يبدو 17 حزيران 2026 على التقويم يوماً عادياً. لكن؛ في الذاكرة يبقى ظل “كوتشكيري” حاضراً، فتلك العملية التي بدأت عام 1921 على خط “سيواس -ديرسم” وقُمعت بالدم، ليست مجرد قصة تمرد، بل إنها اللحظة التاريخية الأقسى لولادة الدول القومية وسط انهيار الإمبراطوريات خلال الحرب العالمية الأولى.
بقيادة فرنسا وبريطانيا، بنت الحداثة الرأسمالية الدول القومية، وهي تحارب الإمبراطوريات، ولهذا، بنت الحداثة الرأسمالية الدول القومية لأول مرة على المستوى العالمي في سنوات الحرب العالمية الأولى، ومن هنا، ليس من الصعب أن نرى أن “كود” الدولة القومية الذي بُني قبل 100 عام لم يتغير بعد، ربما التاريخ لا يعيد نفسه. لكن؛ عندما يبقى نظام التشغيل هو نفسه، لا تتغير النتائج.
والمطالب التي قُمعت في “كوتشكيري وديرسم وآغري” آنذاك، وهي رغبة الشعب الكردي في تقرير مصيره، تُسأل اليوم بلغةٍ أخرى في روج آفا وباكور كردستان وباقي الأجزاء: “هل يمكننا العيش جنباً إلى جنب دون أمة واحدة؟”؛ هذا السؤال يجد جوابه اليوم بأوضح تعبير في نموذج “الأمة الديمقراطية”.
1918 ـ 1923.. سنوات إعادة رسم الخريطة
وعندما انتهت الحرب العالمية الأولى، انهارت الدولة العثمانية والنمسا – المجر وإمبراطورية الهابسبورغ وروسيا القيصرية، على الطاولة كان يُناقش “حق تقرير المصير للشعوب”، مبادئ ويلسون وشعار ثورة 17 تشرين الأول السوفييتية “حق الأمم في تقرير المصير” بدا واعداً للشعوب المظلومة المضطهدة، لكن عملياً، على الأرض، رسم الأقوياء الحدود ليس وفق الخريطة الإثنية، بل وفق خطوط النفط والسكك الحديدية التجارية والمضائق ومصادر المواد الخام، “لمن ستكون الموصل – كركوك؟ من سيتحكم بممر سيواس – ديرسم؟”.
وكان هم الدول الجديدة “الوحيد المركز”، في فراغ ما بعد الإمبراطورية، كان أسرع طريق لتثبيت السلطة هو التجانس “لغة واحدة، علم واحد، أمة واحدة”، في جغرافيا الشرق الأوسط، الاختلاف كان يعني كلفة إدارية، والتنوع كان يعني خطر التقسيم، والرأس مالية وافق على هذا الكود لمصالحه، شريك واحد، نظام ضرائب واحد، سوق واحدة، البنية التعددية كانت تصعّب طاولة المفاوضات.
وفي هذا التقاطع؛ اندلعت حركات التمرد الكردية الممتدة لقرون في “كوتشكيري” وأجزاء كردستان الأربعة، عندما طالبت العشائر بالحكم الذاتي، لم ترَ أنقرة في ذلك مجرد مطلب، بل محاولة لإدخال فيروس إلى كود الدولة القومية الوليدة، ولم يتأخر الرد.
وفي سنوات الحرب العالمية الأولى، مع ضعف الدولة العثمانية ومعاهدة سيفر الموقّعة في سياق مبادئ ويلسون، تحفّز الوعي القومي والوطني لدى الشعوب المظلومة الخاضعة لسيادة الاحتلال العثماني، عام 1918 تأسست في إسطنبول “جمعية كردستان العليا” بقيادة سيد عبد القادر، وتأسست 19 جمعية في مراكز عديدة من كردستان، كما تسبب شعار ثورة تشرين الأول 1917 “حق الأمم في تقرير مصيرها” أيضاً بانقسامات واختلافات في الرأي داخل جمعية كردستان العليا، بينما طالب الفريق الذي قاده “سيد عبد القادر أكسو” بالحكم الذاتي، أصرّت الكوادر المنظمة لانتفاضة كوتشكيري “نوري ديرسمي وعليشان بك وعلي شير” على كردستان مستقلة.
