تشهد سوريا أزمةً معيشيةً خانقةً نتيجة الارتفاع غير المسبوق في أسعار المحروقات والمواد الغذائية، وما رافق ذلك من تصاعدٍ حادٍ في تكاليف الحياة على امتداد الجغرافيا السوريّة، ما يُنذر بكارثةٍ إنسانية حقيقية، ويكشف عجز الحكومة الحالية عن احتواء الأزمة، وإنقاذ المواطن من تداعياتها.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى المشهد الأمني والاجتماعي الذي يشهد بدوره حالةً من الاضطراب المتزايد، فعمليات الخطف والخطف المضاد لا تزال تتكرر بصورةٍ مستمرة، فيما تتصاعد معدلات الجريمة وأعمال القتل، بما في ذلك جرائم قتل النساء، وفي هذا السياق، أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن عدد النساء اللواتي قُتلن منذ بداية العام الجاري بلغ 35 امرأةً، وسط غياب المحاسبة الفعلية للمتورطين في هذه الجرائم.
سوريا على أعتاب انتكاسة جديدة ما لم تتمكن الأطراف المعنية من ترجمة التعهدات السياسية إلى خطواتٍ عملية تعيد بناء الثقة بين مكونات المجتمع، وتمنع تكرار مشاهد العنف والقتل على أساس الهوية، وهي المشاهد التي هزّت مختلف المناطق السوريّة منذ وصول الحكومة الحالية إلى السلطة.
أكثر من نصف سكان سوريا يواجهون حالةً من “انعدام الأمن الغذائي الحاد”، بحسب “الفاو” في ظل تداعيات الحرب المستمرة والتغيرات المناخية التي انعكست سلباً على القطاع الزراعي والإنتاج الغذائي.
ومن جهته، أكد مجلس سوريا الديمقراطية إن البلاد تواجه أزمةً اقتصاديةً ومعيشيةً عميقةً تهدد الاستقرار المجتمعي، محذراً من أن استمرار النهج السياسي والاقتصادي الحالي من شأنه أن يفاقم حالة الانهيار ويدفع بالمزيد من السوريين نحو الفقر والهجرة، مؤكداً إن مشاركة جميع السوريين في رسم مستقبل بلادهم يمثل المدخل الأساسي لمعالجة الأزمة والخروج من تداعياتها المتراكمة.
وفي المحصلة، تقف سوريا اليوم عند مفترق طرق حاسم؛ فإما أن تستمر في دوامة الصراعات والفوضى، وإما أن تنجح المبادرات الإقليمية والدولية في بلورة مقاربات جديدة تفضي إلى بناء حالة أكثر استقراراً وانتشال البلاد من النفق الذي دخلته خلال السنوات الماضية. غير أن المؤشرات الراهنة ترجح استمرار حالة التوتر والاضطراب، في ظل تصاعد صراعات النفوذ وتضارب المصالح، الأمر الذي ينعكس بصورةٍ مباشرة على حياة المواطنين الذين يكافحون يومياً لتأمين أبسط مقومات العيش. وبناءً على ذلك، تبدو السنوات المقبلة حاسمة في رسم ملامح مستقبل البلاد وتحديد اتجاهاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
كما إن استمرار الصراعات وتعدد مراكز النفوذ يفاقمان تعقيد المشهد السوري، ويُبقيان شرائح واسعة من السكان في ظروفٍ معيشية قاسية يصعب تحمّلها، في وقتٍ تتراجع فيه فرص التعافي الاقتصادي وتزداد الضغوط الاجتماعية على مختلف المستويات.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون إن محاولات الحل التي تقدمها الحكومة تعمّق الأزمات بدل حلها ومعالجتها، ومن هنا تبرز أهمية البحث عن بدائل اقتصادية ومجتمعية قادرة على تخفيف الأعباء عن السكان، ومن بينها تشجيع المبادرات المحلية والمشاريع التعاونية والإنتاجية التي توفر فرص عمل وتسهم في تحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي النسبي خلال المرحلة الراهنة، ريثما تتوافر الظروف اللازمة لإطلاق عملية تعافي اقتصادي أشمل وأكثر استدامة.