في السجن، يمكن للإنسان أن يُحرم من حريته. لكن؛ ما الذي يعنيه أن يُحرم أيضاً من حقه في العلاج؟ أن يشعر كل يوم بأن المرض يسبقه بخطوة، فيما الدواء يقف خلف أبوابٍ مغلقة؟ هذه ليست رواية، بل واقع تعيشه عشرات السجينات السياسيات الكرديات في إيران، وآخرهن “شلير مام قادري”، التي تواجه سرطان الثدي داخل أسوار سجن أورمية، بينما يتآكل جسدها ببطء وسط حرمانها من الرعاية الطبية.
قضية شلير ليست استثناءً، بل هي صفحة جديدة في ملف طويل بدأ منذ عقود. فمنذ السنوات الأولى بعد الثورة الإيرانية عام 1979، كانت المناطق الكردية مسرحاً للاعتقالات والمحاكمات، ولم تكن النساء بعيدات عن هذا المشهد. طالبة، معلمة، صحفية، ممرضة، أو أمٌّ تطالب بحقوق وحرية شعبها… يكفي أحياناً أن يكون الصوت مختلفاً حتى يتحول إلى تهمة.
ومع مرور السنوات، ازداد عدد النساء الكرديات اللواتي دخلن السجون بتهم تتعلق بـ”الأمن القومي” أو “الدعاية ضد الدولة”. غير أن ما يجمع كثيراً من هذه القضايا ليس فقط الاعتقال، بل ما يرافقه من حرمان من العلاج، والعزل، والضغوط النفسية، والأحكام القاسية التي تمتد لسنوات طويلة.
ثم جاءت انتفاضة “المرأة.. الحياة.. الحرية”؛ عام 2022، بعد استشهاد الشابة الكردية “جينا أميني”، لتفتح فصلاً أكثر قسوة. تحولت المرأة الكردية إلى أحد أبرز وجوه الانتفاضة، وفي الوقت نفسه أصبحت من أكثر الفئات عرضة للملاحقة والاعتقال. ومنذ ذلك الحين، امتلأت السجون بأسماء جديدة، لكل واحدة منها قصة وأسرة وأحلام توقفت عند باب الزنزانة.
وراء كل اسم في قوائم السجينات حياة كاملة. هناك أم تنتظر أبناءها، وابنة لم ترَ والديها منذ أشهر، وشابة كانت تخطط لمستقبلها قبل أن تجد نفسها تعدّ الأيام خلف القضبان. وعندما يُضاف المرض إلى السجن، تصبح المعاناة مضاعفة؛ فالألم لا يقتصر على القيود، بل يمتد إلى الخوف من أن يتحول المرض إلى حكم آخر، غير مكتوب، قد يكون أشد من حكم المحكمة.
إن قضية السجينات الكرديات ليست قضية شعب واحد أو منطقة واحدة، بل هي قضية إنسانية تتعلق بالحرية والحق في الحياة الكريمة. فالرعاية الصحية ليست امتيازاً يمنح أو يُمنع، بل حق تكفله المواثيق الدولية لكل إنسان، مهما كانت التهم الموجهة إليه.
وربما لهذا السبب، لم تعد أسماء مثل “شلير مام قادري” مجرد أسماء في نشرات الأخبار، بل أصبحت شاهداً على معركة أخرى تدور بصمت؛ معركة تخوضها نساء يحاولن التمسك بالحياة، بينما يراهنّ المرض والسجن على أن يسرقا منهن المقاومة والأمل.