إيفان علي
شكل انهيار نظام بشار الأسد في كانون الأول ٢٠٢٤ لحظة فارقة في الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، إذ انقطع الجسر البري الذي يربط طهران ببيروت لعقدين. جاء الهجوم الأمريكي المباشر على إيران في ربيع ٢٠٢٦ ليكون أول اختبار وجودي لسوريا الجديدة التي تقودها حكومة انتقالية برئاسة أحمد الشرع.
لم تكن سوريا، بعد سقوط الأسد، تملك حرية اختيار الأصدقاء والأعداء بل كان عليها أولاً أن تثبت قدرتها على البقاء خارج دورة العنف الإقليمي. لذلك تبنت الحكومة المؤقتة عدم التدخل المباشر (حتى الآن). بالتالي تجاوزت مفهوم الحياد السلبي إلى ما يمكن تسميته الانخراط الدبلوماسي المحسوب. لكن تطبيق هذه العقيدة واجه اختباراً مع اندلاع المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
غير أن الجغرافية كانت كالعادة أقسى من السياسة. ففي خضم الضربات الصاروخية والمسيّرات المتبادلة، سقط حطام الصواريخ والمسيّرات الإيرانية في ١٨ موقعاً جنوبي البلاد على الأقل، متسبباً في سقوط ضحايا مدنيين وإغلاق مؤقت للمدارس، بحسب (المرصد السوري لحقوق الإنسان، 2026). وكان الحدث الأكثر دلالة هو تعرض قاعدة عسكرية سورية في ريف الحسكة، والتي كانت خاضعة لسيطرة أمريكية لقصف صاروخي مصدره فصائل عراقية. هذا الاختراق الذي لم تقم دمشق على منعه أو الرد عليه، ما يؤكد أن أي فراغ أمني يُستغل لتصفية الحسابات الإقليمية على الأراضي السورية، ويكشف حدود القدرة الرادعة للدولة الناشئة.
دمشق أدارت هذه الاختراقات بكثير من ضبط النفس، مكتفية بإدانة دبلوماسية للهجمات التي مست السيادة السورية، دون رد عسكري كان سيجعلها طرفاً مباشراً في الصراع. هذا التموضع الاستراتيجي ليس ترفا سياسيا، بل محاولة للنأي بالنفس عن هذا الصراع. وقد عبر عنه رئيس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع بقوله إن “١٤ عاماً من الحرب كافية”. غير أن تكلفة ذلك كانت باهظة على المستوى الرمزي: إذ كشف كل صاروخ يسقط على الأراضي السورية عن فجوة مؤلمة بين الخطاب السيادي والوضع الميداني.
من مفارقات الحرب الإيرانية – الأمريكية أنها سرّعت الانسحاب العسكري الأمريكي الكامل. فبحلول ٢٠٢٦. أكملت القوات العسكرية الأمريكية انسحابها من آخر وأكبر قواعدها في الحسكة، وسلمت جميع مواقعها للجيش السوري (وزارة الدفاع السورية، 2026). هذه الخطوة أنهت عقداً من الوجود العسكري الأمريكي المباشر شرق الفرات، وأعطت الحكومة المؤقتة مكسباً سيادياً كبيراً عزز موقف الشرع داخلياً وخارجياً. هذا الانتصار السيادي أنتج معضلة أمنية فورية. فالوجود الأمريكي لم يكن فقط خرقاً للسيادة بل كان أيضاً ردعاً لداعش، وضامنا لعدم تمدد جهات موالية لإيران، وحال دون انفجار الصراع التركي ـ الكردي الشامل. وبالانسحاب الأمريكي، ورثت دمشق فراغا أمنيا كبيرا في منطقة شاسعة. دون أن تملك بعد جيشاً قادراً على ملئه بالكامل. وهنا تكمن المفارقة: المكسب السيادي صار في الوقت ذاته أكبر اختبار لقدرة الدولة الجديدة على فرض سيطرتها على كامل أراضيها.
جاء هذا التطور متزامناً مع اختراقات دبلوماسية مهمة، أبرزها رفع مجلس الأمن اسم هيئة تحرير الشام من قائمة العقوبات في شباط 2026 (الأمم المتحدة،2026)، مما مثّل اعترافاً ضمنياً بشرعية السلطة الجديدة. لكن؛ هذا الرفع الجزئي لا يعني رفعاً شاملاً للعقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا بموجب قانون قيصر والتشريعات الأوروبية المصاحبة. فالعقوبات لا تزال تخنق الاقتصاد السوري، وتبقى ورقة الضغط الأهم بيد واشنطن وحلفائها.
