تكشفُ قراءة المشهد الاقتصاديّ في سوريا إنّ الأزمة ليست سلسلة من الاضطرابات المؤقتة، بل أزمة بنيويّة تمتد إلى عمقِ السياسات والمؤسسات والإنتاج والعملة، ولا يمكن للاقتصادِ أن يتعافى بقرارات مجتزأة لا ترتبط برؤية موحّدة. بل المطلوب إعادة تأسيس اقتصاديّة شاملة تمنح الليرة الاستقرار، وتعيد للإنتاج دوره، وتوازن بين الدخل والأسعار، وتبني بيئة أعمال مستقرة لضمان بداية خروج حقيقيّ من الأزمة.
على مدى سنوات كانتِ القرارات الاقتصاديّة تصدر بمنطق “المعالجة اللحظيّة” لا التخطيط طويل الأجل، ما يفاقم الأزمة، فالقرارات الرقابيّة المشددة تفقد فعاليتها لأنّها لا تعالج أسباب التضخم الحقيقيّة، وعند تراجعِ الإنتاج تُطرح مبادراتٌ لدعم الصناعيّين تفتقر للتمويل والآليات، وحين تتراجع القدرة الشرائيّة، تُرفع الرواتب فتتحول لتضخمٍ جديد لغياب الإنتاج وضعف العملة، وهذه المعالجات الجزئيّة بلا رؤية متكاملة تصب في اتجاه واحد: استمرار الأزمة وتعميقها.
يقوم هذا النموذج المختل على الاعتماد على الاستيراد، وغياب التوازن بين السياسات الماليّة والنقديّة، وفي الوقت الذي تُرفع فيه التكاليف والضرائب على الصناعيين والمستوردين دون تسهيلاتٍ لتمكينهم من الاستمرار في العمل، وتُفرض رقابة على الأسعار دون أدوات لخفض التكلفة، تتحول السوق إلى ساحة صراع بين الدولة والتاجر ويغيب الإنتاج الحقيقيّ.
ويُفقِد التغيرُ السريع للقرارات الاقتصاديّة السوقَ القدرة على التنبؤ؛ فالتاجر المستورد يحتاج إلى خطة لأشهر، فيما تغير القرارات الجمركيّة أو الضريبيّة خلال أيام يجعل الاستيراد مغامرة غير محسوبة، والصناعيّ الذي يحتاج لاستقرار أسعارِ الطاقة والمواد الأوليّة يواجهُ بيئةً متقلبة تجعله عاجزاً عن اتخاذ قرارٍ استثماريّ جديد.
ويتسبب ضعف التنسيق المؤسسيّ بفجواتٍ إضافيّة؛ إذ تصدر جهة قراراً لخفض الأسعار، بينما ترفع أخرى التكاليف، وتدعو الوزارة لدعم الإنتاج، وتفرض أخرى رسوماً على المواد الأوليّة، وهذا التناقض يثقل كاهل الاقتصاد ويخلق بيئة طاردة للاستثمار.
وتعتمد السياسات النقديّة على أدوات تقليديّة لا تستوعب طبيعة الأزمة؛ فالتضخم الحالي هو تضخم “تكلفة” ناتج عن الاستيراد وتراجع الليرة، وليس تضخم “طلب”. لذلك، فإنّ زيادة الفائدة أو تشديد السيولة لن يوقف الأسعار لأنّه لا يعالج شروط الإنتاج ولا يخفف الطلب على الدولار، بل يسبب انكماشاً عبر إضعاف قدرة الشركات على الاقتراض.
وتتجسد ذروة الخلل في السياسات الاقتصاديّة عندما تقرُّ الحكومة زيادةَ بالرواتب والأجور دون تحسين معدلات الإنتاج المحليّ، بل يتزامن ذلك مع رفع أسعار حوامل الطاقة والسلع الاستراتيجيّة كالمازوت والكهرباء والخبز، ومع التخلي التدريجيّ عن الدعم الصحيّ وخصخصة القطاع الطبيّ.
