يشكّل التصعيد المتواصل في الصراع الدائر في الشرق الأوسط الخطر الأبرز الذي يهدد استقرار المنطقة، ولا سيما التصعيد القائم بين الولايات المتحدة وإيران، وبين حزب الله وإسرائيل في جنوب لبنان، وذلك رغم المناشدات الدولية المتكررة الداعية إلى ضبط النفس واحتواء التوتر.
هذه الحرب، التي قد تجلب ويلات على المنطقة، وتغدو كابوساً يخيم على حياة الشعوب، هذه الحرب، كلفتها مليارات الدولارات، وانطلقت تحت عنوان حماية أمن العالم، وتتجاوز تداعياتها حدود المنطق، وستحتاج المنطقة إلى سنواتٍ طويلة للتعافي من آثارها والتخلص من تبعاتها.
وفي خضم هذه التطورات، يسعى كل طرف إلى تعزيز حضوره وتحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية، فتركيا تحاول استعادة نفوذها في المنطقة، مستفيدةً من حالة التوتر القائمة، والعمل على ترسيخ حضورها في كل من العراق وسوريا ولبنان، على غرار محاولاتها السابقة للعب دور في الحرب الدائرة في قطاع غزة، عبر إطلاق التصريحات والشعارات وإبداء المواقف المنددة بإسرائيل، في وقتٍ تستمر فيه معاناة سكان القطاع.
وفي المقابل، تسعى فرنسا إلى الحفاظ على دورها في الشرق الأوسط عبر البوابة السورية، مستندةً إلى خطاب دبلوماسي فاعل، ولا سيما إن لها تاريخاً معروفاً في سوريا. غير أن المشهد الراهن يختلف عما كان عليه في السابق، في ظل وجود أطراف دولية وإقليمية أخرى؛ تسعى بدورها إلى استعادة أدوارها وترسيخ نفوذها في منطقة شديدة الحساسية وفي توقيت بالغ التعقيد، على المستويين الإقليمي والدولي.
وبطبيعة الحال، تُطرح هذه التحركات تحت عناوين التضامن الدولي ومحاربة الإرهاب ومواجهة جميع أشكاله، باعتباره التحدي الأكبر الذي تواجهه العديد من الدول الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا. وفي المقابل، تحاول إيران الحفاظ على دورها الإقليمي ونفوذها، ودعم الأجنحة المتحالفة معها، من خلال استهداف القواعد والمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، في إطار توجيه رسائل سياسية وعسكرية تؤكد استمرار حضورها في معادلات المنطقة.
الأزمات المتشابكة، السياسية والأمنية والاقتصادية، فضلاً عن الحروب والتوترات المستمرة التي ألقت بظلالها على المشهد الإقليمي بأكمله، تُنذر بموجة جديدة من الاضطرابات المعقدة، ومن المرجح أن تصب في مصلحة الولايات المتحدة بالدرجة الأولى. فحتى وإن خسرت واشنطن بعض الملفات، فإن ذلك لا ينعكس بصورةٍ جوهرية على استراتيجيتها القائمة على إدارة الصراعات، واستخدام القوة، وإدامة الفوضى، وتصعيد الأزمات البنيوية، بما يؤدي إلى إضعاف البنية الاجتماعية لدول الشرق الأوسط، بالاستناد إلى تفاهمات وصفقات تثير كثيراً من الجدل، وتنعكس سلباً على الاستقرار المجتمعي وأمن الشعوب.
وفي ضوء المعطيات الراهنة، لا تبدو هناك مؤشرات حقيقية على تهدئة قريبة بين واشنطن وطهران، الأمر الذي يجعل المنطقة تقف على صفيح ساخن قابل للانفجار في أي لحظة، ولا سيما في ظل التهديدات الأمريكية الأخيرة. ويبقى التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الطرفين مرهوناً بقدرتهما على ضبط النفس والانخراط في حوار جاد قد يفضي إلى هدنةٍ هشة، أكثر من كونه تسوية مستدامة، إذ إن معظم المؤشرات الميدانية والسياسية لا تزال ترجح سيناريو حرب طويلة الأمد، وما قد يترتب عليه من تداعيات مفتوحة تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء المواجهة.