يتمسك رئيس النظام التركيّ أردوغان بالسلطة بعنادٍ، متطلعاً لولاية ثالثة تمدد حكمه عبر إجراءات استباقية تشرعن ترشحه، رغم القيود الصارمة للدستور الحالي التي تمنعه من ذلك، وأمام هذا الإصرار، يُطرح سؤال محوري، ما القيمة الحقيقية للانتخابات إن كانت تسفر دائماً عن نتائج محسومة ومفصلة مسبقاً؟ فقد بات الشخص في تركيا هو الأساس الثابت الذي يمتد وينكمش الدستور ليلائمه، ما يحول الصناديق إلى مجرد إجراءات شكليّة لتجديد صلاحية حكم الفرد، وإلغاء مفهوم التداول السلمي للسلطة، لتؤكد مجدداً، أن الانتخابات هي لعبة أردوغان المفضلة لتأطير الاستبداد بديمقراطيّة شكليّة.
الترشيح الاستباقي ومبدأ بروكرست
تعود جذور مصطلح “سرير بروكرست” إلى الميثولوجيا الإغريقيّة القديمة، وتحكي الأسطورة، أنّ قاطعَ طريقٍ يدعى بروكرست، كان يستدرجُ المسافرين إلى بيته، ويقدم لهم سريراً حديديّاً للنوم، يقوم ببتر أوصاله وأقدامه، إذا وجد طول الضيفِ يتجاوز مقاسَ السرير، ويشدّها بعنفٍ حتى تنخلع إذا كان الضيف قصيراً، وتجلى هذا السلوك في الفكر السياسيّ المعاصر، كنموذج مغالطة تقوم على التلاعب بالحقائق، وتشذيب المعطيات وتشويه الواقع وجعله يتوافق مع مخطط ذهنيّ أو نتيجة مصلحيّة محددة سلفاً، لكن بروكرست لقِيَ الجزاء العَادلَ على يد البطل الإغريقي ثيسيوس، الذي أخضعه لنفس المَثُلة، فأضجعه على السرير ذاته وقطع رقبتَه لينسجم مع طول سريره.
ويُسقط هذا المفهوم على الآليّة الانتخابيّة والدستوريّة في تركيا، ويُعيد عبرها الحزب الحاكم تفصيل القوانين ومؤسسات الدولة، لتلائم مقاس بقائه بالسلطة وإقصاء خصومه، ومن هذا المنطلق، يمثل إعلان حزب العدالة والتنمية الحاكم رسميّاً إعادة ترشيح أردوغان، لانتخابات الرئاسة، قفزةً بهلوانيّة فوق النصوص القانونيّة والتحصينات الدستوريّة القائمة، وتطبيقاً صارخاً لآلية “سرير بروكرست” سياسيّاً.
فالدستور التركيّ، ينصّ بشكل قطعيّ على ضرورة توفر الشروط الدستوريّة، والأهلية القانونيّة أولاً، ثم الإقدام على الترشح، وليس العكس؛ وتمنع المادة 101 انتخاب الشخص نفسه لأكثر من دورتين، ويعدُّ إعلان ترشح أردوغان بالوضع الراهن، وقبل إجراء أيّ تعديل دستوريّ، أو انتزاع توافق برلمانيّ، مخالفةً قانونيّة صريحة.
لكنّ النظام تعمد الإعلان المبكر كلعبة إيحائيّة لصناعةِ “وهم دستوريّ” في وعي المواطن والشارع، ونزع الهيبة عن النص القانونيّ لتطبيع المخالفة وتحويلها إلى تحصيل حاصل لا قيمة له، ويتحول مبدأ “سرير بروكرست” هنا إلى فلسفةٍ انتخابيّةٍ متكاملة؛ فبدل أن تخضعَ السلطة التنفيذيّة لضوابط الدستور ومتونه المكتوبة، يتم قسراً لي النصوصِ، وبترُ التفسيراتِ القانونيّة، لتتمدد وتتوافق مع مقاس الحاكم ورغبته بالبقاء الأبديّ، ويسعى النظام عبر هذا الإيحاء إلى إحباط معنويات قوى المعارضة، وإشاعة مناخٍ من اليأس السياسيّ، لتمرير رسالةً مبطّنة مفادها أنّ بقاءَ أردوغان، على رأسِ السلطةِ مسألة محسومةٌ، وهو القالب الإجباريّ الذي يجب على القوانين والمؤسسات أن تتشكلَ وفقاً لطوله، ما يفرّغ مسبقاً الاستحقاقَ الانتخابيّ من جوهره التنافسيّ.
