند ياقوت الحموي ـ ذو فضل في مواقفه وعطائه، وصاحب صيت وشهرة بالعلم لغة ونحواً وفلسفة، وذو مهارة بالشعر، وجزالة في الكلام نثراً وشعراً، وفي شهرته آية ناطقة بصحة وصفه، وطيب سجيته التي جُبِلَ عليها.
ومن كانت فيه سجايا أبي العلاء المعري، وعمق رؤيته فلابد له من أن يلقى في زمنه كيداً وحسداً، وربما نسبوا إليه ما ليس له، من ذلك وضع الشعر الإلحادي على لسانه، أو نسبة ما يحكيه على لسان غيره إليه، وكان يحاول حكاية الرؤى السائدة في عصره، وقد اتهمه بعض المعاصرين أنه فاطمي، وواقع الأمر خلاف ذلك، فمن المعروف أن داعي الدعاة الفاطمي هبة الله الشيرازي تبادل مع أبي العلاء بعض الرسائل، وكان أبو العلاء يجادل داعي الدعاة ويحاوره في رسائل عدة ولا يستجيب له، ومات أبو العلاء وهو يراسل داعي الدعاة.
وكان أبو العلاء نفسه كتب رداً على متهميه بالإلحاد أسماه «زجر النابح» أوضح فيه طرائقه الشعرية في عرض آراء الفرق المختلفة، ومقاصده الأصلية من أشعاره. وكشف في كتاب آخر أسماه «الفصول والغايات» عن إيمانه بعذاب القبر والبعث والنشور، وبكل ما له علاقة بعقيدة الأمة فيما يتصل بالغيب.
كتبه
له رسائل طويلة تشبه الكُتب، مثل: رسالة الغفران، ورسالة الصاهل والشاحج، ورسالة الملائكة، ورسالة الفرض، والرسالة السنديّة. ورسائل قصيرة، مثل الرسائل المُستخدمة في المراسلات، وهي رسائل إلى العلماء، والأهل، والأدباء، والأصدقاء، والقُضاة.
نثر أبي العلاء
المعرّي موسوعة ثقافية متحركة، لذا تنوعت الموضوعات التي تناولها في رسائله، فشملت: النقد، والشفاعة، والمودّة، والرثاء، والتّهنئة، والوصف، والتواضع، والتعزية، والمديح، والشوق وغيرها.
من مقال مطول لـ “حسن بن جابر المدري الفيفي”/ المعرفة