يصادف يوم الـ 27 من حزيران، الذكرى الـ 46 لأحداث سجن تدمر العسكري والذي شهد واحدةً من أكثر المجازر الدموية في تاريخ سوريا الحديث. في هذا اليوم قُتل آلاف المعتقلين السوريين من المعارضين لحكم حزب البعث والمنتمين في غالبيتهم إلى جماعة الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى سجناء كرد سياسيين ومنتمين لرابطة العمل الشيوعي وأعضاء سابقين بحزب البعث، في عملية نفذتها قوات “سرايا الدفاع” بقيادة رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد.
المجزرة جاءت بعد يوم واحد من محاولة اغتيال فاشلة استهدفت حافظ الأسد أثناء وداعه الرئيس النيجيري حسين كونتشي، على باب قصر الضيافة في حي أبو رمانة بدمشق، حيث حاول أحد الحراس الشخصيين لحافظ الأسد اغتياله.
وعقب الحادثة، اتهمت السلطات السورية معارضيها بالوقوف وراء العملية، لتبدأ حملة أمنية واسعة انتهت بتنفيذ عملية القتل الجماعي داخل سجن تدمر، وقدرت منظمات حقوقية عدد الضحايا بنحو 1200 معتقلاً.
في حين أشار الخبير السوري ميشال سورا في كتابه “الدولة الهمجية” إلى أن تحليلاً أجرته الأجهزة الأمنية السورية بيّن أن عدد القتلى وصل إلى 1181 ضحيةً.
وعلى امتداد عشرين عاماً، استقبل سجن تدمر ما يزيد على 35 ألف معتقل سياسي وعسكري، وفق تقديرات حقوقية، بينما أُفرج عن نحو 10 آلاف منهم فقط، بقي مصير الآلاف الآخرين مرتبطاً بالموت تحت التعذيب أو الإعدام أو الاختفاء داخل السجن.
ووفق شهادات ووثائق متداولة جرى استنفار وحدات من “سرايا الدفاع” التابعة لرفعت الأسد فجر 27 حزيران، حيث استُدعيت مجموعتان من اللواءين 40 و138، بقيادة الرائد معين ناصيف والمقدم علي ديب، قبل أن تُنقل القوات جواً من مطار المزة العسكري إلى تدمر بواسطة مروحيات عسكرية.
وبعد وصولها إلى مطار تدمر، عُقد اجتماع لضباط القوة المهاجمة جرى خلاله توزيع المهام على ثلاث مجموعات، خصصت إحداها لاقتحام السجن، بينما تولت أخرى حماية المروحيات، فيما بقيت مجموعة ثالثة في حالة احتياط داخل المطار.
تستند هذه التفاصيل إلى إفادات عناصر سابقين في سرايا الدفاع، أدلوا بشهاداتهم بعد اعتقالهم في الأردن عام 1981، حيث تحدثوا عن مشاركتهم في العملية، ونشرت أقوالهم لاحقاً ضمن وثائق رسمية أصدرتها وزارة الإعلام الأردنية.
من جهتها، ذكرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” إن قوات “النظام السوري”، اقتحمت السجن وأطلقت النار بشكلٍ مكثف داخل المهاجع، ما أدى إلى مقتل أكثر من ألف معتقل أعزل خلال ساعات قليلة. كما أشارت المنظمة إلى أن أكثر من مئة عنصر أمني شاركوا في العملية بعد نقلهم من دمشق إلى تدمر.
وبحسب تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية عام 2001 إلى جانب شهادات ناجين، فقد نقلت جثامين الضحايا عقب انتهاء العملية بواسطة شاحنات عسكرية إلى مواقع في ريف حمص الشرقي، حيث دفنت في مقابر جماعية ما يزال مصير كثير منها مجهولاً حتى اليوم.
في حين قالت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إن المجزرة “تتعدى حدود جرائم القتل العمد المعاقب عليها بموجب القانون السوري”، وحمّلت المسؤولية الجنائية لكل من أمر بالمجزرة وساهم فيها ونفذها.
ويعود نشأة سجن تدمر إلى فترة الانتداب الفرنسي على سوريا في ثلاثينيات القرن الماضي، إذ تشير روايات تاريخية إلى أنه أُنشئ في الأصل كثكنة عسكرية، بينما تذكر روايات أخرى أن الموقع استخدم آنذاك كإسطبل للخيول تابع للقوات الفرنسية.
وبعد استقلال سوريا جرى تحويل المنشأة إلى سجن عسكري خصص في بداياته لاحتجاز ومعاقبة العسكريين المخالفين للأنظمة والتعليمات، ومع وصول حزب البعث إلى السلطة في سوريا إثر انقلاب عسكري عام 1963، شهد السجن توسيعات بعد ثلاثة أعوام، ليضم معتقلين سياسيين إلى جانب السجناء العسكريين.
ومنذ سقوط النظام البعثي، عاد ملف مجزرة سجن تدمر إلى واجهة النقاشات الحقوقية والسياسية في سوريا، بوصفه أحد أبرز رموز الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية.
ورغم إدراج الجرائم المرتكبة في السجون والمعتقلات ضمن مسار العدالة الانتقالية الذي أعلنت عنه السلطات الجديدة، لم تُسجل حتى الآن إجراءات قضائية معلنة أو تحقيقات مستقلة مخصصة لمجزرة تدمر بشكل منفصل.
وتتعامل السلطات السورية الجديدة مع المجزرة بوصفها جزءاً من إرث الانتهاكات الجسيمة المنسوبة إلى النظام السابق، في وقت تؤكد فيه التزامها بمسار العدالة الانتقالية وكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق السوريين. إلا أن منظمات حقوقية وناشطين يرون أن هذا المسار ما يزال في مراحله الأولى، ولم يفضِ بعد إلى خطوات عملية تتعلق بمحاسبة المتورطين في مجزرة تدمر أو غيرها من الجرائم الكبرى التي وقعت خلال العقود الماضية.
وفي المقابل، يواصل أهالي الضحايا والناجون من السجون السياسية المطالبة بكشف مصير المفقودين وتحديد مواقع المقابر الجماعية المرتبطة بالمجزرة، إضافة إلى فتح الأرشيفات الأمنية والعسكرية التي قد تحتوي على معلومات بشأن الضحايا وظروف مقتلهم. كما يطالبون باعتراف رسمي شامل بالجرائم التي ارتُكبت داخل السجون السورية، وضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة القضائية.
ويرى حقوقيون أن تحقيق العدالة في ملف سجن تدمر لا يقتصر على محاسبة الأفراد المتورطين في تنفيذ المجزرة، بل يشمل أيضاً توثيق الوقائع وكشف الحقيقة كاملة للضحايا وذويهم، كون ذلك يُعدّ جزءاً أساسياً من أي عملية عدالة انتقالية تهدف إلى معالجة إرث الانتهاكات ومنع تكرارها في المستقبل.