ومن أغرب مفارقات البيئة الانتخابيّة في تركيا، أنّها تعرقل الترشحَ الأولَ لشخصٍ يتمتعُ بشعبيّةٍ كبيرةٍ، وتغيّبه تماماً عن المشهد بمقصلةٍ قضائيّةٍ وقوانين جائرة، فيما يُطوّعُ الدستورُ وتُجير كلّ مؤسسات الدولة التشريعيّة، والأمنيّة، والإعلاميّة، والسياسيّة، لصالح ترشيحٍ ثالثٍ غير دستوريّ لحاكمٍ يمسكُ بالسلطة منذ أكثر من عقدين؛ لتأكيد أنّ السريرَ الحديديّ يقصّ أطرافَ الخصوم الشرعيين، ويمطط القوانين لتناسب مقاس بقاء الفرد.
المقصلة القضائيّة وتفتيت المعارضة
تعمل الماكينة الحاكمة، على تهيئة بيئة الانتخابات وفق مبدأ بروكرست القاسي، مستخدمة المنظومة القضائيّة كمقصلة مسيسة لتشذيب المشهد السياسيّ، وإقصاء أي منافس يشكل تهديداً حقيقياً لصندوق الاقتراع، ويتجلى هذا البتر المادي بقضية أكرم إمام أوغلو، عمدة إسطنبول، وأبرز مرشح رئاسي محتمل للمعارضة، فقد اُعتقل بتهم ملفقة بهدف عزله سياسيّاً، وسحب أهليته القانونيّة لإخراجه من سباق الرئاسة، وتجاوز السرير الدمويّ ضرب الأفراد، ليمتد ويتدخل في تفصيل بنية المعارضة، وفق معايير السلطة؛ وحالة الترنح البنيويّ الذي تعانيه المعارضة حالياً ليست عفويّة، بل نتاج مباشر لسلوك السلطة وضغوطها المستمرة، والاختراقات الممنهجة والانشقاقات المتتالية في صفوف كبرى الأحزاب، كحزب الشعب الجمهوريّ، والتي يستغلها النظام بحنكة تكتيكيّة عبر الاحتفاء بالمنشقين، لضرب الروح المعنويّة للقواعد الشعبيّة وإضعاف الجبهة المقابلة.
وجاء إصدار القضاء لحكم غير مسبوق في 21/5/2026، يقضي بإبطال شرعيّة المؤتمر العام لحزب الشعب الجمهوريّ، وإقصاء رئيسه أوزغور أوزيل، بذريعة قضايا فساد داخليّ وشراء أصوات، ليدخل الحزب في نفق أزمة شرعيّة، تشلّ قدرته على الحركة، وتضمن بقاء هرم السلطة محصّناً ضد أيّ مفاجآتٍ شعبيّة قد تفرزها الصناديق، وفي 10/6/2026، شهدت قيادة حزب الشعب الجمهوريّ، تطوراً لافتاً تمثل بعقد اجتماعين متوازيين، الأول برئاسة أوزغور أوزيل، الذي اجتمع بنواب الحزب في البرلمان، والثاني عقده كمال كليشدار أوغلو، في المقر الرئيسيّ للحزب في أنقرة.
ويتكامل التفتيت مع تكتيكات تفريخ الأحزاب الصغيرة، وتغذية النزعات الراديكاليّة والقوميّة، كحزب هدى بار الإسلاميّ الكرديّ، لاستقطابِ الأصوات وتشتيت كتل المترددين في قنوات فرعية تعجز عن اختراق عتبة الحظر البرلمانيّ، لتُمنع المعارضة من تشكيلِ جبهة واحدة متماسكة.
