نكتب هذا المقال حول نظرية الإسلام الديمقراطي التي ينادي بها المفكر عبد الله أوجلان؛ ونشرح الفروق بين الإسلام الديمقراطي والإسلام السياسي؛ الذي تنادي به كل جماعات التأسلم السياسي بقيادة جماعة الإخوان المسلمين؛ التي سقطت بعد أن ظلت أكثر من عام في حكم مصر.
ولذلك يظل يوم الثلاثين من شهر حزيران ٢٠١٣ يوماً فارقاً في تاريخ مصر في العصر الحديث؛ فقد خرج الشعب المصري في كل الشوارع والساحات؛ رافضين حكم المرشد الإخواني؛ فقد كان المرشد محمد بديع هو الحاكم الفعلي وليس الرئيس محمد مرسي؛ وجماعة الإخوان هي أم وأصل كل جماعات الإسلام السياسي في منطقة الشرق الأوسط؛ من أول جماعة التكفير والهجرة حتى داعش الإرهابي؛ مروراً بتنظيم القاعدةَ وأنصار بيت المقدس وبوكو حرام… إلخ.
ولذلك؛ كانت الأسباب الحقيقية للثورة على حكم الإسلام السياسي تتمثل في خوف المصريين من الفتنة؛ ذلك أن حرق الكنائس صار شائعاً؛ وصار التدخّل الخارجي احتمالاً وارداً؛ وكان َالمفترض أن تدخل مصر في حربٍ أهلية كما حدث في سوريا وليبيا والسودان؛ وما حمى الثورة هو وحدة الشعب المصري والجيش الوطني؛ وعادت الأمور إلى نصابها يوم ٣ تموز ٢٠١٣ عندما تم وضع خارطة طريق نحو نجاة مصر من الفكر الدموي؛ ثم ربط المصريون بين شعار الإخوان وهو “مسدس وقران”؛ مثلما هو السيف والشهادة الإسلامية شعاراً وعلماً لبعض دول المنطقة؛ مع التأكيد على إن البنادق والسيوف لا تتفقان أبداً مع دعوة الإسلام الداعية للحرية والعدل.
وكان يوم ١٥ حزيران ٢٠١٣ أي قبل السقوط الإخواني بأسبوعين؛ نقطة تحول في ثورة الشعب المصري؛ عندما اجتمع محمد مرسي برفاقه الإرهابيين القدامى في مؤتمر نصرة سوريا؛ ليس لإسقاط بشار الأسد؛ ولكن لدعم داعش الإرهابي. رغم إن الانتصار على داعش جاء على أيادي أبطال قوات سوريا الديمقراطية؛ وهو الذي مهد السبيل لإسقاط البعث السوري.
وبعد إسقاط الإخوان المسلمين؛ هرب قادة من الإخوان وإعلاميون كثيرون إلى تركيا؛ واحتضنهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ وفتح لهم قنوات فضائية؛ وفي حركة أردوغانية براغماتية أغلق قنوات الإخوان ولكنه مازال يحتفظ بهم للمساومة بهم مع من يريد إعادة حقوق الشعب التركي بكل أعراقه؛ خاصةً الشعب الكردي؛ وهو ما يؤكد نزعة الإسلام السياسي المتطرف والقيام بالاغتيالات والإرهاب؛ والتمييز بين المواطنين بسبب العرق والدين والمذهب؛ تماماً كما يحدث في سوريا تحت الحكم الانتقالي من تعصب وتمييز ضد الدروز والعلويين… إلخ
وعموماً؛ فإن من يريد تمزيق أي دولة هو أن يحكمها تيار متطرف تحت عباءة الدين “الإسلام السياسي”؛ يتخذ من الحكم وسيلة للاستبداد والدكتاتورية، وهذا يقودنا للحديث عن الإسلام الديمقراطي…
الإسلام الديمقراطي.. ضمير المجتمع
إن الإسلام الديمقراطي هو قمة الليبرالية؛ لأن الإسلام يشمل الحرية والعدالة والمساواة؛ ومن ثم لا يوجد أي تناقض بين الديمقراطية والإسلام. يمثّل مفهوم “الإسلام الدّيمقراطي” الّذي طرحه القائد عبد الله أوجلان محاولة فكريّة عميقة لإعادة قراءة التَّراث الإسلامي؛ بعيداً عن قوالب السَّلطة الّتي حاصرت جوهره التَّحرّري عبر التَّاريخ..
ويمكن الوقوف على ذلك من خلال رسالته المنشورة في وسائل الإعلام المختلفة؛ والموجّهة إلى الكونفرانس الثَّالث لاتّحاد البحوث الإسلاميَّة في ميزوبوتاميا، حيث يرسم خارطة طريق لاستعادة الرّوح الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة للإسلام، مؤكّداً إنَّ الدّين يجب أنْ يكون ضميراً للمجتمع لا أداة في يد الدَّولة.
كما يرى القائد عبد الله أوجلان إنَّ الجوهر الحقيقي للإسلام يكمن في كونه حركة اجتماعيَّة قامت على قيم الحرّيَّة، والعدالة، والمساواة، ومواجهة الاستبداد والتَّراتبيَّة الطَّبقيَّة الّتي سادت في ذلك العصر.
وأشار إلى أنَّ هذا الجوهر التَّحرُّري تعرّض للانحراف منذ العصر الأموي، حينما تحوّل الدّين إلى أداة لمنح الشَّرعيَّة للسُّلطة الدَّولتيَّة، وهو انحراف لا يزال مستمرّاً حتَّى يومنا هذا عبر ما يسميه “الإسلام الرَّسمي” أو التَّيارات المذهبيَّة الّتي تتسابق نحو الهيمنة.
وضع المفكر عبد الله أوجلان الأمور في نصابها؛ عندما أعاد تاريخ الاستبداد السياسي باسم الدين إلى الدولة الأموية حتى الآن؛ وهو يقصد كما فهمنا منذ أن ابتعد المسلمون عن الشورى وتحولوا للحكم الرسمي الحكومي كما يرى القائد عبد الله أوجلان. ثم تطرق القائد إلى أن وثيقة المدينة المنورة من أهم معالم المواطنة؛ مع إضافة الشورى إلى النهج التحرري الذي ينادي به الإسلام في مفهومه الديمقراطي..
وهو الإسلام البعيد عن التعصب والانحياز الأعمى للعرق والدين والمذهب… لعل المسلمين وغير المسلمين في المنطقة يفقهون ويعقلون…