مركز الأخبار –لم تعد معاناة نساء غزة تُختزل في أرقام الضحايا، بل في تفاصيل حياة يومية تتآكل تحت وطأة الحرب، من البحث عن الطعام والماء إلى الحمل والولادة والنزوح وفقدان المعيل. شهادات النساء وتقارير الأمم المتحدة تكشف وجهاً آخر للمأساة، حيث تتحول مسؤولية البقاء إلى معركة يومية.
بين أرقام القتلى والجرحى التي تتصدر نشرات الأخبار، تختبئ حكايات لا تقل قسوة، ترويها نساء غزة اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة حرب لا تستهدف الأرواح فقط، بل تفاصيل الحياة اليومية. فبين الخيام ومراكز الإيواء، أصبحت المرأة الفلسطينية تحمل أعباء الأسرة كاملة، وتواجه الجوع والنزوح وانهيار الخدمات الصحية، بينما تكافح لحماية أطفالها والحفاظ على ما تبقى من كرامة الأسرة. وتكشف شهادات ميدانية وتقارير حقوقية وأممية أن النساء أصبحن في قلب الأزمة الإنسانية التي يعيشها القطاع، حيث لم تعد الحرب تُقاس بعدد الضحايا فقط، بل بقدرة النساء على الاستمرار في الحياة وسط ظروف غير مسبوقة من الدمار والانهيار.
شهادات النساء… رواية لا تنقلها الأرقام
تؤكد الباحثة الميدانية في منظمة “بتسيلم” “ألفت الكرد” في مقالتها لصحيفة غارديان البريطانية أن فهم ما يجري في قطاع غزة لا يكتمل عبر الإحصاءات وحدها، وإنما من خلال الاستماع إلى النساء اللواتي يعشن تفاصيل الحرب يوماً بيوم. ألفت، التي فقدت والدها وشقيقها وزوجته وابنتهما، ودُمّر منزلها في حي الشجاعية، واضطرت للنزوح ست مرات قبل مغادرتها القطاع إلى مصر في نيسان 2024، ترى أن قصتها ليست استثناءً، بل نموذجاً لما تعيشه آلاف النساء.
وتشير إلى أن النساء لا يمثلن مجرد فئة إضافية من الضحايا، بل إن استهداف حياتهن اليومية يعني استهداف قدرة المجتمع الفلسطيني على البقاء، لأنهن المسؤولات عن رعاية الأطفال، وتأمين الغذاء، والحفاظ على الأسرة في أصعب الظروف.
ومن بين الشهادات التي وثقتها، قصة صفاء الفرماوي التي فقدت ابنتها غزل (15 عاماً) أثناء توجهها للحصول على مساعدات غذائية في رفح، في مشهد يعكس كيف تحولت رحلة البحث عن الطعام إلى خطر يهدد الحياة.
انهيار الخدمات الصحية
لم تقتصر آثار الحرب على القصف والدمار، بل امتدت إلى انهيار شبه كامل للقطاع الصحي، ما جعل الحمل والولادة والرضاعة تحديات يومية تواجهها النساء في غزة.
وتوضح شهادات النساء أن كثيراً من الحوامل لم يعد بإمكانهن إجراء الفحوص الطبية الدورية أو الحصول على الرعاية اللازمة، بينما أدى نقص الغذاء والفيتامينات إلى تدهور صحة الأمهات، وانخفاض القدرة على الرضاعة الطبيعية، في وقت أصبح فيه حليب الأطفال من السلع النادرة.
كما تعاني النساء من نقص المياه النظيفة ومواد النظافة الشخصية، إلى جانب انعدام الخصوصية داخل مراكز الإيواء والخيام، وهو ما يفاقم الأعباء الصحية والنفسية، خاصة للحوامل والمرضعات.
ويرى مختصون أن هذه الظروف لا تهدد النساء فقط، بل تؤثر على مستقبل الأطفال والأجيال المقبلة، لأن سوء التغذية وغياب الرعاية الصحية يتركان آثاراً طويلة الأمد على صحة الأمهات والمواليد.
وفي الوقت نفسه، تحولت المهام اليومية البسيطة، مثل إعداد الطعام أو الحصول على المياه أو إشعال النار للطهو، إلى معارك تستنزف النساء جسدياً ونفسياً، في ظل شح الوقود وارتفاع أسعار المواد الأساسية.
أرقام أممية تكشف حجم الكارثة الإنسانية
تعزز الإحصاءات الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة حجم المأساة التي تعيشها النساء والفتيات في قطاع غزة. فبحسب تقرير الهيئة الصادر في 17 نيسان 2026، قُتلت أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة حتى نهاية عام 2025، من بينهن 22 ألف امرأة و16 ألف فتاة منذ تشرين الأول 2023، بمعدل يقارب 47 امرأة يومياً.