في سياق إدارة المعارك الانتخابيّة، تستنفر السلطة كافة مؤسسات الدولة السياسيّة، والأمنية، والإعلامية، وتضعها بالكامل في خدمة الماكينة الدعائيّة لحزب العدالة والتنمية، متجاهلة المبدأ الدستوريّ والقانونيّ، الذي يفرض حياديّة الدولة إزاء المنافسة السياسيّة، وخاض أردوغان الانتخابات السابقة، وهو يتمتع بصلاحيات تنفيذيّة مطلقة، في ميزانيّة الدولة، وطائراتها، وأجهزتها الأمنيّة، بينما كان يُفترض قانوناً أن يعلن استقالته، ويخوض المعركة الانتخابيّة كمرشح مساوٍ لغيره، لضمان حد أدنى من الندية والتكافؤ.
وسخر النظام 100% من وسائل الإعلام الرسميّة كشبكة TRT لبث خطابات أردوغان، وتوجيه حملات تشويه مغرضة، ونشر فيديوهات مفبركة بالذكاء الاصطناعيّ، لضرب الخصوم واتهامهم بالإرهاب، وتحولت الأجهزة الأمنيّة والقضائيّة، إلى أدوات لترهيب أنصار المعارضة، وتضييق الخناق على تجمعاتهم، ما يحوّل العملية الانتخابيّة إلى سباق غير متكافئ بين دولةٍ مدججة بأدوات القوة، ومرشحين عزل يحاربون في بيئةٍ محاصرةٍ وموجّهة بالكامل لخدمة شخص واحد يرفض النزال الانتخابيّ النزيه.
الدستور وقوالب النظام الرئاسي
ولا تتوقف الإجراءات البروكرستيّة عند مرحلة ما قبل الانتخابات بل تمتد بقسوة إلى ما بعدها، ولدى النظام تاريخٌ حافلٌ بإنكار نتائج الصناديق والارتداد عليها، إذا جاءت على غير مقاسه، ويبرز ذلك تاريخيّاً في صدمة انتخابات البرلمانيّة في 7/6/2015، حين فقد الحزب الحاكم أغلبيته، وتجاوز حزب الشعوب الديمقراطيّ نسبة 13%، عطّل أردوغان تشكيل الحكومة، وعمد لقصّ النتائج عبر فرض انتخابات مبكرة في 1/11/2015، بعدما أدخل البلاد في نفقٍ أمنيّ مرعب، شهد تفجيراً مزدوجاً بمحطة قطارات أنقرة في 10/10/2015، وقتل فيه نحو 100 شخص من أنصار حزب الشعوب الديمقراطيّ لترهيب الناخبين.
وتكرر السيناريو في الانتخابات البلديّة في 31/3/2019، بعد خسارة مرشح السلطة بن علي يلدريم في إسطنبول، وألغيت النتيجة وأعيدت بضغطٍ بيروقراطيّ، ورغم فوز إمام أوغلو مجدداً بفارق 800 ألف صوت، إلا أنّ النظام انتقل لاحقاً لسياسة الانقلاب المباشر عبر اعتقال البرلمانيين، ورؤساء البلديات، وتعيين أوصياء من الحزب الحاكم، وتجسد هذا التغوّل في بلدية وان، حيث فاز المرشح الكرديّ عبد الله زيدان، بنسبة تجاوزت 55% في 31/3/2024، بعد حصوله على حكم قضائيّ برد الاعتبار، لتقوم وزارة العدل فجأة بإلغاء القرار وتعيين والي المدينة كوصي إداريّ، ما يؤكد أنّ الإجراءات تشمل مرحلتي ما قبل وما بعد الصندوق لتطويعه تماماً.
شكلت أحداث محاولة الانقلاب في 15 تموز 2016، الرافعة الأساسيّة والمسرحية الكبرى، التي استغلتها السلطة للقيام بعملية “قصقصة” شاملةٍ وجذريّةٍ لمعارضي السلطة، تحت غطاء حالة الطوارئ، وصارت الاتهامات الجاهزة والمعلبة أداة طيعة بيد الأمن؛ فإما الانتماء لحزب العمال الكردستانيّ، أو تنظيم “الخدمة” التابع للداعية الراحل فتح الله غولن، ويجري تسويق نظرية المؤامرة الخارجيّة، والتهديد الوجوديّ للأمن القوميّ كعناصر أساسيّة لشدِّ عصبِ الناخبين، وتبرير تدمير البنية الديمقراطيّة للمؤسسات.