هذا المزيج الإجرائيّ يفرز دورة تضخميّة قياسيّة ومعاكسة؛ لأنّ ضخَّ كتل نقديّة جديدة في سوقٍ تعاني من ندرة السلع يجعل الزيادةَ مجرد تضخم نقديّ سريع، ويؤدي رفع أسعار المحروقات والكهرباء إلى قفزةٍ فوريّة في كلف التشغيل والنقل بكافة القطاعات، ويبادر التجار إلى تسعير تحوطيّ استباقيّ يلتهم القوة الشرائيّة للراتب الجديد قبل صرفه فعليّاً، بينما يستنزف عبء الفواتير الطبيّة المستحدثة ما تبقى من الدخل، لتتحول زيادة الدخل الاسميّ من أداةٍ لتحسين المعيشة إلى وقودٍ إضافيّ يغذّي حلقة الركود التضخميّ ويعمّق الفقر.
يتطلب تجاوز هذا الواقع رؤية اقتصاديّة جديدة تقوم على إصلاح حقيقيّ للبيئة التشريعيّة، وربط السياسات الماليّة والنقديّة برؤيةٍ إنتاجيّة واضحة، وإعادة هيكلة القطاع المصرفيّ، وتبسيط عملية اتخاذ القرار، وتثبيت التشريعات، ويتطلب تجاوز هذا الواقع إصلاحاً للبيئة التشريعيّة، وربط السياسات الماليّة والنقديّة برؤية إنتاجيّة، وإعادة هيكلة القطاع المصرفيّ، وتثبيت القوانين، ودون هذا التحول الجذريّ ستظل القرارات الجزئيّة محاولات لإدارة أزمة لا لحلّها.
اقتصاد التكاليف واقتصاد التوقعات
شهدتِ الأسعار ارتفاعاتٍ تجاوزتِ المنطق الاقتصاديّ، ولم يعد السعرُ يعكس التكلفة الفعليّة للسلعة، بل تحوّلتِ السوق السوريّة إلى “اقتصاد التوقعات”، حيث يلعب العامل النفسيّ والمضاربات دوراً أكبر من التكلفة الحقيقيّة؛ فالتاجر يسعّر وفق ما يتوقع أن يدفعه بالمرة القادمة عند إعادة التخزين (التسعير التحوطيّ)، وتحوّل هذا السلوك إلى عُرف تجاريّ راسخٍ عمّق موجات التضخم بشكل متسارع، حتى عندما يبقى سعر الصرف مستقراً أو لا تتغيّر تكاليف النقل أو الطاقة أو الجمارك، ليدفع المواطن ثمنَ توقعات الآخرين، لا ثمن السلعة نفسها.
إضافةً للتوقعات يبرز عاملُ الندرة؛ فالعديد من السلع تصل إلى الأسواق بكمياتٍ أقل مما تحتاجه فعليّاً بسبب ضعف الإنتاج المحليّ أو صعوبات الاستيراد، وعندما تقلّ الكميات يرتفع الطلب وتصعد الأسعار تلقائيّاً، ويستغل بعض التجار هذه الفجوة لتخزين البضائع وطرحها بأسعار أعلى مع غياب الرقابة الفعّالة على المخازن، ليتحول عدم توفر السلع من مشكلةٍ اقتصاديّة إلى فرصة احتكاريّة.
ويلعب الاحتكار القطاعيّ دوراً مركزيّاً، فيسيطر عددٌ محدود من المستوردين أو المنتجين على قطاعات حيويّة كالمواد الغذائيّة والأدوية والمنظفات والمواد الإنشائيّة؛ وفي غياب المنافسة الحقيقيّة يصبح السعر انعكاساً لجشع القلة، ويكفي أن يطلق أحدهم موجةً جديدة ليقوم الآخرون بركوبها والتحكم بالأسعار.
بالنتيجة يؤدي ضعفُ دخل المواطن لخلق ظاهرة معاكسة للتوقع، كلما انخفضت قدرته الشرائيّة ارتفعتِ الأسعار، لأنّ تراجعَ الطلب لا يؤدي إلى انخفاض الأسعار، بل إلى تقليصِ الاستيراد والإنتاج، وبالتالي رفع الأسعار لتغطية التكاليف على عددٍ أقل من المبيعات، وتزداد الفجوة بين الدخل والتكلفة؛ فالسوقُ لا تعمل وفق اقتصاد منتظم، بل وفق اقتصادٍ مضطربٍ تقوده التوقعات والاحتكار وسوء الإدارة.