كوتشكيري 1921.. الاختبار القاسي الأول لكردستان المستقلة
في عام 1921، كانت أنقرة حديثة التكوين، طاولة لوزان لا تزال بعيدة، ومسألة الموصل وكركوك غامضة وموضوع مساومة بين الإنكليز والكماليين، في هذا الفراغ رفعت عشائر كوتشكيري مطلب “إدارة ذاتية”، مجرد المطلب لم يكن مقبولاً عند السلطة الكمالية آنذاك؛ لأن الدولة القومية الجديدة لم تثبت نفسها بعد، وفكرة “منطقة حكم ذاتي” داخل حدودها، قُرئت تهديداً مباشراً لوجودها.
وكان رد الدولة ثنائي الأبعاد، الأول أيديولوجي: شعار “أمة واحدة” لم يكن مؤسساً بعد، و”كوتشكيري” كان أول اختبار له، الحكم الذاتي كان يعني التقسيم بالنسبة للسلطة الكمالية.
أما الرد الثاني؛ فكان براغماتي: خط “سيواس – ديرسم” كان الممر الحيوي الذي يربط أنقرة بالشرق، الدولة التي لا تسيطر عليه لا تضمن مكانها على الخريطة، المنطق نفسه ساري على النفط وطرق التجارة مع بريطانيا وفرنسا.
واستمرت عملية القمع فترة قصيرة لكن أثرها طويل، أُخليت القرى، نُفي القادة، رُبطت المنطقة بالمركز بشكل أوثق، ارتُكبت مجازر، أُحرقت القرى والبلدات، فبالنسبة للكماليين الذين بنوا دولتهم القومية على أنقاض العثمانيين، يجب أن تكون الدولة القومية متجانسة، وتُقمع المطالب البديلة بالقوة، مذبحة كوتشكيري عام 1921 أصبحت قالب السنوات الـ100 التالية، كل انتفاضة من الشيخ سعيد إلى آغري إلى ديرسم اصطدمت بالقالب نفسه.
الانعكاس المشترك للدولة في القرن العشرين
ومع “كوتشكيري”، بدأت الدولة القومية، وطوال 100 عاماً كان الانعكاس المشترك للدول الأربع التي استعمرت كردستان “تركيا، إيران، العراق، سوريا”، أيديولوجياتها وأنظمتها ومذاهبها مختلفة، واحدة جمهورية علمانية مزعومة، وأخرى جمهورية إسلامية، وأخرى بعثية، وأخرى بقايا ملكية، لكن عندما يتعلق الأمر بـ “القضية الكردية” قالوا جميعاً الجملة نفسها “دولة موحدة، وحدة لا تتجزأ”.
لماذا؟ لأنها جميعاً خرجت من القالب نفسه بعد 1923، الحدود التي رُسمت باتفاقية سايكس – بيكو ولوزان كانت مصطنعة، والطريقة الوحيدة لحماية هذا الاصطناع كانت “إبقاء الداخل متجانساً”، فعندما قُسم الكرد على أربع دول، تحركت كل دولة بالنظر إلى الثلاث الأخرى، خوف من تأثير الدومينو “إذا مُنحت الحكم الذاتي في واحدة، سيرتفع المطلب في الأخرى”، خوف أنقرة عام 1921 هو نفسه خوف طهران وبغداد ودمشق عام 2026.
ولهذا أصبحت القضية الكردية “جرحاً نازفاً”، ديموغرافياً (50-60) مليون نسمة موزعين على أربع دول، جيوسياسياً: “نفط كركوك، مياه دجلة والفرات، ممر تركيا – إيران” كلها فوق المناطق الكردية، الكود: “شعار الأمة الواحدة”، عندما اجتمعت هذه الثلاثة، لم تُحل المشكلة بل جُمّدت، والمشكلة المجمّدة لا تزال تنزف بعد 100 عام.
القرن 21.. الكود لم يتغير والأدوات تحدثت
في عام 1921 قمعت “كوتشكيري” مدفعية وسلاح الفرسان، وفي عام 2026 الأدوات تغيرت لحماية الكود نفسه. لكن؛ المنطق هو نفسه، مكان الجيش جاء الحصار والعزلة وعرقلة الشرعية الدولية.