وتوّج الاستفتاء الدستوريّ في 16/4/2017، هذا المسار عبر صياغة نظام رئاسيّ، فُصّلت قوانينه بالمسطرة على مقاس أردوغان الشخصيّ، محولاً نظام الحكم من برلمانيّ، تكتنفه توازنات معقّدةٌ ودور فخريّ للرئيس، إلى نظام حكم الفرد المطلق، وكان الهدف الحقيقيّ من هذا التحول هو تسهيلُ بقائه حاكماً منفرداً بانتخاباتٍ مباشرة تعزلُ رئاسة السلطة التنفيذيّة، عن أيّ سجالٍ أو شروط قد تفرضها الأغلبيّة البرلمانيّة، تلافياً للصعاب والأدوار المعقّدة للأحزاب في الأنظمة البرلمانيّة، فحصر السجال في انتخاب البرلمان، دون مساس برئاسة السلطة؛ ليظل السرير الحديديّ بممارساته القاسية والدمويّة هو العمود الفقريّ والرابط البنيويّ، الذي يشحن كلّ فكرة لضمان ألا تفرز الصناديق إلا حاكماً واحداً لا بديل له.
وتُمثل الآليات المعقدة لتعديلِ الدستور التركيّ، وجوهر قرار البرلمان العصب الإجرائيّ الحاسم، الذي يسعى النظام عبره إلى فتح السرير الدستوريّ، وجعل النصوص تلائم مقاس التمديد الرئاسيّ، وتواجه خطة التمديد لعام 2028، معضلة تأمين نسبة 60% في البرلمان لتمرير دستور جديد، أو تقديم موعد الانتخابات، حيث يحتاج القرار إلى 360 نائباً من أصل 600، وهي أغلبية لا يملكها تحالف الجمهور الحاكم، الذي ينقصه نحو 40 مقعداً.
وهذا النقص يثير مناورات حثيثة لطرح مسار سلام جديد، مع حزب المساواة وديمقراطيّة الشعوبِ، لحصرهم بين فكي كماشة الخضوع لمقايضات التمرير، أو مواجهة السجن والعزل القياديّ، بالتوازي مع تقديم مقترح تكتيكيّ عبر مستشار الرئيس محمد أوجوم، لتقديم موعد الانتخابات إلى نيسان 2028 بدلاً من أيار 2028، لشرعنة الترشح الاستثنائيّ بموجب المادة 116 من الدستور، مع تجهيز بدائل عائلية مثل سلجوق بيرقدار لضمان إغلاق الخارطة تماماً وإقصاء أي مرشح قادر على مجاراة الآلة اللوجستيّة للدولة.
احتقان الشارع والموقف الأمريكيّ
أمام هذا الانسداد الدستوريّ المزمن، وتفصيل البيئة السياسيّة قسراً، يجد الشارع التركيّ، نفسه أمام سيناريوهات قاتمة تتراوح حدّتها، بناءً على تراكمات الأزمة الاقتصاديّة الخانقة، والتضخم المتصاعد الذي ينهش طبقات المجتمع، ويتمثل السيناريو الأول بحالة “الإنهاك والاستسلام العام”؛ إذ تقود الممارسات البروكرستيّة المستمرة وإقصاء البدائل القوية كإمام أوغلو، إلى بث اليأسِ في نفوس الناخبين، وتوليد قناعةٍ شعبيّة عامة بأنّ الصناديق باتت بلا جدوى، ما يدفع الكتلة الحرجة من الشارع للانسحاب من الحياة السياسيّة والقبول بالأمر الواقع تجنباً لسيناريو الفوضى الذي تلوح به السلطة دائماً.
