تقع مدينة البوكمال في الجهة الشرقية من سوريا وعلى الضفة اليمنى لنهر الفرات وفي منطقة سهلية وتقع على خط عرض 532 شمال خط الاستواء وترتفع عن سطح البحر بمقدار 165 متر. تتبع لمحافظة دير الزور وتبعد عنها حوالي 140 كم، وتتمتع بمناخ شبه صحراوي صيفها حار طويل وجاف وشتاؤها بارد وقصير أمطارها قليلة لا تتجاوز وسطياً 150مم سنوياً.
لقد قامت في الفرات الأوسط أسمى الحضارات في التاريخ، ولازالت تتكشف في روابيه آثار هامة، منها مملكة ماري العريقة. وكانت المنطقة معبراً من معابر طريق الحرير الذي كان يصل الشرق بالغرب خاض فيها خالد بن الوليد معركة مع الروم، وكانت الشام والعراق والجزيرة في مثلث من الأرض تلتقي عنده طرق المواصلات لثلاثة أقاليم عربية الشام (سوريا حتى البحر المتوسط) والعراق والجزيرة السورية.
التاريخ والتأسيس
عرفت البوكمال بـ “النحامة” وأُسِّست (المدينة) من العانيين المهاجرين إلى هذه المنطقة مـن (عانة) وتبعد عن الحدود السورية (القائم) 105كم. والبوكمال من المدن الحديثة نسبياً فقد قامت عام 1864 وكانت مركزاً عسكرياً للجيش التركي وكانت تسمى (القشلة) والتي تعني باللغة التركية الثكنة العسكرية.
البوكمال في عهد الاحتلال العثماني
شهدت منطقة البوكمال المرحلة الأخيرة من حياة الدولة العثمانية، حيث المجاعات والحروب، وسياسة التتريك التي اتبعتها جماعة الاتحاديين منذ عام 1909م، وبطبيعة الحال نالت منطقة البوكمال نصيبها من هذه السياسة، وتلاحقت الأحداث حتى أطيح بالسلطان عبد الحميد، كانت المعاناة أكبر فيها بسبب البعد عن المركز.
قال وصفى “زكريا” الذي ارتحل على عربات تجرها الخيول والبغال من البوكمال إلى حلب واصفا الطريق: “كنت لا ترى عليه إلا جنود الحكومة، وتوارى الناس خوفاً من الجندية إلا من كان زبيدياً يضع الدبوس على صدره وبندقيته في يده متحدياً السلطة في وضح النهار”.
وبسبب الحرب قامت الحكومة التركية بجمع الأرزاق والغلال من الفلاحين الفراتيين في سوريا ونقلتها تمويناً للجيوش على الجبهات، وترافق ذلك سنين قحط مجدبة، فحصلت مجاعة رهيبة بلغت ذروتها عام 1916.
لقد تقاسم أهل منطقة البوكمال لقمة العيش بأخوة منقطعة النظير في الفترات العصيبة، وأعان غنيهم فقيرهم، ولايزال الناس يتناقلون قصص المجاعة الكبرى عام 1916 أيام العثمانيين بألم وحسرة. وغادر الجيش التركي البوكمال كجزء من سنجق دير الزور عام 1918. وصلت مفارز جيش الشريف حسين في السابع من كانون الأول عام 1918 وهي تحمل معها التشكيلات الإدارية، فعين مرعي الملاح متصرفاً، وعلي العسكري قائداً للجيش.
للبوكمال قصص وحكايات مع ثورة 1919 التي عمت سنجق دير الزور، ومن أشهر المعارك التي دارت ضد الإنكليز معركة النسورية “الذبحة” التي كانت ضربة موجعة للإنكليز.
غضب الإنجليز من الخسائر التي تكبدوها في المجرود والنسورية فقاموا بقصف كافة قرى منطقة البوكمال من الشعيطات وهجين حتى السويعية والباغوز بالمدفعية الثقيلة، وبالطائرات فهدموا المنازل وقتلوا كثيراً من الناس وسميت تلك السنة (1919م) سنة الدان. وقام الإنكليز بالانسحاب من البوكمال في 27 كانون الأول من عام 1919.
