مرة أخرى، تعود الرسائل السياسية الكردية لتضع ملف الوحدة في صدارة المشهد، وهذه المرة عبر رسالة عبد الله أوجلان، إلى المؤتمر الوطني الكردستاني KNK، بالتوازي مع رسالة مشتركة للقياديين في منظومة المجتمع الكردستاني، جميل بايك، وقائد قوات الدفاع الشعبي، مراد قره يلان. لكن ما يلفت الانتباه في تلك الرسائل، ليس فقط مضمونها، بل توقيتها الهام للغاية، وحدّة اللغة المستخدمة في توصيف الواقع الكردي، ووحدة الصف الكردي المهددة، والخطر الوجودي عليهم، في ظاهر الخطاب، نحن أمام دعوة سياسية تقليدية إلى التماسك والوحدة والتكاتف، لكن في العمق، نحن أمام قراءة أكثر قلقاً لمصير التمثيل السياسي الكردي، في لحظة إقليمية، لم تعد تمنح هامشاً واسعاً للمناورة، في ظل التطورات والأحداث المتسارعة التي تجري على قدم وساق في الشرق الأوسط، لإعادة رسم الخرائط من جديد.
هذه الرسائل، في مضمونها السياسي، لا تبدو مجرد مواقف توجيهية، بل أقرب إلى محاولة إعادة ضبط إيقاع الخطاب الكردي العام، عبر تثبيت عنوانين رئيسيين، “الوحدة الوطنية الكردية، والخيار الديمقراطي”، مقابل التحذير مما يُوصف بـ “الخطر الوجودي” والتشرذم الداخلي.
الوحدة الوطنية شرط البقاء
ما يطرحه القائد والمفكر عبد الله أوجلان؛ في رسالته، يتجاوز لغة التوجيه السياسي المعتادة، الوحدة هنا لا تُقدَّم كخيار أخلاقي أو هدف وطني فحسب، بل كشرط للبقاء ووجود الفاعلية السياسية الكردية نفسها، هذه النقلة مهمة جداً في الخطاب السياسي الكردي، فهي تعكس انتقالاً من خطاب “إدارة التعدد” إلى خطاب “منع الانهيار”.
فحين تصبح الوحدة شرطاً وجودياً، فإن كل خلاف داخلي يتحول تلقائياً إلى عبء استراتيجي، وكل انقسام إلى تهديد مباشر للقدرة السياسية الكردية على التفاوض والبقاء، لكن المشكلة التي لا تقولها الرسالة صراحة، هي أن الوحدة، رغم ضرورتها، ليست قراراً سياسياً بسيطاً، بل نتيجة توازنات معقدة بين قوى تمتلك رؤى مختلفة، وأحياناً مشاريع متنافسة على تمثيل “معنى الوجود الكردي” نفسه.
في رسالته، يقدّم القائد عبد الله أوجلان، مقاربة تقوم على فكرة أن المرحلة الحالية لا تسمح بالترف السياسي، أو تعدد المسارات المتصارعة، الرسالة تُبرز أن وحدة الصف الكردي، ليست شعاراً، بل شرط بقاء سياسي في بيئة إقليمية متحركة، اللافت هو الانتقال من لغة (المشروع السياسي)، إلى لغة (الضرورة التاريخية)، حيث يتم تصوير الوحدة باعتبارها خط الدفاع الأول، عن الوجود الكردي، وليس مجرد خيار تنظيمي بين أطراف متعددة، وتعيد الرسالة التأكيد على الخيار الديمقراطي كإطار واقعي، في محاولة لتثبيت فكرة أن الحلول العسكرية أو الأحادية، لم تعد قادرة على إنتاج نتائج استراتيجية مستقرة.
كما أن الرسالة المشتركة، لكل من الرئيس المشترك لمنظومة المجتمع الكردستاني، جميل بايك، والقائد العام لقوات الدفاع الشعبي (الكريلا)، مراد قرة يلان، جاءت بلغة أكثر حدّة وواقعية ميدانية، هنا، لا يعود الحديث مجرد تنظير سياسي، بل توصيف لوضع أمني وسياسي ضاغط، يتمثل عبر تهديدات متعددة، وتوازنات إقليمية متحركة، ومحاولات لإعادة تشكيل الوقائع على الأرض.
واللافت في الرسالة، أن مفهوم “الخطر الوجودي” يتحول هنا إلى إطار تفسيري شامل للقضية الكردية، فهو لا يشير فقط إلى تهديد خارجي، بل أيضاً إلى ما يُفهم كضعف داخلي، ناتج عن الانقسام والتشتت، غير المنسق بين القوى والأحزاب الكردية والكردستانية، بهذا المعنى، حيث يصبح الانقسام الداخلي ليس مجرد خلاف سياسي، بل نقطة ارتكاز للتهديدات الخارجية نفسها.
الرسالة تتحدث عن: “ضغوط عسكرية مستمرة على مناطق نفوذ كردية، وتدخلات إقليمية تعيد تشكيل التوازنات، وتصاعد الانقسامات بين القوى الكردية، ومحاولات تقليص المكاسب السياسية المتحققة”، هذا التوصيف يرفع مستوى الخطاب من السياسة إلى مستوى “الإنذار السياسي”، حيث يتم تقديم الوضع كمرحلة حساسة تتطلب استجابة كردية موحدة وسريعة.