أما السيناريو الثاني، فيكمن في حدوث “انفجار اجتماعيّ مفاجئ”، خارج الأطر الحزبيّة التقليديّة؛ فإذا تفاقمت معدلاتُ الفقر، وتجاوز التعديل الدستوريّ حدود الاحتمال الشعبيّ، عبر الالتفاف الصارخ على القوانين، قد يتحول الاحتقان الصامت إلى احتجاجات عفويّة واسعة النطاق، تشبه حراك “غيزي بارك” التي بدأت في 28/5/2013، خاصة في الحواضر الكبرى كإسطنبول، وأنقرة، ما يضع المؤسسة الأمنيّة في مواجهةٍ مباشرةٍ مع إرادة الشارع المنفلتة من عقال الخوف.
ويبقى سيناريو “التصويت العقابيّ الصامت”، الأقرب للواقع التكتيكيّ، فقد يبدي الناخبون انصياعاً ظاهريّاً لقوالب النظام مع الانتظار خلف الستائر في محطة 2028، لتوجيه صفعة جماعيّة مدوية للتحالف الحاكم، تفوق ما حدث في انتخابات البلديات 2019، شرط نجاحِ قوى المعارضة بالحفاظ على حدّ أدنى من التماسك وتقديم قيادة مرنة تحتوي هذا الغضب، وتؤطره سياسيّاً دون الانزلاق للمواجهة الأمنيّة المدمرة.
نموذج سرير بروكرست، لا ينحصر في الحالة التركيّة، بل يمثل الفلسفة الحاكمة لسياسات معظم دول العالم، التي تتفاوت فقط في منسوب بتر الأوصال لفرض قوالبها السلطويّة، ويبرز المشهد التركيّ مع إصرار على إعادة ترشيح أردوغان لولاية ثالثة، وبقائه في هرم السلطة رئيساً للحكومة ثم للدولة، على مدى ربع قرن كامل، مع تطلع معلن لإضافة خمس سنوات أخرى.
وهو ما يكرّس حكماً أوتوقراطيّاً شديد المركزيّة، تتقلص فيه خياراتُ تداولِ السلطة، لتصبحَ صناديق الاقتراع مجرد احتفاليّة دوريّة لتمديد الصلاحيّة، في مفارقة صارخة تفضح زيفَ الشعارات المرفوعة، التي طالما زعمت دعم تطلعات الشعوب العربيّة، لإسقاط أنظمتها الاستبداديّة، وتكتملُ فصول هذه المفارقة بالدورِ الأمريكيّ الحاسم في كواليس السلطة؛ فالشعبُ التركيّ، والمنظومة السياسيّة يعوّلون إجمالاً على موقف واشنطن، وعندما تواصل الإدارة الأمريكيّة، دعمَ أردوغان والتعامل معه، فإنّها تخلق انطباعاً راسخاً في المزاج العام بقوةِ أردوغان وحتميّةِ بقائه؛ فواشنطن عاصمة براغماتيّة، لا تدعم طرفاً ضعيفاً، بل القوة والسيطرة الفعليّة هما معيار الدعم الأمريكيّ الحقيقيّ.
من الثابت، أنّ واشنطن عندما تمنح الضوءَ الأخضر لطرفٍ، فهي لا تقصدُ تغيير الوجوه، بل تغيير جوهرَ السياسات، وهي تنظر إلى أنقرة بالعين الأطلسيّة، وعندما يغيّر المهندس الخارجيّ الخطوط، ستكون المؤسسات الصلبة (الجيش والاستخبارات)، أول من يعيد صياغتهم، تماشياً مع خارطة القوة المستقبليّة، وواشنطن ليست بصدد تغييرٍ في أنقرة حالياً، وبالتالي سيواصل حزب العدالة والتنمية لعبته الانتخابيّة، والتي لن يكون ميدانها الأساسي مراكز الاقتراع، وآلية التصويت الشكليّة، بل يقوم جوهرها وخلاصتها العميقة على قيادة الرأي العام، الضغط السياسيّ والإعلاميّ، والتحكم بالوضع الأمنيّ.
تركيا بلد المفارقات، ففيما تتهرب سلطات الاستبداد بالعالم من الانتخابات، لأنّها قد تفضي إلى نهايتها، يبرز أردوغان كحالةٍ استثنائيّة، لأن الانتخابات هي لعبته ومحطة تجديد الصلاحية.