No Result
View All Result
كاوە نادر قادر
تأتي أول زيارة رسمية لتوم باراك إلى بغداد وهولير منذ تكليفه بالملف العراقي من جدید، بصفته مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سوريا والعراق وسفير الولايات المتحدة لدى تركيا، في توقيتٍ حساس تشهده المنطقة وسط متغيرات سياسية وأمنية متسارعة، وإعادة رسم لموازين القوى الإقليمية، ولا يمكن النظر إلى هذه الزيارة باعتبارها مجرد تحرك دبلوماسي اعتيادي، بل بوصفها جزءاً من رؤية أمريكية أوسع لإعادة ترتيب أولوياتها ومصالحها في العراق وسوريا.
وقد كتب باراك تدوينة على منصة «إكس» ذكر فيها “إنه سيلتقي برئيس مجلس الوزراء العراقي علي الزيدي، لينقل إليه دعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحكومة العراقية”، وأضاف “إنه سيناقش مع الزيدي الشراكة الاستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة، بهدف رسم مسار جديد لعلاقة قوية ومستدامة بين الجانبين”.
ويحتل إقليم كردستان موقعاً محورياً في هذه المعادلة، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، بل أيضاً بسبب خصوصيته السياسية وتجربته الفيدرالية التي تشكل استثناءً في المنطقة. غير أن التحولات الجارية توحي بأن واشنطن باتت تميل إلى مقاربة تركز على تعزيز سلطة الحكومات المركزية في بغداد ودمشق، باعتبارها الضامن الأول للاستقرار وحماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الأمريكية.
ومن هذا المنطلق، قد تجد التجربة الفيدرالية في إقليم كردستان، والإدارة الذاتية في روج آفا وشمال وشرق سوريا؛ نفسيهما أمام تحديات متزايدة. فالإدارة الأمريكية الحالية تنظر إلى ملفات المنطقة من زاوية المصالح والاستقرار أكثر من نظرها إلى قضايا القوميات وحقوق الشعوب، وهو توجه ينسجم، بدرجاتٍ متفاوتة، مع سياسات تركيا وبعض القوى الإقليمية التي تنظر بعين القلق إلى أي توسع في النفوذ السياسي الكردستاني.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن فصل هذه التطورات عن الأزمات الداخلية التي يعاني منها البيت الكردستاني نفسه، فاستمرار الخلافات بين الأحزاب الكردستانية، وتراكم ملفات الفساد، وضعف المؤسسات، يضعف القدرة على مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية، ويمنح الأطراف الأخرى فرصة أكبر للتأثير في مستقبل الإقليم ومساره السياسي.
ومن بين الملفات التي يُعتقد أنها تحظى باهتمام خاص خلال هذه المرحلة، قضية إعادة تفعيل مشاريع الطاقة والنفط بين العراق وسوريا، بما في ذلك إمكانية نقل النفط عبر الأراضي السورية إلى موانئ البحر المتوسط، ولا سيما مينائي بانياس واللاذقية. وتُفسَّر التحركات العسكرية والأمنية الأخيرة بين بغداد وإقليم كردستان في إطار التمهيد لمشاريع استراتيجية تتجاوز حدود البلدين، وترتبط بإعادة تشكيل شبكة المصالح الاقتصادية في المنطقة. ومع ذلك، فإن أي مشروع لإعادة هندسة التوازنات السياسية في الشرق الأوسط سيواجه عقبات كبيرة إذا تجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا وتطلعات الشعوب، فالقضية الكردستانية ليست مجرد ملف أمني أو إداري يمكن حسمه بقرارات سياسية أو تفاهمات إقليمية، بل هي قضية شعب يمتلك هوية وطنية ومطالب سياسية تراكمت عبر عقود طويلة من الصراع والتضحيات.
إن الرهان على الاستقرار القائم على المركزية وحدها قد يوفر حلولاً مؤقتة لبعض الأزمات، لكنه قد يفتح الباب أمام أزمات أكثر تعقيداً إذا جرى تجاهل المطالب القومية والديمقراطية للشعوب المختلفة. كما أن أي محاولة لإضعاف المكاسب القومية الكردستانية القائمة من دون تقديم بدائل عادلة ومستدامة قد تؤدي إلى نتائجٍ عكسية، ليس على الكردستانيين وحدهم، بل على استقرار المنطقة بأكملها.
لذلك، فإن زيارة توم باراك تمثل اختباراً حقيقياً للسياسة الأمريكية الجديدة في العراق وسوريا، فإما أن تكون مدخلاً لمعالجة التناقضات القائمة عبر حلول متوازنة تراعي حقوق جميع الأطراف، وإما أن تتحول إلى خطوةٍ تساهم، بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة، في إنتاج تحديات وأزمات جديدة في منطقة لا تزال تعاني أصلاً من فائض الأزمات.
ويبقى السؤال قائماً: هل تحمل هذه الزيارة مشروعاً لحل المشكلات المتراكمة، أم أنها تمثل بداية مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ على حساب الاستقرار والحقوق السياسية للشعوب؟
No Result
View All Result