ضعف الإنتاج المحليّ
لا يمكن لأيّ سوقٍ أن تستقر أسعارها إذا كان إنتاجها المحليّ ضعيفاً، والاقتصاد اليوم يعمل بقاعدة إنتاجيّة متآكلة تترك السوق خاضعة لتقلبات الخارج وتكاليف الاستيراد؛ فالمصانع والمنشآت تعملُ بطاقة لا تتجاوز 20% إلى 40% في معظم القطاعات نتيجة الارتفاع غير المسبوق في تكلفة التشغيل (المحروقات والكهرباء)، ما يرفع كلفَ المواد الأوليّة والنقل والتسويق ويجعل المنتجَ المحليّ غير قادر على منافسة المستورد.
هذا التراجع أجبر منشآتٍ كثيرة على التوقف أو خفض طاقاتها أو التحول لأعمالٍ تجاريّة، لتتسع الفجوة بين العرض والطلب، والمستوردُ يمر برحلةٍ مكلفة تشمل الشراء بالدولار، الشحن بأسعار مرتفعة، التخليص، ورسوم العبور والتخزين، وهي تكاليف تُحمل على السعر النهائيّ، والأسوأ أنّ الصناعيّ المحليّ نفسه حين يعتمد على موادٍ مستوردة يضطر أيضاً لرفع الأسعار، ليصبحَ المستورد هو المتحكم بالسلع الأجنبيّة والمحليّة معاً.
ويتعمّق الخللُ مع تراجع الإنتاج الزراعيّ المفترض أن يحمي الغذاء، فالجفاف ونقص الوقود وغلاء الأسمدة والمياه عواملٌ دفعت المزارعين لتقليص الإنتاج، وبانخفاض معروض الخضر والفواكه والحبوب ترتفع الأسعار ويقوى الاحتكار، وتتحول الموادُ الأساسيّة لسلع مرتفعة الثمن في بلد كان يوماً مكتفياً منها.
ويؤدي ضعفُ الإنتاج المحليّ إلى ظاهرةٍ خطيرة: الأسعار لا تنخفض حتى لو انخفض الدولار، لأنّ التاجر يسعّر وفق الندرة وضعف المنافسة وارتفاع المخاطر، لتصبح موجاتُ الغلاء طريقاً باتجاه واحدٍ يصعد ولا يهبط، وهي ظاهرة لن تُكسر إلا بتعزيز الإنتاج المحليّ وإعادة إطلاق عجلة الصناعة والزراعة؛ فالسوقُ التي لا تنتج تظل رهينة المستورد، وبالتالي رهينة الدولار والتضخم، ولا تنجح أيّ سياسة ضبط ما لم يكنِ الإنتاج المحليّ قوياً قادراً على توفير البديل وخلق منافسة حقيقيّة.
كما يبرز تحدي ضعف سلاسل التوريد، ويصبح تأمين المواد الأوليّة عملية معقّدة تستنزف الوقت والمال، وبخاصةٍ عند الاستيراد بالدولار، ومع الانخفاض المستمر لقيمة الليرة تفقد المصانعُ القدرةَ على تثبيت الأسعار لشراء المدخلات بسعر صرف متقلب خلال الشهر الواحد. والصناعات المعتمدة على مواد محليّة كالنسيج والغذاء، تعاني أيضاً من ضعف الإنتاج الزراعيّ وتراجع المساحات المزروعة، لتتشكل حلقة مغلقة من الضعف الزراعيّ والصناعيّ معاً تجعل خفض الأسعار أمراً شبه مستحيل.
ويضاف إلى ذلك البيئة الإداريّة والضريبيّة المعقدة برسوم متعددة وإجراءات روتينيّة تستنزفُ الجهدَ وتخلق حالة من عدم اليقين تمنع التخطيطَ طويل الأجل، مما أدى إلى تراجع الاستثمار الصناعيّ الحاد وتفضيل الكثيرين للمتاجرة والأنشطة سريعة الربح وقليلة المخاطر، ومع تقلص الاستثمار تتقلص القدرة الإنتاجيّة وتتحول السوق إلى ساحة للمستوردات المتأثرة بالدولار، ما يعمّق التضخم ويزيد هشاشة الليرة.
