أيمن روج
بعد أكثر من عام ونصف على بدء المرحلة الانتقالية في سوريا، يجد المواطن السوري نفسه أمام واقع يختلف كثيراً عن الآمال التي رافقت لحظة التغيير. فبينما انتظر الناس انفراجاً اقتصادياً، وتحسناً في مستوى الخدمات، وتوفير فرص العمل، واستقراراً يخفف من أعباء سنوات طويلة من الحرب والأزمات، جاءت الوقائع اليومية لتضعهم أمام تحديات معيشية أكثر قسوة؛ إذ ارتفعت أسعار المواد الأساسية والمحروقات والطاقة والسلع الاستهلاكية إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبح تأمين أبسط متطلبات الحياة يشكل عبئاً ثقيلاً على غالبية الأسر السورية.
وفي ظل هذا الواقع، تتعاظم الأسئلة الشعبية حول مصير الإيرادات العامة والموارد الاقتصادية التي تدخل إلى خزينة الدولة من الضرائب والرسوم الجمركية وعائدات المعابر والأنشطة الاقتصادية المختلفة، إضافة إلى حملات التبرعات والمساهمات التي طُرحت خلال الفترة الماضية تحت عناوين وطنية وإنسانية متعددة. فالمواطن الذي يدفع الضرائب، ويتحمل ارتفاع الأسعار، ويساهم بما يستطيع من دعم للمبادرات العامة، يبحث عن إجابات واضحة تتعلق بكيفية إدارة هذه الموارد ومدى انعكاسها على حياته اليومية، خاصة عندما لا يلمس تحسناً ملموساً في الخدمات أو مستوى المعيشة أو البنية التحتية التي تضررت خلال سنوات الصراع.
ولا تقتصر الأزمة على الجانب الاقتصادي وحده، بل تمتد إلى حالة الانقسام الداخلي التي ما زالت تلقي بظلالها على المشهد السوري بأكمله. فالتحديات السياسية والاجتماعية والمناطقية لا تزال قائمة، الأمر الذي يجعل بناء مشروع وطني جامع مهمة معقدة تحتاج إلى رؤية واضحة وإدارة قادرة على تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. فالدول لا تستقر بالموارد فقط، وإنما بالعدالة والشفافية والشعور العام بأن الجميع شركاء في صناعة المستقبل.
إن المرحلة الانتقالية في أي بلد تُقاس بقدرتها على تحويل التضحيات إلى نتائج ملموسة، وعلى بناء مؤسسات قوية تحظى بثقة المواطنين، وعلى إيجاد حلول حقيقية للأزمات المتراكمة. أما عندما تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، فإن التساؤلات تصبح أكثر حضوراً، ويصبح المواطن أكثر حاجة إلى معرفة أين تذهب الموارد، وكيف تُدار الأموال العامة، وما هي الخطط الفعلية للخروج من الأزمة الاقتصادية التي تزداد عمقاً يوماً بعد يوم.
واليوم تقف سوريا أمام لحظة مفصلية لا تحتمل المزيد من التأجيل أو الغموض. فإما أن تنجح في بناء نموذج حكم قادر على تحقيق الشفافية والمساءلة، وتحويل الموارد المتاحة إلى مشاريع تنموية وفرص اقتصادية حقيقية، وإما أن تستمر دوامة الأزمات التي تدفع المواطن إلى مزيد من الفقر والإحباط وفقدان الثقة.
وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأكبر معلقاً في أذهان السوريين: إلى أين تتجه البلاد فعلاً؟ وهل ما زال المستقبل يحمل فرصة للخروج من حالة الانقسام والتدهور الاقتصادي، أم أن الطريق نحو الاستقرار لا يزال أطول وأكثر تعقيداً مما كان يتوقعه الجميع؟
فالأمم لا تُقاس بالشعارات ولا بحجم الوعود التي تُطلق في المنابر والمؤتمرات، بل بقدرتها على ترجمة تلك الوعود إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية. والسوريون الذين أنهكتهم سنوات الحرب والنزوح والفقر لم يعودوا يبحثون عن خطابات مطمئنة بقدر ما يبحثون عن إجابات واضحة ونتائج ملموسة تعيد إليهم الشعور بالأمان والكرامة والاستقرار.
وبين حكومة مطالبة بإثبات قدرتها على إدارة الدولة بكفاءة، وشعب يزداد قلقه من تآكل قدرته على مواجهة أعباء الحياة، تبقى الحاجة ملحّة إلى مزيد من الشفافية والمصارحة حول الموارد والإيرادات وأولويات الإنفاق ومستقبل الاقتصاد الوطني.
فكل يوم يمر دون معالجة حقيقية للأزمات المتراكمة يوسع فجوة الثقة ويعمق حالة الاحتقان الشعبي، في وقت تحتاج فيه سوريا أكثر من أي وقت مضى إلى مشروع وطني جامع يضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، ويعيد توجيه البوصلة نحو بناء دولة المؤسسات والقانون والتنمية؛ لأن استمرار الغموض في الإجابة عن الأسئلة الكبرى لن يؤدي إلا إلى مزيد من الشكوك، بينما تبقى الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن استقرار أي دولة يبدأ من ثقة شعبها بعدالة إدارتها وقدرتها على تحويل مواردها إلى حياة أفضل لمواطنيها.