شهد الواقع الثقافي والأدبي في الجزيرة ركوداً جليّاً على مستوى النشاطات خلال الأشهر الماضية بشكلٍ واضح، وذلك للظروف الأمنية والنزاعات والحروب التي شهدتها منطقة الجزيرة إلى أن تم التوصّل إلى اتفاق 29 كانون الثاني الموقّع بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة، وعندما ترتفع أصوات البنادق وأحاديث السياسة في أروقة الغرف المظلمة في مجتمعاتنا يغيب صوت المثقف الذي لم يلقَ سنداً من أصحاب السلطة وخاصةً في سوريا خلال القرن الماضي وصولاً إلى يومنا هذا، ولأن جميع السياسيين في سوريا الحديثة يتطلّعون للوصول إلى السلطة دونما أدنى تفكير ببناء مجتمع متعايش يقوم على العدالة وبناء الإنسان من خلال نشر ثقافة قبول الآخر والارتقاء بجميع أشكال الأدب والفنون وفسح المجال أمام شتّى أنواع التعبير عن الذات والمجتمع بجميع مشكلاته والتحديات التي يواجهها لتصدّر المشهد، نجد أن الواقع الثقافي يتأرجح أمام أي هبّة ريح مهما كانت خفيفة، وربما أن سوريا برمتها برهان حي على هذه الحالة
الثقافة خلال الأزمات
لم تكن الجزيرة السورية خلال جميع العصور الماضية رغم حالة التهميش المتعمد في الإطار الثقافي مستكينة لواقعها، بل كان كتّابها ومثقفوها وشعراؤها متمرّدين على الواقع وأصحاب عطاء مطلق يليق بكرم أهلهم من جميع فئات المجتمع وشعوبه، ولكن المرء مهما تمرد على واقعه، فإنه لا يستطيع أن يتجاوز المتغيرات الفكرية والأمنية خلال الحروب، ولابد أن تؤثر على نشاطه الثقافي، فيكاد ينعدم صوت القلم حين يعلو صوت الرصاص، وفي حوار خاص لصحيفتنا “روناهي” أشار الكاتب والناقد عبد الوهاب بيراني إلى أن الساحة الثقافية في الجزيرة تعيش حالة من الانكماش والتراجع المقلق، حيث توقّفت معظم الفعاليات والمجلات الثقافية عن العمل، وتجمّدت مشاريع طباعة الكتب التي كانت تنشر مجاناً، في مؤشّرٍ خطير على تراجع الاهتمام بالشأن الثقافي، والأخطر من ذلك هو تهميش دور المثقفين والكتّاب الكرد وإقصاؤهم عن الشأن العام، ليتم اختزال حضورهم في أدوارٍ هامشية كإلقاء الشعر والمواعظ أو الظهور العابر على الشاشات، في وقتٍ يُفترض أن يكون المثقف في صدارة المشهد أكثر يقظة وانخراطاً في القضايا المصيرية، ويعمل على توحيد الصفوف وتقريب المسافة بين اتحاداته وتياراته المتفرقة.
دور المثقف في المجتمع
وحول دور المثقف في بناء المجتمع قال “عبد الوهاب بيراني“: “إن استعادة الدور المجتمعي الحقيقي تتطلّب مد جسور التواصل مع المثقفين والكتّاب من سائر الشعوب السوريّة، والعمل معاً وبإخلاص من أجل تخفيف حدة خطابات الكراهية والتحريض، ورسم معالم طريق واضحة نحو الوفاق المجتمعي والأمان، بما يخدم كل السوريين على امتداد سوريا”.
أشكال الحضور الثقافي
وعن حضور المثقف في قلب الصراعات والحروب تابع بيراني: “إن المثقف بقي حاضراً عبر التاريخ في جميع الأزمات الاقتصادية والمجتمعية والسياسية والعسكرية”، وفيما يتعلق بدوره في الأزمة الماضية في شمال وشرق سوريا، أكد إن المثقف هنا بقي حاضراً عبر وسائل التواصل الافتراضي ومن خلال التواصل المستمر، ولكن شهدت الطباعة والمهرجانات توقفات لأسبابٍ لوجستية بالمقام الأول، منوهاً إلى حالة النشاط الثقافي والفني والأدبي بدأت تتعافى من خلال عدد من النشاطات التي انطلقت فعلياً، ولاسيما في إطار المسرح والشعر، وبيّن بيراني أن المثقف أسهم في هذه المرحلة الحساسة بالحفاظ على حالة التواصل الإيجابي بين جميع الشعوب والتصدي لخطاب الكراهية الذي حاولت بثه جهات معادية للشعب السوري، والابتعاد عن لغة المناطقية التي انتشرت بشدة خلال الفترة الماضية.
وفي ختام حديثه؛ دعا الكاتب والناقد “عبد الوهاب بيراني” جميع المثقفين لأخذ دورهم بشكلٍ فعّال خلال الفترة القادمة، وتكثيف النشاطات التي تعبّر عن هوية وثقافات شعوب الجزيرة السورية، وذلك بهدف الحد من ظاهرة العنف وتغليب لغة الحوار والارتكاز على رفع وتيرة النشاط الثقافي والأدبي في جميع الظروف والأوقات.