قامشلو/ دعاء يوسف ـ على امتداد أحد شوارع مدينة تربه سبيه، تتوزع أصص الزهور بألوانها الزاهية، وإلى جانبها أشجار الزينة والأشجار المثمرة التي تصطف بانتظام في مشتل صغير، في مشهد يبعث شيئاً من الأمل وسط الظروف الاقتصادية الصعبة، وبين الورود والأشجار يقضي علي محمد ساعات يومه في العناية بالنباتات وتفقدها.
لم تعد المشاتل أماكن لبيع النباتات، بل أصبحت شاهداً على التغيرات الاقتصادية التي طالت مختلف القطاعات، إذ انعكس ارتفاع أسعار المحروقات والنقل والإيجارات على أسعار الأشجار والزهور، الأمر الذي جعل أصحاب المشاتل أمام تحديات يومية للحفاظ على استمرار عملهم، في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية للمواطنين.
يقول “علي محمد“، وهو صاحب مشتل ومن أبناء قرية تل برهم بريف تربه سبيه، إن العمل في هذا المجال يحتاج إلى صبر طويل، فالشجرة الواحدة قد تحتاج سنوات من الرعاية قبل أن تصبح جاهزة للبيع. لذلك؛ فإن أي زيادة في تكاليف الإنتاج تنعكس مباشرة على أسعارها.
ويضيف: “السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار مستلزمات الزراعة، بدءاً من المازوت اللازم لري النباتات وتشغيل المعدات، مروراً بأسعار الأوعية الزراعية والتربة والأسمدة، وصولاً إلى أجور النقل والإيجارات، وهو ما ضاعف الأعباء على أصحاب المشاتل.”
تكاليف تتزايد عاماً بعد آخر
ويوضح محمد أن أسعار الأشجار تختلف بحسب نوعها وعمرها وحجمها، فهناك شتول صغيرة يبدأ سعرها من نحو 2500 ليرة سورية، بينما تصل أسعار الأشجار الكبيرة التي أمضت سنوات في النمو إلى نحو 100 ألف ليرة، نظراً لما تحتاجه من رعاية ومياه وأسمدة وأوعية زراعية أكبر.
ويشير إلى أن الشجرة تنتقل خلال مراحل نموها من كيس زراعي صغير إلى أوعية أكبر مثل السطل، وكل مرحلة تعني زيادة في التكلفة، سواء من حيث ثمن الوعاء أو كمية التربة والأسمدة والمياه التي تحتاجها.
ويقول: “كلما كبرت الشجرة زادت مصاريفها، فهي تحتاج إلى سنوات من المتابعة اليومية. لذلك؛ لا يمكن مقارنة سعرها بسعر الشتول الصغيرة.” ولا يقتصر المشتل على نباتات الزينة فقط، بل يضم أيضاً مجموعة متنوعة من الأشجار المثمرة، مثل المشمش والإجاص والدراق، إضافة إلى أنواع مختلفة من الورود الموسمية والورود الصغيرة التي يقبل عليها الأهالي خلال فصلي الربيع والصيف لتزيين الحدائق والشرفات والمنازل.
ارتفاع كبير في الأسعار
أسعار الأشجار المثمرة ارتفعت بشكل لافت مقارنة بالعام الماضي، إذ كان سعر بعض الأشجار يبلغ نحو 20 ألف ليرة، بينما وصل اليوم إلى 35 ألف ليرة، أي بزيادة تقدر بـ15 ألف ليرة للشجرة الواحدة.
ويرى أن السبب الرئيسي لهذا الارتفاع يعود إلى زيادة تكاليف الإنتاج، وليس إلى رغبة أصحاب المشاتل في رفع الأسعار، موضحاً أن معظمهم يحاولون الحفاظ على هامش ربح بسيط يسمح لهم بالاستمرار في العمل.
تابع: “العديد من الزبائن يبدون استغرابهم من الأسعار الحالية، إلا أنهم عندما يطلعون على حجم المصاريف التي يتحملها صاحب المشتل يدركون أن الزيادة فرضتها الظروف الاقتصادية وارتفاع أسعار مستلزمات الزراعة.”
النقل يلتهم الأرباح
ومن أبرز الصعوبات التي تواجه أصحاب المشاتل، ارتفاع أجور النقل، إذ يتم نقل الأشجار والورود من تربه سبيه إلى مدينة قامشلو وعدد من المناطق المجاورة، ما يزيد من كلفة المنتج قبل وصوله إلى الزبون.
ويشير إلى أن الربح الذي كان يحققه سابقاً أصبح أقل بكثير اليوم، موضحاً أن الشجرة التي كانت تكلف نحو 25 ألف ليرة كان يبيعها بحوالي 35 ألفاً، أما اليوم فقد ارتفعت تكلفة إنتاجها ونقلها، بينما لا يستطيع رفع السعر بالشكل الذي يغطي جميع النفقات، بسبب ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين.
الطلب يتغير حسب المواسم
ويبين محمد أن الإقبال على شراء النباتات يزداد مع بداية فصل الربيع، حيث يسعى كثير من الأهالي إلى زراعة حدائق منازلهم أو تجديد النباتات الموجودة لديهم، بينما ينخفض الطلب خلال فترات الصيف الحارة أو الشتاء. كما تشهد الورود الموسمية رواجاً في مواسم معينة، في حين تبقى الأشجار المثمرة خياراً للراغبين في استثمار حدائقهم المنزلية أو الأراضي الزراعية الصغيرة.
ويؤكد: “أن تنوع النباتات داخل المشتل يساعد على تلبية احتياجات مختلف الزبائن، فمنهم من يبحث عن شجرة مثمرة، ومنهم من يفضل نباتات الزينة أو الورود التي تضفي جمالاً على المنزل”.
مهنة ترتبط بالصبر
ويصف محمد العمل في المشاتل بأنه مهنة تعتمد على الصبر أكثر من أي شيء آخر، فالنبات يحتاج إلى رعاية يومية ومتابعة مستمرة، وقد تمتد سنوات قبل أن يصبح جاهزاً للبيع.
ورغم جميع التحديات، لا يزال محمد متمسكاً بعمله، معتبراً أن زراعة الأشجار والورود ليست مجرد تجارة، بل مهنة تمنح الحياة للمكان وتساهم في نشر المساحات الخضراء.
وفي وقت تتزايد فيه الأعباء الاقتصادية على مختلف القطاعات، تبقى المشاتل واحدة من المهن التي تكافح للاستمرار، محافظة على حضورها رغم الغلاء، لتبقى الورود والأشجار عنواناً للجمال، ورسالة بأن الحياة قادرة على أن تزهر حتى في أصعب الظروف.