أما القوات الفرنسية فدخلت البوكمال عام 1921، وفور وصولها استولت على خان النقيب وحولته إلى ثكنة عسكرية، وكانت البوكمال دائما في خضم الأحداث بالأخص في تداعيات الحرب العالمية الثانية والصراع بين الاتجاهين الفرنسيين الفيشية، والديغولية من جهة والإنكليز من جهة أخرى.
التضاريس والزراعة في البوكمال
تضم البوكمال عددا من الأودية، نذكر منها على سبيل المثال وادي علي، وسُمي شعيب الرتقة، ويتشكل من منطقة الحمّاد في البادية ويصب في جنوب البوكمال على نهر الفرات.
وادي بقيع ويأتي من البوادي القريبة من البوكمال وينتهي في السكرية ويهدد فيضانه قريتي الغبرة والسيال.
وادي صواب في البادية وترفده وديان كثيرة قبل أن يصب في نهر الفرات ومنها سويحل في قرية العباس.
نهر دورين
كثيراً ما يجهل أبناء المنطقة هذا النهر الذي أمرت بشقه ملكة الباغوز آنذاك، حيث ما زالت بقايا المجرى قائمة حتى الآن أسفل كهف الباغوز الشهير، ودورين هي ملكة الباغوز التي أرادت أن يكون هناك فرع خاص من نهر الفرات يصل إلى الباغوز دون المرور من مملكة العموريين (ماري حالياً) ويجري بمحاذاة جبل الباغوز ليصب خارج حدود مملكة الباغوز.
أما فيما يخص الزراعة والنباتات فيعتبر القطن من المحاصيل الهامة، والأساسية في المنطقة بالإضافة إلى القمح بأنواعه والشعير والسمسم والذرة بنوعيها والقنب والعدس والشوندر السكري وكافة الخضروات وبأنواعها. كذلك تزخر البوكمال بالكثير من البساتين وأشجار التفاح والمشمش، والتوت والكمثرى والكرز والبرتقال، والليمون والعنب والرمان والتين والأجاص، والخوخ، وأنواع أخرى كثيرة تملأ البساتين على امتداد ضفتي نهر الفرات العظيم. وتشهد بعض المواسم ظهور الكمأة الشهيرة، خلال شهري نيسان وأيار، كما تعد الثروة السمكية بأنواعها من الأعمال الرائجة.
مأكولات شعبية لا تغيب عن موائد البوكمال
بعض الأكلات التراثية المميزة ما تزال حاضرة بكل زخمها، فإذا كانت البامية هي الأكلة الأكثر شهرة وانتشاراً؛ فإن الماضي القريب ما يزال يذكر بالكشك، والفورة وعيش فاطمة، والحبيّه والكليجة والباجات، والثردة والحريرة والسلق والمشحمية، والمحلبي والمصارين والسلاق.
المدقوقة
طعام شعبي تراثي في البوكمال مادته الأساسية التمر والسمسم فيتم وضعهما في وعاء خشبي يسمى الجاون، وتقوم مجموعة من النساء في التعاقب في دق التمر والسمسم داخل الجاون بواسطة المهباشة حتى يمتزج بشكل جيد ثم يتم تقطيعه إلى أجزاء بحجم البيضة، ويقدم في كل الأوقات.
الحنيني
أكلة شعبية معروفة جداً في البوكمال وخصوصاً في شهر رمضان المبارك، تتكون من التور من النوع الممتاز وغالباً ما تكون خستاوي، يوضع السمن العربي في مقلاة حتى يذوب بشكل جيد ثم يضاف إليه التمر ويخلط جيداً ويقدم ساخناً، والبعض يضيف إليه البيض العربي أيضاً.
الترفيه والألعاب التراثية القديمة
المحيبس: لعبة شعبية معروفة في البوكمال وخاصة في فصل الشتاء حيث يجتمع الأصدقاء ويتقابلون على شكل مجموعتين، يتم تحديد الرابح والخاسر على عدد الليالي المتفق عليها، فيقوم أحد الفريقين بإخفاء خاتم ذهبي صغير بين أيادي الفريق بعد أن يضعوا بطانية كبيرة تحجب عن الفريق الآخر رؤية الخاتم في أية يد، ثم يقوم شخص من الفريق الآخر محاولاً معرفة الخاتم من بين الأيادي المغلقة الممدودة حتى تتم معرفة مكان الخاتم بعد عدة محاولات.