بدرخان نوري
شهد الشهر الحالي متغيّراً تمثل بكسر قطار الغضب السوريّ القضبان الافتراضية، فلم يعد وسم “محاسبة الشبيحة” مجرد شعار سياسيّ عابر في الفضاء الأزرق، بل تحول فجأة إلى تسونامي من الاحتقان الأهليّ العارم، اجتاح الشارع والمنصات، وتحولت شاشات الهواتف خلال ساعات إلى محاكم تفتيش مفتوحة الهواء، تتوالد فيها وقائع الاتهام بسرعة جنونيّة متجاوزة كوابح التحقق الجنائيّ، ومع كلّ إعادة نشر، كان قطار المحاسبة يبتعد خطوة عن مساره القانونيّ، منحرفاً صَوْب منحدر يربط المتهم ببيئته الاجتماعيّة وانتمائه الطائفيّ وينذر بعواقب دمويّة.
الجمهور لا يبدأ من الصفر
انطوى شعار “محاسبة الشبيحة” طاقة سياسيّة وأخلاقية هائلة؛ فكلمة “محاسبة” تستدعي القانون، ومصطلح “الشبيحة” تستحضر ذاكرة الحرب، والنتيجة صيغة مختصرة تصلح للوسوم والتعليقات، وتأتي خطورة المشهد من قابليته للتمدد، فمن دلالة جنائيّة تحدد الأفراد المتورطين، اتسع المصطلح ليشمل مناطق وعائلات وطوائف برمتها، مغيّراً مسار الخطابِ من مسؤوليّة فرديّة إلى فرز اجتماعيّ طائفيّ وفئويّ يُحمّل الجماعة وزر جرائم الأفراد.
هنا تفقد المحاسبة معناها القانونيّ؛ وتتحول الهوية أو المنطقة إلى قرائن اتهام، وتتراجع الوقائع أمام السطوة الطاغية للصور النمطيّة، ويصبح التداول الرقميّ عقوبة رمزيّة تمهّد لتهديدات اجتماعيّة وميدانيّة أوسع، واعتمدت موجة حزيران على تراكم سابق في الوعي الرقميّ؛ فالتحريض لا يختفي بل يبقى كامناً في اللغة المتداولة، ليعودَ عند كلّ حدثٍ بصيغ أكثر حدّة.
ومع تكرار هذه الدورات، يتحول القاموس السياسيّ المرتبط بالحقوق والمحاسبة إلى قاموس أهليّ ومذهبيّ يختصر التعقيد القضائيّ ومسار العدالة الانتقاليّة في تصنيفات واسعة تمنح الاتهام الجماعيّ قابلية أسرع للانتشار. وهذه الذاكرة الرقميّة النشطة تعنيّ أن الجمهور لا يبدأ من الصفر، بل يدخل النقاش محملاً بسرديات ومخاوف مسبقة مخزنة في وعيه، ويكفي حدثٌ واحد لإعادة تشغيل حزم كاملة من الاتهامات.
وكلما ارتفع الغضب، قدم الخطاب الطائفيّ تفصيلاً مريحاً: هناك جماعة مذنبة بالمطلق وأخرى ضحية، وهذا التبسيط يفتح باباً واسعاً للفوضى؛ فالتاريخ السوريّ المعاصر أكثر تعقيداً من هذه الثنائية الساذجة، والانتهاكات ظاهرة مرتبطة بظروف سياسيّة، لكنّ الخطاب الطائفيّ يصادر هذا التعقيد ويحوّل الانتماء العائليّ والمناطقيّ إلى لائحة اتهام جاهزة للتنفيذ.
هندسة الغضب وتوجيه السلوك
تتجاوز المنصات في سوريا وظيفة التعبير التقليديّة إلى إنتاج قابليّة مباشرة للتعبئة الميدانيّة، فما يُتداول رقميّاً يتحول سريعاً إلى ضغط اجتماعيّ أو تحركٍ على الأرض، وبخاصة حين يصاغ بلغة طائفيّة تمنح الغضب هدفاً بشريّاً محدداً. وهذا الخطاب يملك أثراً ماديّاً يتجاوز الشاشة؛ فلا يكتفي بتشكيل الرأي، بل يساهم في توجيه السلوك الجماعيّ وتحديد مسارات حركته الميدانيّة. وكأننا أمام حريق ميدانيّ بشعلة رقميّة.
