الأب ليس مجرد شخص في حياتنا، بل هو ظلٌّ نستند إليه، وسندٌ نحتمي به، ونعمةٌ عظيمة قد لا يعرف الإنسان قدرها إلا بعد فقدها، فلا ترفعوا أصواتكم عليهم، ولا تجعلوا كلمة عابرة تُطفئ في قلوبهم فرحةً كانوا ينتظرونها منكم.
وتذكّروا أن ليس كل ما تسمعونه عن آبائكم هو الحقيقة، وليس كل ما يُنقل إليكم يعكس القصة كاملة، فلا تجعلوا حكمًا متسرعًا أو حديثًا عابرًا سببًا لعقوق من أفنى عمره في رعايتكم، وحمل همّكم قبل همّه.
قد يخطئ الأب في التعبير، وقد لا يُحسن أحيانًا إظهار مشاعره، لكنه يبقى الأب ذلك القلب الذي أحبكم بطريقته، وسعى لأجلكم بما استطاع، فكونوا منصفين، واحفظوا له مقامه، فبرّ الوالدين ليس مجاملة، بل عبادة ووفاء وأخلاق.
قال الله تعالى: “وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا”.
سيأتي يومٌ تفقد فيه أباك، يومٌ تدخل فيه البيت فلا تسمع صوته، ولا ترى مكانه الذي اعتدت أن تجده فيه، وستقف أمام أشياء بسيطة كانت حولك دون أن تنتبه لها كرسيّه، ثوبه، مسبحته، وصورته المعلّقة على جدار المنزل.
تلك الصورة التي تبقى صامتة، لكن ملامحها تحمل ألف حكاية، وتبقى ابتسامته ولمعان عينيه كأنهما يقولان لك: “كان بودّي أن أقدّم لك الأكثر لكن هذا ما استطعت، وهذا ما قدرت عليه، فقد أعطيتك من عمري وتعبـي ودعائي ومحبة قلبي كل ما أملك”.
عندها ستدرك أن أعظم النعم كانت تلك التفاصيل الصغيرة التي عشتها كل يوم، وأن وجوده الذي اعتدته كان في الحقيقة أمانًا لا يُقدّر بثمن. سيأتي يومٌ تتمنى فيه لو عاد بك الزمن لحظة واحدة، لتجلس بجانبه أكثر، لتقبّل يده، ولتقول له: “جزاك الله عني خيرًا يا أبي”.
لكن بعض اللحظات إذا رحلت لا تعود، فلا تنتظروا الفقد حتى تعرفوا قيمة آبائكم، ولا تجعلوا الندم يأتي بعد فوات الأوان فوجود الأب أمان، ودعاؤه بركة، ورضاه باب من أبواب الخير.
أما أنا فما زلت أحتفظ بحذاء أبي، نعم، حذاء أبي الذي قد يراه البعض شيئًا بسيطًا، لكنه عندي يحمل عمرًا من الذكريات، كلما رأيته عاد بي الزمن إلى ذلك الطفل الصغير الذي كان يطمئن قلبه عندما يرى حذاء أبيه على عتبة الباب، كان ذلك يعني أن الأمان قد عاد، وأن البيت ما زال بخير.
فيا مَنْ ما زال أبوه على قيد الحياة لا تؤجلوا البر، ولا تبخلوا بالكلمة الطيبة والقبلة والاهتمام، فهناك من يتمنى اليوم أن يسمع صوت أبيه مرة واحدة، أو يرى أثر خطواته عند باب البيت.
اتقوا الله في آبائكم…
فبعض النعم لا نشعر بعظمتها إلا عندما تصبح ذكرى.