وتتفاقم الأزمة بتراجع الطلب المحليّ؛ فتعجز الأسر عن شراء كفايتها من السلع، ما يؤدي إلى تكدس البضائع وانخفاض المبيعات، لتضطر المصانع إلى تقليص العمالة أو إغلاق خطوط الإنتاج، ومع خسارة الوظائف ينخفض الدخل ويتراجع الطلب مجدداً ليدخل الاقتصاد في دورة انكماش ذاتية لا تنتهي دون تدخل الدولة بإصلاحات جذريّة.
ولا يمكن تجاهل أثر هجرة الكفاءات والمهارات الصناعيّة، إذ غادر آلاف الفنيين والمهندسين والعمال المهرة بحثاً عن فرص خارجيّة، ما أحدث فراغاً في القدرات التقنيّة للمنشآت يرفع تكلفة التدريب ويقلل فرص التحديث التكنولوجيّ. ويتطلب إنقاذ الإنتاج سياسة وطنيّة تشمل: خفض تكاليف الطاقة، تبسيط الإجراءات، تقديم قروض إنتاجية حقيقيّة، دعم الزراعة، وتوفير بيئة قانونيّة مستقرة، ودون ذلك ستبقى الصناعة تعمل في الظل، ويظل المستورد هو المتحكم الأول بالأسعار والدخل والمعيشة.
جمود القطاع المصرفيّ وضعف التمويل
يشكل القطاع المصرفيّ في أيّ اقتصاد القلب الذي يضخُّ التمويلَ في شرايين الاستثمار والإنتاج والاستهلاك. وهذا القلب في الحالة السوريّة شبه متوقف ينبض في حدودِ ما يكفي لإبقاء المصارف واقفة، وليس لإنعاش الاقتصاد؛ فالمصارف العاملة العامة والخاصة تعمل اليوم وفق استراتيجيّةٍ دفاعيّة هدفها تجنب الخسائر وليس خلق القيمة، بسبب الانهيار المستمر لقيمة الليرة، وتدهور قدرتها على تقييم المخاطر، وغياب أدوات التحوط، وتقلص ثقة المودعين.
لن يقدم القطاع المصرفيّ القروضَ بشكلٍ فعّال، في بيئةٍ يفقدُ فيها أيّ قرض يُمنحه بالليرة جزءاً كبيراً من قيمته في غضون أسابيع، ولا توفر البيئة القانونيّة ضمانات كافية لاسترداد الديون، في ظل تعثر المنشآت الصناعيّة والزراعيّة بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، ما يدفعُ المصارف لتبني سياسة “تجميد التمويل”، إذ يصبح الاحتفاظ بالسيولة أكثر أماناً من ضخّها في اقتصادٍ مضطربٍ.
ويعاني النظام المصرفيّ من غياب أدوات تمويل حديثة كالقروض التنمويّة طويلة الأجل، وصناديق الاستثمار الإنتاجيّ، والنوافذ التقنية للدفع الإلكترونيّ الواسع، وبدون هذه الأدوات تكتفي المصارف بالحد الأدنى من العمليات الروتينيّة التي لا تساهم في تشغيل عجلة الاقتصاد. كما أنّ ضعف الربط المصرفيّ الخارجيّ نتيجة العقوبات وصعوبة التحويلات جعل سوريا شبه معزولة عن النظام الماليّ العالميّ، ما حرم الشركات من التمويل الخارجيّ ومنع المصارف المحليّة من بناء خطوط ائتمان، فتزايد الضغط على السيولة المحليّة، وتعمّقت أزمة السيولة بهجرة الودائع المستمرة نحو الدولار والذهب لغياب الثقة.