تزيد الخوارزميات هذا الأثر عبر مكافأة المحتوى الأكثر إثارة للتفاعل، فيتحول الخطاب المشحون إلى مادةٍ قابلة للانتشار السريع. ومع انتقاله بين مستويات مختلفة من الفضاء الرقميّ، يكتسب عناوين أكثر حدّةً وصيغاً أكثر تعبئة، قبل أن يرتد إلى المجال العام بوصفه تعبيراً عن “المزاج الشعبي”. وبهذه الدورة، يصبح التحريض نتاجاً مشتركاً بين بنية المنصات وسلوك المستخدمين، وليس مجرد موقف فرديّ معزول.
عندما يهيمن الخطاب الطائفيّ على ملف العدالة، يتراجع السؤال الأساسيّ حول من ارتكب الانتهاك؟ ويحلّ مكانه سؤال موجه سلفاً عن كيفيّة إدخال الفعل الفرديّ داخل سرديّة تدين طائفة كاملة. ولا يعود النقاش منشغلاً بتحديد المسؤوليّة، بل بإنتاج معنى جماعيّ للجريمة، ليكون الانتماءَ قرينة سياسيّة وأخلاقيّة، بل يجعله أحد أدلة الإدانة.
تعمل هذه الآليّة عبر بناء سرديات متكررة مثل سرديّة “الحاضنة” أو “الولاء الجماعي”، أو “الصمت بوصفه شراكة”، ما يمنح التحريضَ قوة أكبر من الشتيمة المباشرة، لأنّها تقدم الإدانة الجماعيّة في صيغة تفسير سياسيّ واجتماعيّ، وتحوّل الطائفة من جماعة أهليّة متنوعة إلى طرف متهم داخل حكاية جاهزة.
ويصبح الخطر أعمق من التعميم العابر، فالخطابُ لا يوسع دائرة الاشتباه فقط، بل يبني إطاراً تفسيريّاً كاملاً يربط الجريمة بالهوية، ويمنح الجمهور مفاتيح جاهزة لقراءة كلّ حادثةٍ لاحقة بالطريقة نفسها. ومع تكرار ذلك، تتحول العدالة من بحث عن الجناةِ إلى إنتاج ذاكرة انتقاميّة تدين جماعة كاملة باسم المحاسبة، ما يحدث هو تنميط للجلادِ مقابل تنميط الضحية، لتصبح طائفة كاملة من أولياء الدم.
المنابر بوصفها سلطة
لم يعد خطاب الكراهية في سوريا انفعالاً لغويّاً عابراً، بل ممارسة اجتماعيّة وسياسيّة تنتج الوقائع وتُمهّد للعنف بإعطائه غطاءً أخلاقيّاً وجمهوراً ومبرراً. ومثال ذلك خطبة الجمعة التي ألقاها الدكتور علاء الدين السايق في جامع الإيمان (1 أيار 2026)، والتي هاجم فيها شعار “الشعب السوري واحد” واصفاً إياه بـ “أقبح الهتافات”، ومؤكداً استحالة الانسجام الاجتماعي. جاءت الخطبة متخمة بإدانة دينية واجتماعية عبر عبارات حادة مثل: “لسنا كهيئتكم لا في إنسانية ولا في دين” و”العفن النجس” و”دماء الشهداء تلعنكم”.
يكتسب “خطاب النخبة” خطورته من موقع قائله؛ فرجل الدين ينتج معرفة عامة قابلة للتداول ويسبغ عليها شرعية روحية مقدسة، تتحول معها مفردات الفرز الرمزي إلى أدوات لنزع الإنسانية والمواطنة عن الآخر، واختزال الأزمات السياسيّة وبنيوية القمع في صفات بيولوجية منسوبة لطائفة كاملة.
