في الذكرى السنوية السادسة لمجزرة حلنج التي استهدفت مناضلات نسويات في مدينة كوباني، نستعيد محطة مؤلمة في تاريخ نضال المرأة السورية، ونستذكر الشهيدات اللواتي أصبحنَ رمزاً للمقاومة والإصرار على طريق الحرية والكرامة. إن استهداف الشخصيات النسوية المناضلة لم يكن استهدافاً لأشخاص فقط، بل كان محاولة لضرب إرادة المرأة ودورها المتصاعد في بناء مجتمع يقوم على العدالة والمساواة.
إن هذه الذكرى الأليمة تفتح أمامنا سؤالاً جوهرياً: لماذا كانت المرأة دائماً في مقدمة أهداف الأنظمة الذكورية والقوى المتطرفة؟ ولماذا تخشى هذه القوى من المرأة الحرة والمنظمة؟ إن الإجابة تكمن في حقيقة أن المرأة ليست مجرد فرد داخل المجتمع، بل هي أساس تكوينه وشريانه الرئيسي، وأي محاولة لإضعافها هي في جوهرها محاولة لإضعاف المجتمع بأكمله.
لقد أثبت التاريخ إن المجتمعات التي تُهمّش المرأة وتحرمها من دورها الحقيقي هي مجتمعات تفقد جزءاً أساسياً من قوتها وقدرتها على التطور، لذلك فإن الأنظمة الذكورية والقوى التي تسعى إلى فرض هيمنتها تنظر إلى تحرر المرأة باعتباره تهديداً لبنيتها القائمة على السيطرة والإقصاء، فتحاول كسر إرادتها عبر مختلف الوسائل؛ من القمع الاجتماعي والثقافي إلى العنف الجسدي والسياسي.
وخلال سنوات الأزمة السورية، كانت المرأة من أكثر الفئات التي دفعت ثمناً باهظاً، فقد تعرضت النساء لسياسات التهميش والإقصاء، وعانينَ من التهجير والقصف والفقر، ووصلت المعاناة في بعض المناطق إلى أبشع صورها من خطفٍ واغتصاب واستعباد على يد القوى المتطرفة، وعلى رأسها داعش الذي جسّد نموذجاً متطرفاً ومعادياً للمرأة وحقوقها.
لكن هذه الهجمات لم تستطِع كسر إرادة المرأة، بل شكلت دافعاً إضافياً لمواصلة النضال، فقد أثبتت النساء أنهن قادرات على مواجهة أخطر أشكال التطرف والإرهاب، وإن الدفاع عن الحرية والكرامة ليس مرتبطاً بجنس أو فئة، بل هو مسؤولية كل من يؤمن بالعدالة والإنسانية.
ومن خلال مسيرة تنظيم المرأة ونضالها، نشأت تجربة فكرية واجتماعية توسعت تدريجياً وأثرت في مختلف مكونات المجتمع السوري، فقد تجاوزت قضية المرأة حدود الانتماء القومي أو الديني، وأصبحت قضية إنسانية مشتركة تمس النساء الكرديات والعربيات والسريانيات والمسيحيات والتركمان وغيرهن، وأثبتت التجربة أن وجود إرادة المرأة الحرة يؤدي إلى بناء مجتمع أكثر قوةً وتوازناً.
لقد انتقلت المرأة خلال هذه المسيرة من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل والمؤثر؛ فكان حضورها واضحاً في مجالات الفكر والتنظيم والدفاع والحماية والسياسة وصنع القرار، وأصبحت شريكة أساسية في رسم مستقبل المجتمع، انطلاقاً من قناعة أن مشاركة المرأة ليست مطلباً ثانوياً، بل حق طبيعي وضرورة لبناء مجتمع ديمقراطي حر.
إن أرواح الشهيدات اللواتي ضحين بحياتهن من أجل هذه القيم أصبحت مصدر إلهام لكل النساء اللواتي يواصلن طريق النضال. فكل شهيدة تركت أثراً ورسالة، وكل استهداف تعرضت له المرأة المناضلة تحول إلى قوة جديدة تدفع نحو المزيد من التنظيم والإصرار.
وفي هذه المناسبة، نجدد العهد للنساء السوريات اللواتي عانين من الحرب والتهجير والقمع، ولكل المعتقلات والمختطفات اللواتي ما زلن ينتظرن الحرية، بأن تستمر مسيرة الدفاع عن حقوق المرأة وكرامتها. كما ندعو جميع النساء إلى المشاركة الفاعلة في بناء مستقبل سوريا، والعمل من أجل دولة مدنية ديمقراطية تضمن حقوق جميع شعوبها، وتضمن للمرأة مكانتها ودورها الحقيقي في الدستور والمجتمع والحياة السياسية.
إن الطريق الذي سارت عليه الشهيدات لم يكن طريقاً سهلاً، لكنه أثبت أن المرأة عندما تمتلك الإرادة والتنظيم والوعي تستطيع أن تغير واقعها وتصنع مستقبلاً أكثر عدلاً وحرية، وستبقى ذكرى الشهيدات منارة تضيء درب كل النساء الساعيات إلى الحرية والكرامة والسلام.