لم تعد سوريا اليوم تشبه تلك البلاد التي عرفها السوريون طوال العقود الماضية؛ فالتحولات التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الأخيرة لم تكن مجرد تغيير سياسي عابر أو إعادة ترتيب لمراكز النفوذ، بل بدت وكأنها بداية لمرحلةٍ جديدة تحاول فيها سوريا إعادة تعريف نفسها بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام والانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
في الشوارع التي أنهكتها الحرب، وفي المدن التي تغيّرت ملامحها أكثر من مرة، وفي المناطق التي عاشت سنوات من الإدارة الذاتية أو النفوذ العسكري المتعدد، يقف السوريون اليوم أمام سؤال كبير ومعقّد:
هل تستطيع الحكومة الجديدة أن تغيّر سوريا فعلًا، أم أن البلاد دخلت فقط مرحلة جديدة من إعادة إنتاج السلطة بأشكال مختلفة؟
السؤال لا يتعلق فقط بالسياسة، بل بطبيعة الدولة المقبلة، وشكل العلاقة بين المجتمع والسلطة، وبين المركز والأطراف، وبين القوميات والطوائف والتيارات السياسية المختلفة التي خرجت من سنوات الحرب محمّلةً بالخوف والتعب والشكوك.
في روج آفا وشمال شرق سوريا تحديدًا، تبدو الصورة أكثر حساسيةً وتعقيدًا؛ فهذه المنطقة التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى واحدةٍ من أكثر المناطق تأثيرًا في المشهد السوري، لم تعد مجرد ساحة عسكرية أو ملف أمني مرتبط بالنضال ضد داعش، بل أصبحت مساحةً سياسيةً واجتماعيةً وثقافيةً مختلفة عن بقية الجغرافيا السورية.
هنا نشأت هياكل إدارية جديدة، وتغيّرت العلاقات الاجتماعية، وصعدت أدواراً جديدةً للمرأة والشباب والقوى المحلية، كما تشكّلت طبقات اقتصادية مرتبطة بالحرب والمنظمات والنفط والمعابر، في وقتٍ بقيت فيه المنطقة تعيش حالةً من القلق الدائم بسبب التهديدات الأمنية والتجاذبات الدولية وعدم وضوح مستقبل العلاقة مع دمشق.
اليوم، ومع صعود الحكومة الجديدة ومحاولات إعادة توحيد البلاد سياسيًا وإداريًا، يعود السؤال الأكثر حساسية:
هل تستطيع السلطة الجديدة بناء عقد وطني مختلف فعلًا؟
أم أن السوريين يدخلون مرحلةً جديدة من الصراع الهادئ الذي قد يكون أقل عنفًا، لكنه أكثر تعقيدًا؟
اللافت إن كثيرًا من السوريين، رغم الترحيب النسبي بحالة الانفتاح السياسي والإعلامي التي ظهرت خلال المرحلة الجديدة، ما زالوا يتعاملون بحذرٍ شديدٍ مع فكرة “التحول الكامل”. فالمجتمعات التي خرجت من الحروب الطويلة لا تستعيد ثقتها بسهولة، خصوصًا عندما تكون الذاكرة الجماعية مثقلة بالخسارات والانقسامات والخوف من المستقبل.
وفي الوقت الذي تحاول فيه الحكومة الجديدة تقديم نفسها كسلطةٍ تسعى لإعادة الاستقرار وبناء المؤسسات، تظهر في المقابل أسئلة حقيقية تتعلق بحدود الحريات السياسية والإعلامية، وشكل المشاركة الفعلية للقوى المحلية، وطبيعة العلاقة مع الشعوب المتعددة بمختلف قومياتهم وأديانهم، إضافةً إلى مستقبل المناطق التي عاشت تجربة سياسية وإدارية مختلفة طوال سنوات الأزمة.
الكرد في روج آفا يقفون اليوم أمام لحظة دقيقة للغاية، فهم من جهة يدركون إن البلاد تتجه نحو مرحلة جديدة تتطلب تفاهمات سياسية واسعة، لكنهم من جهةٍ أخرى يخشون أن تتحول عملية إعادة بناء سوريا إلى عملية إعادة مركزية للسلطة بشكلٍ يهدد خصوصية التجربة التي تشكّلت خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، تبدو الحكومة الجديدة مطالبةً بإثبات قدرتها على إدارة التنوع السوري بطريقة مختلفة عن الماضي، لأن أي محاولة للعودة إلى الصيغ التقليدية القديمة قد تُعيد إنتاج الأزمات نفسها التي دفعت البلاد سابقًا نحو الانفجار؛ غير أن التحدي الأكبر ربما لا يكمن فقط في السياسة، بل في الاقتصاد والمجتمع. فسوريا اليوم ليست دولة خرجت من حربٍ قصيرة، بل مجتمع كامل تعرّض لتفكك عميق على المستويات الاقتصادية والنفسية والثقافية.
جيل كامل نشأ وسط الحرب، والانقسام، والهجرة، والسلاح، والانهيار المعيشي، ما يعني أن إعادة بناء الثقة قد تكون أصعب بكثير من إعادة بناء المدن. كما أن السنوات الماضية خلقت اقتصادًا جديدًا قائمًا على شبكات النفوذ المحلية، والمعابر، والمساعدات، والاقتصاد غير الرسمي، وهو ما يجعل أي محاولة لبناء دولة مركزية حديثة عملية معقدة ومليئة بالتناقضات.
ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل حقيقة أن السوريين اليوم يبحثون عن أي فرصة للاستقرار بعد سنوات طويلة من الإنهاك؛ فالناس لم تعد تسأل فقط عن الشعارات السياسية الكبرى، بل عن القدرة على تأمين حياة طبيعية، وفرص عمل، ومساحة حرية، ومؤسسات قانونية يمكن الوثوق بها، وهنا تحديدًا يتحدد مستقبل المرحلة الجديدة.
إذا استطاعت الحكومة الجديدة الانتقال من منطق إدارة المرحلة إلى منطق بناء سوريا، وإذا تمكنت من خلق مساحة سياسية أكثر انفتاحًا، والاعتراف بالتنوع السوري بوصفه عنصر قوة لا تهديدًا، فقد تدخل سوريا فعلًا مرحلةً مختلفة لأول مرة منذ عقود.
أما إذا بقيت التحولات الحالية محصورة في تبديل الوجوه وإعادة ترتيب مراكز النفوذ دون تغيير حقيقي في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، فإن البلاد قد تجد نفسها أمام نسخة جديدة من الأزمة، وإنْ بصيغة أقل صخبًا وأكثر هدوءًا.
سوريا اليوم لا تحتاج فقط إلى سلطة جديدة، بل إلى فكرة جديدة للدولة نفسها. وهذا هو التحدي الأصعب الذي سيحدد شكل البلاد في السنوات المقبلة.