وأشار التقرير إلى إصابة نحو 11 ألف امرأة وفتاة بإعاقات دائمة نتيجة العمليات العسكرية، مع توقعات بأن تكون الأعداد الفعلية أعلى بسبب وجود جثامين تحت الأنقاض، إضافة إلى تعطل أنظمة توثيق الوفيات والإصابات.
وأكدت رئيسة قسم العمل الإنساني في هيئة الأمم المتحدة للمرأة، صوفيا كالتورب، أن الضحايا “أكثر من مجرد أرقام”، فلكل واحدة منهن حياة وأسرة وأحلام انتهت بفعل الحرب.
كما أوضح التقرير أن الحرب أعادت تشكيل بنية الأسر الفلسطينية، إذ أصبحت آلاف النساء يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن بعد فقدان الأزواج، في ظل غياب مصادر الدخل والخدمات الأساسية.
ودعت الهيئة إلى الالتزام بوقف إطلاق النار، واحترام القانون الدولي الإنساني، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، مع وضع النساء والفتيات في صميم جهود الإغاثة وإعادة الإعمار.
الأرامل ومعيلات الأسر… كفاح يومي للبقاء
لم تتوقف معاناة النساء عند فقدان الأحبة، بل امتدت إلى تحمل مسؤولية إعالة الأسرة في ظل انهيار الاقتصاد وارتفاع معدلات البطالة والفقر. وتجسد ذلك من خلال القصص التي نشرها المواقع والوكالات المتابعة لوضع النساء في غزة، كقصة “نغين بن عيسى” التي نشرها صفحة أخبار الأمم المتحدة، “نغين” إذ اضطرت إلى العودة للعمل في إصلاح الملابس باستخدام ماكينة خياطة قديمة بعد توقف المساعدات الاجتماعية التي كانت تعتمد عليها أسرتها.
وتقول إن أسعار أدوات الخياطة ارتفعت بشكل كبير؛ فالمقص الذي كان يباع بخمسة شواكل أصبح سعره 15 شيكلاً، كما ارتفعت أسعار الخيوط والأقمشة عدة أضعاف، الأمر الذي زاد من صعوبة الاستمرار في العمل.
وفي خان يونس، تعمل “جود كوارع” في بيع الملابس الجاهزة بعد أن فقدت زوجها ووالديها خلال الحرب، لتصبح المعيل الوحيد لأطفالها. وتبدأ يومها منذ ساعات الصباح الأولى وحتى المساء، قبل أن تعود لإعداد الطعام والخبز وغسل الملابس، دون أن تجد وقتاً للراحة.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى ارتفاع عدد الأرامل إلى 22 ألفاً و57 امرأة، كما ارتفعت نسبة الأسر التي تعيلها نساء من 12% قبل الحرب إلى نحو 18% بنهاية عام 2025.
وتقدّر هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن أسرة واحدة من كل سبع أسر في قطاع غزة أصبحت تعيلها امرأة، أي ما يزيد على 16 ألف امرأة فقدن أزواجهن وأصبحن المسؤولات عن اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالغذاء والمأوى والتعليم والصحة في ظل ظروف استثنائية.
ولا تقتصر الأعباء على توفير الدخل، إذ تقضي النساء ساعات طويلة في طوابير المياه والمساعدات الإنسانية، ويواجهن تحديات يومية لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرهن، وسط استمرار النزوح وغياب الخدمات الأساسية.
تكشف شهادات نساء غزة وتقارير المؤسسات الحقوقية والأممية أن الحرب لم تقتصر على تدمير المباني والبنية التحتية، بل طالت النسيج الاجتماعي للأسرة الفلسطينية، وجعلت النساء في مقدمة من يتحملن أعباء البقاء. وبين أرقام الضحايا التي تعكس حجم الخسائر، تبقى القصص الإنسانية شاهداً على واقع أكثر تعقيداً، حيث تتحول تفاصيل الحياة اليومية، من إعداد الطعام إلى رعاية الأطفال والبحث عن المياه، إلى معارك لا تقل قسوة عن مشاهد القصف.
ومع استمرار الأزمة، تتزايد الدعوات الدولية لضمان حماية النساء، وتوفير المساعدات الإنسانية، واحترام القانون الدولي، باعتبار أن إنقاذ حياة النساء في غزة يعني أيضاً حماية مستقبل آلاف الأسر الفلسطينية التي تعتمد عليهن في مواجهة واحدة من أشد الأزمات الإنسانية في العصر الحديث.