وأخيراً رسي رئيس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع على تحديد قائمة البرلمانيين الذين سيتم تعيينهم من حصته، وفي الوقت نفسه لم يخِب ظن المجلس الوطني الكردي الذي طالب على لسان قيادية فيه، عندما تمنت أن يتكرم الرئيس الشرع ببعض الكراسي لهم، لأن الشعب مغيّب عن الانتخاب وترشيح ممثليه وبالتالي الشرع يعلم مصلحة شعبنا ومن يستطيع تمثيله، ولكن ومع إدراك من يعتبرون ممثلي الشعب الكردي، أن اختيارهم لم يأتِ بإرادة الشعب وإنما لأجنداتٍ إقليمية وغايات سياسية للنظام الحالي في دمشق، غير إنهم احتفلوا بفوزهم! فوز على من وأي منافسين؟
طبعاً ليست المشكلة في أن يكون للكرد ممثلون داخل مجلس الشعب السوري، بل في أن يتحول هذا التمثيل إلى غطاء سياسي لإقصاء إرادة الشعب الكردي، فالقضية ليست عدد المقاعد، وإنما السؤال الجوهري: من اختار هؤلاء؟ ومن منحهم حق التحدث باسم ملايين الكرد؟
فالتمثيل الذي لا يولد من صناديق الاقتراع، ولا من توافق سياسي كردي جامع، ولا من تفويض شعبي واضح، يبقى تمثيلًا للسلطة التي عينته، لا للشعب الذي يُفترض أنه يمثله. ولهذا، فإن تعيين شخصيات كردية بقرار من السلطة لا يمكن اعتباره انتصارًا للقضية الكردية، بل محاولة لإعادة إنتاج سياسة قديمة تقوم على اختيار “الكرد المقبولين” واستبعاد أصحاب الثقل الحقيقي على الأرض.
وليس من قُبيل المصادفة أن تكون غالبية المعينين محسوبين على المجلس الوطني الكردي، في وقتٍ غابت فيه قوى كردية تمتلك حضورًا جماهيريًا وسياسيًا وعسكريًا واسعًا، وهذا لا يعكس التعددية السياسية الكردية، بل يعكس رغبةً في صناعة تمثيل مريح للسلطة، لا تمثيل مزعج يطالب بالحقوق القومية والدستورية، وما يزيد الشكوك هو الخطاب السياسي لبعض هؤلاء، فحين يصبح الحديث عن رفع الظلم عن الإخوان المسلمين، أو عن خدمة سوريا ثم الجزيرة، أكثر حضورًا من الحديث عن الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي وحقوقه القومية، فإن ذلك يكشف خللًا في ترتيب الأولويات، فمن يصل إلى البرلمان بصفته كرديًا، يُنتظر منه أولًا أن يحمل قضية شعبه، لا أن يذيبها في شعاراتٍ عامة تتجنب حتى تسميتها.
إن القضية الكردية ليست ملفًا ثانويًا يمكن تأجيله، وليست تفصيلًا يمكن تجاوزه تحت عنوان “الوحدة الوطنية”. إنها قضية شعب يعيش على أرضه التاريخية، ويطالب باعترافٍ دستوري بهويته وحقوقه وشراكته الحقيقية في بناء سوريا، ومن يتجنب الدفاع عن هذه المطالب في أول اختبار سياسي، يصعب إقناع الناس بأنه سيفعل ذلك لاحقًا. إن أخطر ما في هذه التعيينات ليس ضعف تمثيلها للكرد، بل احتمال أن تتحول إلى أداةٍ سياسية تستخدمها السلطة في الداخل والخارج للقول إن “الكرد ممثلون”، بينما يبقى جوهر القضية الكردية خارج أي نقاش دستوري أو سياسي حقيقي، وهنا يتحول النائب من ممثل لشعبه إلى شاهد زور على استمرار تهميشه.
الكرد اليوم لا يحتاجون إلى وجوهٍ تملأ مقاعد البرلمان، بل إلى شخصيات تمتلك الشجاعة لتقول بوضوح إن سوريا الجديدة لن تكون ديمقراطية ما لم تعترف دستوريًا بالشعب الكردي وحقوقه القومية.
إن من يختار الصمت أمام تغييب هذه الحقوق، أو يضع قضايا أخرى في مقدمة أولوياته، إنما يسجل اسمه في ذاكرة شعبه بوصفه جزءًا من مشكلة التمثيل، لا جزءًا من الحل، فالقضية الكردية لا تحتاج إلى ممثلين يزينون المشهد السياسي، بل إلى رجال ونساء يدافعون عنها مهما كانت الكلفة، أما التمثيل الذي يُستخدم لتجميل واقع الإقصاء، فلن يغير شيئًا من الحقيقة: الشعب الكردي لا يمثله إلا من يستمد شرعيته منه، ويجعل حقوقه الوطنية فوق كل اعتبار.