في الآونة الأخيرة، عادت التفجيرات والهجمات المتتالية إلى دمشق العاصمة السورية، والتي لا يمكن التعامل معها بأنها خروقات عابرة، قد تحدث بين الحين والآخر، نتيجة سوء الأوضاع في سوريا، ولكن عندما نسمي المسميات بأسمائها، علينا التفكير بالإبعاد التي تحملها هذه الهجمات والتفجيرات، ولعل من أهمها الأبعاد السياسية، التي تتجاوز حجم الضحايا والأضرار التي خلفتها، وأيضا الدراسة العميقة حول الجهات التي تقف وراءها وتستفيد منها.
فدمشق عاصمة سوريا، وتمثل مركز الثقل للقرار السياسي، وأيضا رمزية سوريا وهيبتها، وضربها يحمل دلالات تتجاوز حدود الجرائم المرتكبة، والتفجيرات التي حدثت، تعكس صورة السلطة وقدرتها على فرض الأمن والاستقرار، وضرب العاصمة دمشق، يؤثر على الأوضاع العامة الداخلية في سوريا، والمشهد السياسي، ويعيد طرح الكثير من الأسئلة إلى الواجهة، حول مستقبل البلاد، ومدى تحقيق الاستقرار فيه.
وما يشغل بال الكثيرين من السوريين والمتابعين للشأن السوري، توقيت التفجيرات الأخيرة التي حدثت في العاصمة دمشق، والهدف منها، وعلاقتها بالتطورات التي تجري بالداخل السوري والمنطقة، وخاصة زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدمشق، ما أعاد الوضع الأمني وهشاشته، إلى طاولة النقاش، وضرورة الوقوف عليه بشكل يؤدي إلى عدم تكرار ما حدث.
وسارعت السلطات في دمشق، بالتأكيد على محاسبة الجناة، وضرورة كشف الملابسات، ولم تتطرق لمسببات هذا العمل وهل بالإمكان تفادي أي تفجيرات أو هجمات أخرى. لكن؛ المراقبون للشأن السوري، يربطون الهجمات والتفجيرات التي حدثت اليوم وسابقا، لمسألة واحدة، وهي تعقيدات المرحلة السياسية التي تمر بها سوريا، ومسؤولية الدول الإقليمية والقوى الدولية، التي تحاول دائماً تحقيق مصالحها على حساب أمن وأمان السوريين. فمنذ تسلم الحكومة المؤقتة، السلطات في دمشق، لم تقم بمحاسبة من قاموا بالمجازر في الساحل، ولا في السويداء، وباقي المناطق السورية الأخرى، وحتى نتائج التحقيقات لم تكن شفافة، في العديد من القضايا، ولم يطلع عليها الشعب السوري، وهذه تركت إشارات استفهام حولها، ما يعني أن هناك أيادي خفية وراء كل ما يحدث، وهناك فرضية أخرى تقول هناك إمكانية أن تكون التفجيرات بفعل فاعلين داخليين وخارجيين، وباعتقادي هذا المنطق صحيح.
فداخليا، يتم استغلال الأوضاع الأمنية الهشة، ومن غير المستبعد، أن تكون أيادٍ خفية تعمل مع الحكومة السورية المؤقتة، ويكون لها يد في كل ما يحدث، وأيضاً قد يكون لأمريكا وإسرائيل دور في ضرب الاستقرار، في ظل رفض الحكومة المؤقتة، مواجهة حزب الله اللبناني، وهدفهما الضغط باتجاه قبول مطالبهم. لذا؛ فإن اختزال التفجيرات في أمر واحد قد يكون خاطئاً، لأن المشهد السوري معقد للغاية، وهناك الكثير من التحديات والصعوبات الداخلية، وتشابك المصالح الإقليمية والدولية.
وأيضا هناك أطراف تحاول دائما الاستثمار في التفجيرات سياسياً أو إعلامياً، من أجل الضغط على خصومها، والحصول على غاياتها، وخاصة عندما تكون التفجيرات في العاصمة السورية دمشق؛ لأنها تترك تأثيراً مباشراً على مدى الاستقرار الداخلي، وسيكون له تأثير على علاقات دمشق، مع المحيط الإقليمي والدولي، في تهيئة الظروف لإعادة العلاقات الطبيعية.
وفي الخلاصة، التفجيرات ترسل رسائل في غاية الأهمية إلى الداخل السوري، وأيضا إلى الخارج، والتحليل السياسي، وحده لا يكفي للرد على الكثير من الأسئلة التي تدور ببال السوريين، وكل المتابعين، للأوضاع السورية، فسوريا اليوم، تحتاج إلى كشف الحقائق والتعامل مع ما حدث بشفافية تامة، ومحاسبة الجناة وتحقيق العدالة، مهما كانت صفاتهم، وكشف الأسباب التي أدت للانفجارات، ومن يقف خلفها.
بالنتيجة، سيبقى الوضع السوري مفتوحاً على كل الاحتمالات، ولا يمكن التكهن فيما سيحدث، نتيجة تداخل المصالح الكثيرة في سوريا، ولكشف الحقائق ومحاسبة الفاعلين، لا بد من توفير الظروف المناسبة، لتحقيق العدالة، ونشر التفاصيل للراي العام، ويبقى موضوع الأمن والاستقرار في سوريا، رهن عدة عوامل على الحكومة اتخاذها وبشكل فوري، لسد الطريق أمام إراقة المزيد من دماء السوريين.