نقطة الالتقاء والخطر الوجودي
رغم اختلاف السياق بين الرسالتين، إلا أن نقطة التقاطع الأساسية واضحة، وهي مسألة الوحدة الكردية، بوصفها شرطاً أساسيا لمواجهة التهديدات، في كلا الخطابين، لا تُقدَّم الوحدة كهدف مثالي، بل كأداة عملية لمواجهة، الانقسام الداخلي، والضغوط الإقليمية، وتراجع القدرة التفاوضية، ومخاطر إعادة رسم خرائط النفوذ الكردي، وهنا يبرز بوضوح خطاب “مواجهة التقسيم”، ليس فقط بمعناه الجغرافي، بل بمعناه السياسي الداخلي، أي منع تفكك القرار الكردي نفسه.
توجيه الرسائل إلى المؤتمر الوطني الكردستانيKNK” ” خلال عقده لاجتماعه الرابع والعشرين، ليس محض صدفة، ولا تفصيل بروتوكولي شكّلي، بل هو إشارة واضحة إلى محاولة إعادة تعريف دور المؤسسات الجامعة في المشهد الكردي، لكن السؤال الجوهري هنا، هل يمكن لمؤسسة جامعة أن توحّد أطرافاً تختلف ليس فقط في التكتيك، بل في تصورها لطبيعة الحل السياسي نفسه؟
الواقع يشير إلى أن “KNK” يقف أمام اختبار صعب، إما أن يتحول إلى مساحة تقارب حقيقي عبر التوجه إلى من بقي خارج اطاره، ونقصد هنا الحزب الديمقراطي الكردستاني، في باشور كردستان، أو يبقى إطاراً رمزياً يعكس وحدة خطابية أكثر مما يعكس وحدة سياسية فعلية، بمعنى آخر عليه التحول من منصة تنسيقية إلى مساحة محتملة لإعادة إنتاج “خطاب كردي موحد”، أو على الأقل تقليص فجوة الانقسام بين المشاريع السياسية الكردية المختلفة. لكن؛ هذا الطموح يصطدم بواقع سياسي معقد، حيث تتعدد مراكز القرار الكردي، وتختلف أولويات القوى الفاعلة ميدانياً وسياسياً.
استخدام مفهوم “الخطر الوجودي” في الرسائل، ليس تفصيلاً لغوياً، بل أداة سياسية واضحة، تهدف إلى، رفع مستوى الاستنفار السياسي، وتبرير الحاجة إلى الوحدة العاجلة، وإعادة ترتيب الأولويات داخل البيت الكردي، ودفع الأطراف المختلفة نحو تقليل التباينات، لكن هذا الخطاب يحمل أيضاً بعداً حساساً، إذ يعكس إدراكاً بأن المرحلة ليست فقط مرحلة تفاوض سياسي، بل مرحلة إعادة تموضع إقليمي شامل.
يمكن قراءة هذه الرسائل كجزء من محاولة لإعادة تموضع الخطاب السياسي الكردي، على ثلاثة مستويات:
المستوى الأول، داخلياً: تقليل حدة الانقسام بين القوى الكردية في كل جزء من أجزاء كردستان.
اما الثاني، سياسياً: تعزيز فكرة الحل الديمقراطي كخيار رئيسي بعيداً عن مسألة الحرب والحسم العسكري.
وثالثاً، إقليمياً: رفع مستوى الجاهزية لمواجهة الضغوط والتغيرات، خاصة تلك التي قد يجلبها معه المبعوث الأمريكي، توم باراك إلى المنطقة، وهي بالمجمل ستكون ضد الكرد، كما جرى في روج آفا، وربما لاحقا في باشور، وروجهلات كردستان.
هذا التموضع لا ينفصل عن التحولات الإقليمية وحتى الدولية، حيث بات ملف القضية الكردية، تؤثر وتتأثر بالتوازنات في الشرق الأوسط، ومصالح القوى الإقليمية والدولية.
رسائل القائد عبد الله أوجلان، وقيادة حركة الحرية الكردستانية، إلى KNK””، تجمع على تقديم رؤية سياسية تقوم على معادلة واضحة، لا وحدة بلا إدراك للخطر، ولا مواجهة للخطر دون تحقيق الوحدة، ولا استقرار دون مسار ديمقراطي، لكن بين الخطاب والطموح، يبقى التحدي الحقيقي في قدرة القوى الكردية، على تحويل هذا التوافق النظري، ونتائج الخطابات والمؤتمرات والندوات، إلى آليات عملية قابلة للتطبيق في بيئة سياسية شديدة التشظي والتعقيد.
اليوم، تبدو القضية الكردية، أمام مفترق طرق واضح، إما أن تتحول “الوحدة الوطنية”، من شعار يتكرر قوله، إلى هندسة سياسية واقعية، أو تبقى عنواناً دائماً لمرحلة انتقالية لا تنتهي، وفي كلتا الحالتين، فإن الرسائل الأخيرة لا تعكس فقط موقفاً سياسياً، بل تعكس أيضاً قلقاً متزايداً من أن الزمن السياسي الكردي، لم يعد يسمح بهوامش التأجيل الطويل، وتحقيق الوحدة لأن مصير الشعب الكردي، مرهون بتحقيق وحدة الصف.