وفق “المربع الأيديولوجي” لعالم اللسانيات “فان دايك” (في كتابه الأيديولوجيا والخطاب)، القائم على إبراز إيجابيات الـ “نحن” وتضخيم مساوئ الـ “هم”، نجد أن هذا الخطاب يقوم برسم حدود الفرز الاجتماعية وتعميم كامل بين الـ”نحن” (ثوار الكرامة والألم) والآخرين لشيطنتهم ويرفض العيش المشترك، وضمن هذا المنطق، يتحول “الصمت” تلقائياً إلى دليل شراكة وتواطؤ؛ وهي حجة خطيرة في مجتمع يعيش ذعراً متجدداً بعد مجازر الساحل والسويداء. فالصمت في بيئة مسلحة في حقيقته يمليه الخوف والعجز عن الكلام، ولكنه تحول إلى إدانة جماعية يختصر السوريين داخل محكمة هوية تفتيشية تجعل الانتماء قرينة اتهام مسبقة.
الفضاء الرقميّ غرفة صدى
شهدت سوريا خلال عامي 2025 و2026 تصاعداً حاداً في خطاب التحريض الطائفيّ عبر الفضاء الرقميّ الذي تحول إلى غرفة صدى تضخّم الكراهية. تقرير “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” حول أحداث الساحل (6ــ10 آذار 2025) وثّق انتشاراً هائلاً للمعلومات المضللة ونظريات المؤامرة، واستخدام مكبرات المساجد كأدوات للتعبئة الميدانيّة وشيطنة الآخر، ما عمّق الانقسام الأهليّ ودفع المشهد إلى مستويات ميدانيّة شديدة الخطورة.
نشرت منظمة سين للسلم الأهلي ــ Seen for Civi Peaceبالتعاون مع “مركز مرونة المعلومات”، في 30/3/2026 بحثاً خلصت فيه عبر تحليل 200 ألف منشور على تلغرام وفيس بوك لحسابات مؤثرة، إلى وجود ترابط سببيّ واضح بين التعبئة الإلكترونيّة وزيادة معدلات العنف الجسديّ على الأرض، مؤكداً أنّ خطاب الكراهية ظاهرة عابرة للاصطفافات السياسيّة وتستخدمها شتى الأطراف كأداة للهيمنة. ووثّق التقرير نمطاً من العنف الرقميّ القائم على النوع الاجتماعي استهدف ناشطات وصحفيات ومدافعات عن حقوق الإنسان. شمل ذلك التشهير الجنسي، تهديدات بالاغتصاب، ترهيب العائلات.
يرتبط هذا التحريض بكلفة ماديّة دامية وثقتها التقارير الدوليّة؛ وأكدت لجنة التحقيق الدوليّة أن أحداث السويداء (تموز 2025) خلفت أكثر من 1700 قتيل و200 ألف نازح، وشهدت إعدامات ميدانيّة وحرقاً للمنازل ترقى لجرائم حرب. كما حذّرت هيومن رايتس ووتش من أنّ تلك الاشتباكات أشعلت مخاطر انتقام طائفيّ ضد الطائفة الدرزيّة في أنحاء البلاد وسط انهيار الثقة العامة.
تثبت هذه المعطيات أنّ الخطاب اللفظيّ يهيئ البيئة الإدراكيّة التي تجعل العنف مفهوماً ومبرراً في وعي الجماهير. فالخطبة السياسيّة لا تقرأ حدثاً معزولاً، بل كحلقة مركزيّة في نظام تداول أوسع؛ تبدأ بخطيب يطلق الصيغة الاتهاميّة، يقتبس منها الجمهور، ثم تعيد صفحات نشرها، فيما الخوارزميات تكافئ الغضبِ بزيادة نسب الوصول، لتتحول خطبة المنبر من وعظ دينيّ إلى آلة تعبئة ماديّة في الميادين، وتترجم بأعمال عنف واعتداء على الممتلكات لتفريغ شحنة الغضب.
