في مشهد إنساني بالغ القسوة، يعكس عمق الانهيار الاجتماعي والاقتصادي الذي خلّفته سنوات طويلة من الأزمات في سوريا، تحولت قارعات الطرق، وحاويات القمامة، وأعتاب المساجد إلى أماكن يُعثر فيها على أطفال حديثي الولادة تُركوا لمصير مجهول.
ومنذ مطلع عام 2026، لم تعد ظاهرة التخلي عن الأطفال الرضع مجرد حوادث فردية متفرقة، بل باتت مؤشراً مقلقاً على أزمة اجتماعية وإنسانية متفاقمة، توثقها الوقائع الميدانية وتكشف حجم المعاناة التي يعيشها الأطفال منذ لحظة ولادتهم.
32 حالة تخلي عن الأطفال حديثي الولادة
ووثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان 32 حالة تخلي عن الأطفال حديثي الولادة منذ بداية العام الجاري، وتختزل هذه الحالات قصصاً مأساوية؛ إذ عُثر على بعض الرضع داخل حقائب مغلقة، وآخرين ملفوفين بأكياس بلاستيكية، فيما تُرك آخرون في العراء يواجهون البرد والجوع والموت.
وسُجلت 30 حالة في مناطق سيطرة الحكومة المؤقتة، توفي ثلاثة من أصحابها قبل وصول الرعاية الطبية إليهم، كما شهدت مناطق الجزيرة حالتي تخلي، انتهت إحداهما بوفاة الطفل نتيجة الظروف القاسية التي تُرك فيها.
وتعكس هذه الوقائع انهياراً متزايداً في شبكات الحماية الاجتماعية، في ظل الفقر المدقع، والعجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية للأطفال، بما فيها الحليب والرعاية الصحية، الأمر الذي يدفع بعض الأسر إلى قرارات مأساوية تحت وطأة اليأس. كما يسهم التفكك الأسري الناتج عن سنوات النزوح، إلى جانب الضغوط الاجتماعية والخوف من الوصمة أو الملاحقة في حالات الولادة خارج إطار الزواج، في تفاقم هذه الظاهرة، حيث يلجأ بعض الأشخاص إلى التخلي عن الأطفال هرباً من العواقب الاجتماعية.
وتبقى هذه الحالات جرس إنذار يدق في ضمير المجتمعين السوري والدولي، ويؤكد أن آثار الأزمات لا تقتصر على الحاضر، بل تمتد لتسلب أطفالاً أبرياء حقهم الأول في الحياة منذ لحظاتهم الأولى.