وبذلك، أصبحت المنشآت الصغيرة والمتوسطة والتي تشكل 90% من بنية الاقتصاد السوريّ، عاجزة عن تمويل رأس المال العامل، أو تحديث معداتها، أو الصمود، ليتحول القطاع المصرفيّ إلى عامل إبطاء للاقتصاد بدل تحفيزه. وبالتالي؛ فإنّ أيّ إصلاحٍ اقتصاديّ دون إصلاح مصرفيّ شامل يغيّر المنظومة التمويليّة ويمكّن من الإقراض وإدارة المخاطر سيكون مجرد عملية تجميل سطحيّة ولن تعيد للإنتاج عافيته ولن تكبح التضخم.
السوق الحر قرار أم ذريعة تهرب..؟
الاندفاع نحو تبني نموذج السوق الحرّة وتحرير الأسعار في بيئةٍ اقتصاديّةٍ تعاني من تشوهات بنيويّة حادّة يمثل مفارقة فكريّة تستدعي التفكيك؛ فبينما يُطرح هذا التحوّل إعلاميّاً بوصفه قراراً عقلانيّاً يستهدف كفاءة توزيع الموارد وتنشيط حركة التجارة، بناءً على قوى العرض والطلب، تكشف قراءة آليات التطبيق عن استراتيجيّةٍ واضحة للتهرب من المسؤوليّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة وتحميل العجز التمويليّ على كاهل المستهلك.
ولا يعكس تخلّي المؤسسات عن دورها الحمائيّ وتثبيت أسعار السلع السياديّة والمواد التموينيّة وتحويلها إلى قنوات ربحيّة إيماناً بنظريات الرأسماليّة، بل يمثل مخرجاً سياسيّاً للتغطية على غياب الرؤية الاستراتيجيّة الشاملة وعجز الخزينة عن تأمين السيولة اللازمة لاستيراد حوامل الطاقة والقمح.
وفي هذا المناخ المأزوم، تُوظّف مبادئ السوق الحرة وفي مقدمتها معادلة الوفرة والندرة كغطاء لإعفاء الإدارة الماليّة من المحاسبة، وتُلقى لائمة القفزات التضخميّة واختفاء المواد باستمرار على تقلبات الكلف العالميّة والوسطاء ومصاريف الشحن، ما يحوّل دورَ الدولة من منظم ومسؤول عن حماية القوة الشرائيّة إلى مجرد مراقب حسابيّ محايد لظروف يفرضها السوق.
وما يكرس عقم هذا التحول هو غياب الأرضيّة الأساسيّة التي تشترطها كفاءة الأسواق، والمتمثلة بالتنافسيّة الشاملة وقوانين منع الاحتكار الصارمة وتقديم حوافز للإنتاج المحليّ؛ إذ إنّ غياب الروابط الرقابيّة والإنتاجيّة يجهض مبدأ التنظيم الذاتيّ للسوق، ويقود الدورة الاقتصاديّة إلى نمط احتكاريّ تسيطر فيه فئاتٌ ضيّقة وواجهاتٌ ماليّةٌ محددةٌ على مفاصل السلع الأساسيّة والمحروقات، مستغلة تحرير الأسعار لتعطيل التوريد أو التحكم بالمعروض لتحقيق هوامش ربح خياليّة تحت عباءة اقتصادات السوق الحرة.
إنّ كلّ الإجراءات الاقتصاديّة التي لا تجعلُ زيادةَ الإنتاج الوطنيّ هدفاً لن تنجح في حل الأزمة الاقتصاديّة والماليّة، ولن تعيد للعملة الوطنيّة اعتبارها وقيمتها الشرائيّة، وبالتالي ستبقى عاجزة عن تحسين الوضع المعيشيّ والخدميّ أو دعم الخزينة العامة بالتدفق الماليّ المستدام؛ ولذلك فإنّ الإصلاح الاقتصاديّ الحقيقيّ يبدأ حتماً من تشخيص عوائق الإنتاج وتجاوزها.
والتأخر في إطلاق عجلة الإنتاج المحليّ سيؤدي إلى تراكم السلبيات؛ ويمنع حلّ مشكلة البطالة المتفاقمة لغياب فرص العمل الجديدة، ويُثبط مساعي عودة اللاجئين لعدم توفر بيئة اقتصاديّة مستقرة، فضلاً عن عرقلة مسار إعادة الإعمار نتيجة الضعف الحاد في مصادر التمويل الذاتيّة والسياديّة.