حملة “لست شجرة” والعقاب الموازي
تجسّد حملة “لست شجرة” الإلكترونية التي انطلقت أواخر أيار الماضي تحوّلَ التحريضِ الرقميّ إلى ممارسة مادية؛ فالعبارة المستعارة من أدبيات التنمية البشريّة لحثّ الفرد على تغيير مكانه، تحوّرت سوريّاً إلى أمرٍ جماعيّ بالإخلاء موجّهٍ ضد الطائفة العلويّة، تحمل رسالة عنيفة: “غادروا المدن لأنّ وجودكم فيها أصبح موضع اعتراض”. واعتمدت الحملة على هوية بصريّة موحّدة وانتشار متزامن غامض المصدر عبر المنصات، متخفية وراء قناع “المقاطعة الشعبيّة السلميّة” لتمرير استراتيجية عزل وشلّ اقتصاديّ واجتماعيّ في التجارة، والنقل، والسكن، والطبابة؛ بما يُحيل الجماعة البشريّة إلى “جسم غريب” تجب إزالته، متجاهلة أنّ المدن فضاءات وطنيّة مشتركة، وأنّ حقوق المواطنة لا ترتبط بمسقط رأس العائلة.
تزامنتِ الحملة مع تصاعد النقاش حول ملف المعتقلين والمفقودين (كقضية الدكتورة رانيا العباسي وأطفالها)، وبدل المعالجة المؤسسيّة، جرى تسييس المظلوميّة بربط الملف بالهوية الجماعيّة لا بأفعال جنائيّة ارتكبها أفراد. وبذلك انتقل النقاش من ملاحقة الجناة إلى استهداف الملايين بناءً على الاسم، واللهجة، والكنية، مستبدلاً المسؤوليّة الفرديّة بمنطق الاشتباه الجماعيّ؛ لتبذر المنصات شجرة كراهية تُسقى بالأحقاد الرقميّة، قبل أن تُحتطب سريعاً لإيقاد نار العنف الافتراضيّ في الواقع، متمثلاً في مقتل ثمانية أشخاص بأرياف حماة وحمص بدوافع طائفيّة تلت الحملة مباشرة.
يعكس نجاح الحملة فشل السياسات العامة في رصد خطاب الكراهية حازماً. وحين يغيب القانون، ينتقل اختصاص القضاء إلى جمهور رقميّ غاضب ينفذ عقوباته في الشوارع والأسواق، مما يؤسس لـ”منظومة عقاب موازية” تديرها قوائم سوداء أهليّة تفتح الباب أمام فصل سكاني وعقاري يقوّض السلم الأهليّ تماماً.
“تديين” الخطاب الوطني
تمتد معركة الهوية إلى السياسات التعليميّة؛ ففي كتاب التاريخ للصف السادس (تعديل 2025)، يرد عنوان الدرس الرابع: حضارة قرطاجة (وثنيّة)، وجاء فيه: “أما الحياة الدينيّة فقد كانوا قوماً وثنيين يتخذون الأصنام الفينيقية (الكنعانية) مثل الإله بعل حمون كبير الآلهة عندهم وعشتاروت… والإلهة تانيت التي تمثل الأم الحنون…” هذا النموذج يمثل إعادة إنتاج الهيمنة وهي وفق عالم الاجتماع الفرنسيّ بيير بورديو عملية اجتماعيّة تضمن استمرار سيطرة الفئات الحاكمة أو المهيمنة عبر الزمن. دون اللجوء إلى الإكراه الماديّ المباشر، بل عبر تمرير الثقافة وامتيازات السلطة كأمور “طبيعية” ومُسلّم بها.
المفارقة تكمن في محاكمة حضارة بمعايير لا تتصل بسياق الزمني، وإعطاء المعايير اللاحقة مفعولاً رجعيّاً يحاكم أحداثاً سابقة، لأن قرطاجة ازدهرت ما بين القرنين السادس والثالث قبل الميلاد، وتوصيفها بـ”الوثنية”، استدعاء لمفهوم لاهوتيّ لاحق، جاء مع التوحيد، وبذلك يقسر الطلاب على دراسة التاريخ بمعزل عن الموضوعيّة والتي تتطلب التأطير المعرفي وليس القيميّ، تستكمل المفارقة بأن المنهج الذي يُفترض كونه علمانياً يتبنى لغة لاهوتية تعيد إنتاج تاريخ الإيمان بتراتبية خفية تجعل الاختلاف مرادفاً للخطأ والضلال عن الصواب الجمعيّ.
