تُمثّل وحدات حماية المرأة (YPJ)، التي تأسست في نيسان عام 2013، واحدة من أبرز الظواهر العسكرية والسياسية الفريدة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
فبالنظر إلى سياق نشأتها، لم تكن هذه الوحدات مجرد تشكيل مسلح عابر اقتضته ظروف الحرب، بل تبلورت كامتدادٍ بنيوي وتعبير تنظيمي أفرزه الحراك الثوري السوري في مساعيه الرامية نحو التغيير، والتحرر، ومواجهة الاستبداد بمختلف أشكاله.
وجاءت هذه الانطلاقة استجابةً لضرورات استراتيجية فرضها غياب الاستقرار الجيوسياسي، وبروز مهددات أمنية وجودية هددت السلم الأهلي ومستقبل الشعوب بمختلف إثنياتهم وثقافاتهم في مناطق شمال وشرق سوريا، لتطرح المقاتلة الكردية من خلال هذا التشكيل المقاوم نموذجاً غير مسبوق في التوفيق بين الدفاع عن الأرض وسعي المرأة نحو انتزاع حريتها وحقوقها السياسية والاجتماعية.
وعلى الصعيد العملياتي والعسكري، شُكّلت وحدات حماية المرأة، كقوة ردع نظامية وشريك أساسي في “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، ركيزة محورية في جهود مكافحة الإرهاب الدولي، وأثبتت كفاءة قتالية وتكتيكية عالية في محطات استراتيجية فارقة أذهلت المراقبين الدوليين.
وتجلت هذه الكفاءة بشكلٍ ساطع في مقاومة كوباني (2014-2015)، والتي شكّلت نقطة تحول جيوسياسية في مسار الصراع السوري؛ حيث حملت المقاتلة الكردية على عاتقها مسؤولية تاريخية في حماية شعبها الكردي أولاً والدفاع عن هويته ووجوده، وامتدت تضحياتها لتشمل حماية سائر الشعوب المتعايشة في المنطقة من العرب والسريان الآشوريين، وسعت هذه العقيدة العسكرية إلى كسر التمدد التوسعي لـ “داعش”، وتحويل المنطقة من مستهدفٍ ساقط عسكرياً إلى منطلق لترسيخ مقاربة “الأمن الشامل” القائم على الشراكة المجتمعية وحماية التعددية في مواجهة الفكر الإقصائي المتطرف.
أما على الصعيدين السياسي والسوسيولوجي، فإن تجربة وحدات حماية المرأة تتجاوز حدود المفهوم التقليدي للجيوش النسائية، لتسير بالتوازي مع النضال العام من أجل حل القضية الكردية حلاً عادلاً، والاعتراف الدستوري بالشعب الكردي كشعبٍ أصيل يعيش على أرضه التاريخية. فقد نجحت الوحدات في إعادة صياغة العقد الاجتماعي في المنطقة، وفرضت إشراك المرأة كفاعلٍ أساسي في مراكز صنع القرار العسكري والسياسي، متجاوزةً الأنماط البطريركية السائدة.
هذا التحول البنيوي لم يكن مجرد تمكين اجتماعي، بل كان أداة سياسية للضغط باتجاه إيجاد ضمانات قانونية ودستورية راسخة تكفل الحقوق القومية والسياسية المشروعة للشعب الكردي، وتؤسس لصياغة مستقبل ديمقراطي تعددي، ما أكسب التجربة شرعية دولية واهتماماً واسعاً من مراكز الأبحاث والدبلوماسية العالمية، مغيراً صورة المرأة الشرق أوسطية إلى رمز للقيادة والإرادة.
وفي الختام، يُظهر تقييم تجربة وحدات حماية المرأة (YPJ) من منظور العلوم السياسية والاستراتيجية أنها لم تكن ظاهرة عسكرية مؤقتة، بل قوة فاعلة أعادت تعريف أدوار الجندر في فترات النزاع المسلح وبناء السلام، وربطت بقوة بين تحرر المرأة وحرية مجتمعها الكردي وحقوقه القومية.
إن التضحيات الجسيمة التي قدمتها مقاتلات الوحدات لحماية شعبهن وبقية الشعوب ستبقى مرجعاً توثيقياً ملهماً في أدبيات حركات التحرر العالمية، بوصفها قصة كفاح سياسي وإنساني رفيع صِيغت بالدم والبندقية والفكر، من أجل تحقيق الحرية، والمساواة، والوصول إلى اعتراف دستوري عادل وشامل يصون الكرامة الإنسانية، ويقرُّ بالحقوق التاريخية والسيادة القومية للشعب الكردي وسائر شعوب المنطقة.