وفي خطوة أظهرت تحول سوريا إلى وجهة دبلوماسية غير متوقعة استثمرت دمشق فترة الحرب في تعزيز علاقاتها الدولية، حيث استقبلت الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” ومسؤولين أتراكاً رفيعي المستوى، لبحث تعاون ثلاثي في مجالات الدفاع والطاقة. هذا الانفتاح المتعدد الاتجاهات – أوكرانيا وتركيا وروسيا وأمريكا في آن – يعكس جوهر الحياد البراغماتي النشط الذي تسعى دمشق لمأسسته: أن تكون ساحة تلاق لا ساحة تصادم.
لم يكن الوجود العسكري الأمريكي شرق الفرات غاية في ذاته، بل أداة لإدارة تهديدين متلازمين: الشبكات العسكرية الإيرانية وفلول داعش. ومع الانسحاب، وجدت واشنطن نفسها بحاجة ماسة إلى شريك محلي قادر على ضبط إيقاع الأمن في تلك المنطقة الشاسعة. هذه الحاجة فتحت نافذة تفاوضية للحكومة السورية الجديدة، التي وظفت الحاجة الأمريكية إلى الاستقرار كورقة ضغط لنيل اعتراف دولي أوسع وتخفيف العقوبات، تقوم المعادلة الضمنية على مبدأ التهدئة مقابل الشرعية تضمن دمشق أمن شرق الفرات مقابل تلقيها دعماً سياسياً واقتصادياً غير مباشر.
غير أن مأسسة هذه المعادلة تصطدم بعقبة مركزية التنافس الإقليمي على النفوذ في سوريا، تحديداً بين تركيا وإسرائيل وكلتاهما ليست مجرد قوة خارجية، بل فاعل منغمس بعمق في الداخل السوري.
شمالاً، تدير تركيا وجوداً عسكرياً مباشراً عبر قواعدها ومجموعات الجيش الوطني التي ترعاها. أجندة أنقرة المركبة: منع قيام كيان كردي متماسك على حدودها، وضمان عودة اللاجئين السوريين، وتثبيت نفوذ اقتصادي طويل الأمد. هذه الأجندة تتعارض جوهرياً مع مشروع دمشق لاستعادة السيادة على كامل التراب الوطني. فكيف ستتوافق سيطرة الحكومة المركزية على الشمال مع استمرار النفوذ التركي المباشر؟
جنوباً، تنتهج إسرائيل سياسة أمنية نشطة تتجاوز مجرد الرد على التهديدات. فمنذ انهيار نظام الأسد، وسعت تل أبيب وجودها في المنطقة العازلة بالجولان، ودعمت مجموعات محلية جنوبي سوريا وأعلنت صراحة أن «جنوب دمشق خط أحمر». الردع الإسرائيلي الذي يمنع تموضع أي قوة معادية قرب حدودها، صار قيداً مزمناً على السيادة السورية الناشئة.
النتيجة أن سوريا أصبحت دولة وسيطة بامتياز: دولة تسعى لتأكيد سيادتها، لكن وجودها المستقر صار شرطاً لاستقرار قوى إقليمية متنافسة تطأ أقدامها أراضيها. وهنا يكمن بيت القصيد في السيناريو الأكثر ترجيحاً: الحياد الهش لا ينهار ولكنه لا يكتمل. فدمشق لا تستطيع إنهاء الوجود العسكري التركي أو الإسرائيلي، ولا تستطيع ضمان عدم تحول أراضيها إلى ساحة تصفية حسابات إذا ما تفاقم التوتر بين أنقرة وتل أبيب.
ويزيد من تعقيد المشهد استمرار الحضور العسكري الروسي في قاعدتي حميميم وطرطوس. فرغم تقلص النفوذ الروسي بعد انهيار نظام الأسد، لم تنسحب موسكو بالكامل، بل تحتفظ بأوراق ضغط تعقد أي توجه سوري نحو الغرب. بموازاة ذلك، تراقب الصين بهدوء، مستثمرة في مشاريع البنية التحتية ضمن مشروع الحزام والطريق، لكنها حذرة من الانخراط في بيئة أمنية شديدة التقلب. الثنائي الروسي ـ الصيني ليس لاعباً مركزياً في سيناريو مباشر، يحاول منع تحول سوريا إلى حديقة خلفية للغرب حصراً.
فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي يمكن القول بأن نجاح التموضع السوري مرهون بشرط داخلي غالباً ما يُغفل في التحليلات الجيوسياسية وهو استقرار اقتصادي. فالاقتصاد السوري لا يزال في حالة انهيار شبه تام: عملة محطمة، تضخم مرعب، بنية تحتية مدمرة، وعقوبات دولية تشل الحركة المالية. وفي غياب حلول سريعة لهذه المعضلة، تبقى المشاريع الجيواقتصادية حبراً على ورق.
هنا بالتحديد يبرز الرهان الاستراتيجي الأكبر لدمشق. فمع التعطيل الفعلي لمضيق هرمز والتهديدات المستمرة للملاحة في البحر الأحمر، وتحويل الطرق التجارية من إقليم كردستان بتوافق تركي عراقي. عادت سوريا فجأة إلى الواجهة خياراً لا غنى عنه للربط البري بين آسيا وأوروبا. مشاريع مثل (طريق الاتصالات) وخطوط أنابيب الطاقة العابرة (من قطر والعراق مروراً بسوريا إلى أوروبا) تحولت من رؤى نظرية إلى ضرورات أمن طاقة عالمية. لكن؛ تفعيل هذه المشاريع يتطلب:
استقراراً أمنياً مستداماً يضمن حماية خطوط الأنابيب وممرات النقل.
ورفعا تدريجيا للعقوبات الاقتصادية يسمح بتدفق الاستثمارات.
وتوافقاً إقليمياً حول استقرار وسيادة سوريا؟
في خضم إعادة التشكل العنيف الذي يجتاح الشرق الأوسط تبرز المسألة الكردية بوصفها أحد أكثر الملفات تعقيداً وتحولًا. الكرد لم يعودوا مجرد “ورقة” في أيدي القوى الكبرى، بل تحولوا إلى لاعبين استراتيجيين في الدول الأربع التي يتواجدون فيها. في الحالة السورية، دخلت البلاد عام ٢٠٢٦ مرحلة مفصلية، لكن توصيفها يتطلب حذراً في التحليل. فبعد سنوات من الإدارة الذاتية تحت مظلة (مجلس سوريا الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية) قلب اتفاق 29 كانون الثاني بين دمشق وقسد المعادلة رأساً على عقب. هذا التحول الذي يضمن انسحاباً تدريجياً من عدة مناطق. والبدء بعملية دمج المؤسسات من إدارة المعابر والمنشآت النفطية والتعليمية والإدارية. فهي لم تكن تراجع بقدر ما كانت إعادة تموضع إجباري فرضته المتغيرات الإقليمية. وأصبح الاستمرار خارج إطار الدولة السورية مكلفاً جداً. غير أن وصف هذا المسار بأنه نموذج اندماج وطني ناجح سابق لأوانه. فالطريق لا يزال محفوفاً بعقبات ولكن النتيجة، الأكثر ترجيحاً أن المسألة الكردية في سوريا ليست في طور الحل النهائي، بل في طور الانتقال من الصراع العسكري إلى التفاوض السياسي المستمر. الإدماج الكامل ليس مضموناً، لكن العودة إلى المواجهة الشاملة صارت أقل ترجيحاً مما كانت عليه قبل ٢٠٢٦، لأن الطرفين دمشق وقامشلو أصبحتا تدركان أنه لا منتصر في حرب شاملة جديدة. وهذا بحد ذاته تحول استراتيجي كبير، حتى لو بقي الطريق طويلاً.
ختاماً، يمكن القول بأن السيناريو الأكثر ترجيحاً يبقى الحياد الهش: سوريا لن تنهار، لكنها لا تبسط سيادتها كاملة؛ وهي تنتزع اعتراف دولي تدريجي، لكنها تبقى رهينة اختراقات أمنية وضغوط اقتصادية.
المعضلة المركزية التي تواجهها ليست أيديولوجية فحسب، بل بنيوية أيضاً: فكيف يمكن لدولة أنهكتها أربع عشرة سنة من الحرب، وتعاني اقتصاداً منهاراً وجيشاً قيد التشكل، أن تثبت سيادتها في مواجهة قوى إقليمية ودولية تملك أجندات متضاربة على أراضيها؟