يتناقض هذا السرد مع الحياد العلمي المتبع في الأنظمة التربوية الحديثة التي تدرس الأديان كأنظمة رمزيّة وثقافيّة تعكس التطور الفكريّ للبشريّة دون أحكام أخلاقيّة، إذ ينقل المنهج المتعلم من موقع الباحث والمحلل إلى موقع المعني بالإدانة عبر ثنائيّة “الإيمان والضلال”. وبذلك، يتداخل المنهج المعرفيّ مع الخطاب الدينيّ لشرعنة الهوية الوطنية السوريّة عبر تراتبيّة خفية تجعل التعدديّة مرادفة للخطأ، ما يؤدي إلى “تديين الخطاب الوطنيّ” واختزال التنوع الحضاريّ في هرميّة ضيّقة.
معركة السيطرة على المعنى
أصبحت المنصات الرقميّة هي المجال العام الفعليّ في سوريا. وحين تنتقل السياسة إلى الشاشات تنقلب معايير القيمة؛ فالشرعية تنتقل من المعنى إلى التداول، ومن الحجة إلى الخوارزمية. وتمارس هذه المنصات “ديكتاتوريّة العدد” بالاعتماد على الكم دون النوع، والتعامل مع الأرقام كمجردات منفصلة عن المعنى الحقيقي للتقييم، ما يُستغل برمجياً للإيحاء بالكثرة والزعم بأن حشوداً هائلة تؤيد فكرة معينة، ليمارس العدد سطوة مضللة تُهمّش المنطق لحساب الحشد الافتراضيّ المبرمج؛ حيث يُكافأ اقتصاد الانتباه السرديات المبسطة والمشحونة عاطفيّاً وطائفيّاً، ويُقصى التحليل المركب.
يُنتج هذا التحول مفارقة الحرية الرقميّة: شعور مرتفع بالقدرة على التعبير يقابله إدراكٌ ساحقٌ بأنّ الفضاء يعجّ بالتضليلِ. وحين تتراجع كلفة التعبير دون بنية تحقق معرفيّة، تتحول الحرية إلى ضجيجٍ معلوماتيّ، ويستمر المستخدمون في ضخّه رغم معرفتهم بهشاشته، إذ بات اللغة المشتركة الوحيدة المتاحة؛ ليصبح التفاعل عالياً جداً بلا أيّ تراكم معرفيّ أو يبني أرضيّةً وطنيّةً مشتركةً. وأخطر ما تكشفه المعطيات هو تحولُ النَّفس الطائفيّ إلى إطار تفسيريّ مسبق يقرأ الجمهور من خلاله أيّ حدث، متأثراً ببياناتِ التفاعل العدديّة، ما أدى لتطبيع الأزمة وإعادة معايرة التوقعات.
المعركة الحالية في سوريا هي في ميدان اللغة، المعنى والدلالة، قبل القانون والسياسة؛ فإما لغة حقوقيّة تدين المتورطين بأفعالهم وشبكاتهم، وإما لغة طائفيّة تخلط بين الجريمة والهوية، وتفتح الباب للخوف الأهلي. وتمثل حملة “لست شجرة” اختباراً مباشراً لفشل السياسات العامة التي لم تنتج أطر الوقاية الصريحة؛ فالصمت المؤسسيّ أمام التحريض ليس حياداً بل يمنح الإقصاء مساحة للتحول إلى ممارسة يوميّة. لن يبنى السلام المستدام إلا بتشريعات صارمة ترصد المحرّضين، وتفصل قطعيّاً بين الحق المشروع في العدالة وإغراء الانزلاق نحو الانتقام الجماعيّ.