في زمن تتراجع فيه الأولويات البيئية أمام الأزمات السياسية والاقتصادية والحروب، برزت الناشطة البيئية اللبنانية “منى خليل” كواحدة من الشخصيات النادرة التي كرّست حياتها للدفاع عن الطبيعة والحياة البحرية في جنوب لبنان. وبرحيلها متأثرة بجراحها التي أُصيبت بها إثر استهداف منزلها المعروف بـ”البيت البرتقالي” على شاطئ المنصوري، خسر لبنان والعالم البيئي صوتاً شجاعاً حمل رسالة حماية الأرض والبحر بكل إصرار وإيمان.
في الخامس من حزيران 2026، استهدفت غارة إسرائيلية منزل منى خليل المعروف بـ”البيت البرتقالي” على شاطئ المنصوري في جنوب لبنان، وهو المركز البيئي الذي كرّست له سنوات طويلة من حياتها. وقد أُصيبت بجروح خطيرة جراء الاستهداف، قبل أن ترتقي متأثرة بإصابتها بعد أيام، لتضاف إلى قائمة المدنيين الذين طالتهم الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني. وجاء استشهادها ليشكّل صدمة كبيرة للأوساط البيئية والحقوقية في لبنان وخارجه، نظراً لما مثّلته من رمز للنضال من أجل حماية الطبيعة والحياة البحرية.
لم تكن منى خليل مجرد ناشطة بيئية تقليدية، بل تحولت إلى رمز من رموز النضال المدني من أجل حماية البيئة. فعلى مدى سنوات طويلة، كرّست جهودها لحماية السلاحف البحرية المهددة بالانقراض، وجعلت من شاطئ المنصوري ملاذاً آمناً لهذه الكائنات النادرة. ومن خلال “البيت البرتقالي”، الذي أسسته على الشاطئ، نجحت في تحويل المكان إلى مركز بيئي يستقطب المتطوعين والباحثين والمهتمين بالشأن البيئي من لبنان وخارجه.
كانت تؤمن بأن حماية البيئة ليست ترفاً، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية تجاه الأجيال المقبلة. لذلك؛ خاضت معارك عديدة في مواجهة التلوث والتعديات على الشواطئ والمشاريع التي تهدد النظام البيئي الساحلي. وبالرغم الصعوبات الكثيرة، لم تتراجع عن رسالتها، بل واصلت عملها بإصرار، واضعةً الطبيعة فوق كل اعتبار.
إن قصة منى خليل تحمل الكثير من المعاني التي تلامس أيضاً تجربة الشعوب التي تناضل من أجل الحفاظ على هويتها ووجودها، ومنها الشعب الكردي. فكما دافعت هي عن حق الطبيعة في الحياة، يدافع كثيرون عن حق الشعوب في الحفاظ على ثقافتها وتراثها وأرضها. وفي الحالتين، يبقى الإيمان بالقضية والاستمرار في العمل رغم التحديات هو العامل المشترك الذي يصنع الأثر الحقيقي.
برحيل منى خليل، يفقد الشاطئ الجنوبي واحدة من أبرز حراس الطبيعة، لكن إرثها لن يرحل معها. فالسلاحف التي حمتها، والأجيال التي ألهمتها، والوعي البيئي الذي نشرته، كلها ستبقى شاهدة على مسيرة امرأة اختارت أن تجعل من الدفاع عن البيئة رسالة حياة.
لقد رحلت منى خليل جسداً. لكن؛ رسالتها ستبقى حية في كل موجة تعانق شاطئ المنصوري، وفي كل جهد يُبذل لحماية الطبيعة والإنسان. إنها واحدة من تلك الشخصيات التي تثبت أن الأثر الحقيقي للإنسان لا يُقاس بطول العمر، بل بما يتركه من قيم ومبادئ وعطاء.