الأنظمة الملكية والدول القومية تريد أن تقود القرن 21 بشعار “الاستقرار”، الاستقرار يعني “الحدود تبقى، الأنظمة تبقى، تدفق النفط والغاز يستمر وفق المصالح المشتركة الإقليمية والعالمية، ورأس المال العالمي على الطاولة أيضاً”، فأمريكا، روسيا، الصين، والاتحاد الأوروبي، جميعهم يفضلون نموذج “شريك واحد، توقيع واحد”، البنية الكونفدرالية ذات المجالس المحلية والتعددية “محفوفة بالمخاطر” و”كلفتها التفاوضية عالية” بالنسبة لرأس المال، الملكية أو الدولة الاستبدادية تعني اتفاقاً سريعاً وعقداً مضموناً.
لذا، يعد نموذج “روج آفا” تهديد مزدوج للنظام، داخلياً يقدم مثالاً للعرب والسريان والتركمان “أنت أيضاً يمكنك تشكيل مجلس”، وخارجياً يقول: “يمكن الإدارة بدون دولة”، ما سمّته أنقرة “فيروساً” عام 1921، أصبح اليوم ما تسميه واشنطن وموسكو “عدم استقرار”.
روج آفا.. ممارسة نموذج الأمة الديمقراطية
وبعد 2012 خرجت روج آفا، بدون ادعاء بناء دولة، وبدون حلم هدم الحدود، لكن بطرح فلسفة “العيش المشترك”، قامشلو، كوباني، الجزيرة، ما يُجرّي هنا بسيط لكنه جذري، الأمة الديمقراطية بدل الدولة القومية.
ماذا يعني ذلك عملياً؟، الكومونات، مجالس الأحياء، مجالس المقاطعات، الكردية والعربية والسريانية لغات رسمية، نظام الرئاسة المشتركة، مجالس المرأة، مجالس الشباب، الأرض ليست جماعية لكن القرار محلي، الفلاح الذي ينتج زيته وقمحه يقرر في المجلس لمن وأين سيعطي ضرائبه.
لماذا يزعج هذا النموذج الدول الأربع ورأس المال العالمي؟ لأنه مُعدٍ، إذا قال عربي في الشام “نحن أيضاً يمكننا إدارة حينا هكذا”، وإذا قال تركي في أنقرة “المركز لا يجب أن يقرر كل شيء”، سينهار عقل الدولة القومية الواحدة، الأنظمة لا تُهدم بالسلاح، بل تُهدم بالمثال، وروج آفا تهدد عبر صمودها على مدى 13 عاماً، إثبات أنه يمكن أن يكون بطريقة أخرى.
الحصار والمقاومة.. أين الأمل؟
الحصار حقي، الحصار الاقتصادي، إغلاق المعابر الحدودية، غياب الاعتراف الدولي، التهديد العسكري، نسخة القرن 21 للحصار الذي طُبق على كوتشكيري عام 1921، الدول ورأس المال يعملون بالمنطق نفسه “إذا خنقت النموذج ينهار”.
لكن الأمل أيضاً حقي، لأن الحصار يصعّب الاقتصاد ويُتعب الإنسان لكنه لا يمحو الذاكرة، في عام 1921 ظنوا أنهم سيمحون الذاكرة بإخلاء القرى، لكنه لم يحدث، وفي عام 2026 يظنون أنهم سينهون الأمل بالحصار، لكنه لن يحدث مجدداً.
الأمل في المجالس، في مقاعد المدارس، تحت شجرة الزيتون، الشباب يتعلمون بالكردية، النساء يتخذن القرار في مجالسهن، الجيران يتقاسمون الخبز في الأزمات، الأنظمة تلعب ضد الزمن، والمقاومة تجري من داخل الزمن، كود الـ “100 عاماً” يتصدع لأن كل جيل جديد يشك بتلقينة “لغة واحدة، هوية واحدة”.
الكود الواحد الذي أُسس في “كوتشكيري” عام 1921 صمد 100 عاماً، أربع دول ورأس المال العالمي والأنظمة الملكية استخدموا كل الأدوات لحماية هذا الكود، لكن من الواضح أيضاً أن الكود يتشقق، لأن قرن الـ “21 “، لم يعد عصر التجانس، أزمة المناخ، الهجرات، الشبكات التكنولوجية، الهويات التعددية، كلها تضغط على فانتازيا “المركز الواحد”.
فتجربة روج آفا ليست مثالية، لكنها هامة، وأهميتها تأتي من هنا: “أنها لا تزال صامدةً أمام مؤامرات القوى الإقليمية والعالمية، وتجسد على الأرض أطروحات (الإدارة بدون دولة، الديمقراطية التعددية، بدون حرية المرأة لا يتحرر المجتمع)”.