مع انهيار الاشتراكية الواقعية أواخر التسعينيات، أعلنت الحداثة الرأسمالية “انتصارها” وروّجت لفكرة “نهاية الأيديولوجيات وتاريخ الفكر”. قيل إن الليبرالية ستجلب الديمقراطية عالمياً بقوة التكنولوجيا. لكن؛ بالون “الديمقراطية الليبرالية” انفجر بأزمات 2008-2009 المالية. الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية رفيقة بنيوية للحداثة الرأسمالية، وكل أزمة كبرى تجلب معها اضطرابات اجتماعية وحروباً.
الأسطورة المؤسسة للسياسة الحديثة: “بدون دولة لا نظام”
منذ أن كتب توماس هوبز اللفياثان عام 1651، زعم إن الإنسان في “الحالة الطبيعية” يذبح بعضه، ولا ينجو إلا بالخضوع لسلطة مطلقة. منذ ذلك اليوم قُدّست الدولة كضامنٍ وحيد ضد الفوضى، كمنتجٍ وحيد للأمن، وكمصدرٍ وحيد للهوية.
لكن القرن 21 هو قرن تصدّع هذه القداسة، الدولة – القومية عاجزة عن إدارة التعددية داخلها، وتفقد سيادتها أمام رأس المال العالمي. الحدود تصبح منفذة أمام البشر ورؤوس الأموال، والهويات لا تسعها لغة واحدة، وأجهزة الأمن تنتج خوفاً بقدر ما تعجز عن إنتاج حلول.
في لحظة الانهيار هذه، يفتح “الطريق الثالث” الذي صاغه القائد عبد الله أوجلان بعد 1999، وصياغته النظرية “الكونفدرالية الديمقراطية”، باباً مختلفاً أمام الفكر السياسي الحديث. ويقدم منظوراً جديداً لنضال الحرية والديمقراطية للعالم والمنطقة والشعب الكردي.
كيف تقدّست الدولة القومية؟
الدولة القومية لم تنزل من السماء، هي نتاج ثلاث قطائع كبرى في تاريخ الفكر السياسي للحداثة الرأسمالية:
1ـ 1648 صلح وستفاليا: أقام نظام دول قائمة على الإقليم بدل السلطة الدينية في أوروبا.
2ـ نظرية السيادة المطلقة لجان بودان: وضعت فكرة أن الدولة صاحبة القرار النهائي داخل حدودها في مركز السياسة.
3ـ القرن 18-19 وعصر التنوير: نقل مصدر السيادة من الله إلى “الأمة”، وافترضت “الإرادة العامة” لروسو إمكانية مجتمع سياسي متجانس. كما قال بنديكت أندرسون، “الأمة” مجتمع “مخترع” عبر اللغة المطبوعة والتعليم الموحّد والبيروقراطية المركزية.
من القرن 19 حتى اليوم ختمت الحداثة الرأسمالية الدولة القومية بوظيفة اقتصادية، عرّف كارل ماركس الدولة القومية كبنيةٍ فوقية تضمن علاقات الإنتاج الرأسمالية. العملة الوطنية، الجمارك، الضرائب… كلها لضمان تراكم رأس المال داخل الحدود القومية. وبحسب إيمانويل والرشتاين، الدولة القومية هي “الغلاف السياسي” للاقتصاد الرأسمالي. وفي القرن 20 عرّف ماكس فيبر الدولة بأنها “المؤسسة التي تحتكر العنف المشروع”، بينما فسّرها لينين كأداة قمع للطبقة الحاكمة، هكذا أصبحت مفاهيم “الأمن القومي”، “البقاء”، “النظام العام” أدوات خطابية تعيد إنتاج قداسة الدولة، فأصبح أي نقد يُقرأ كعداء للأمن.
الطريق الثالث: لا دولة.. لا انفصال
تحوّل فكر القائد عبد الله أوجلان بعد 1999 إلى سحب السياسة الكردية من قطبين: لا الالتحاق بالدولة القائمة، ولا إقامة دولة قومية كردية مستقلة. في “الكونفدرالية الديمقراطية” 2005 و”المانيفستو الاجتماعي – علم اجتماع الحرية” 2011 سمّى هذا “الطريق الثالث”.
تشخيصه واضح: في القرن 21 تعيش الدولة لقومية أزمة، رأس المال القومي تعولم، والهويات لم تتجانس، إذن الحل ليس تأسيس دولة قومية أخرى تعيد إنتاج الأزمة نفسها، الحل هو بناء شبكة إدارة ديمقراطية كومونالية تعمل داخل حدود الدولة لكن خارجها.
الأركان الأربعة للنموذج
سياسة بلا دول: الإدارة من الأسفل إلى الأعلى. الكومون، الحي، القرية، مجلس المدينة هي الوحدات الأساسية. الهدف تمييع الفصل بين “الحاكم والمحكوم”.
الأمة الديمقراطية: مقابل طلب التجانس العرقي – الثقافي للدولة – القومية، تقترح “الأمة الديمقراطية”، المواطنة لا تقوم على رابطة الدم أو لغة واحدة، بل على العيش المشترك وممارسات القرار المشترك، حيث تتيح للهويات القومية والإثنية والثقافية والدينية التعبير عن نفسها بحرية داخل الأمة الديمقراطية.
الاقتصاد الكومونالي والمجتمع الإيكولوجي: مقابل منطق النمو والربح للحداثة الرأسمالية، تُطرح مفاهيم “الاقتصاد الكومونالي” و”الصناعة الإيكولوجية”. الملكية لا تتمركز، بل تُوزّع في التعاونيات المحلية.
نموذج تحرير المرأة: السلطة الأبوية، حسب تحليل القائد أوجلان، هي بداية المجتمع الملكي. شعار “Jin Jiyan Azadî – المرأة، الحياة، الحرية” يعني أن تحرر المرأة هو استجواب كل أشكال السلطة الهرمية.
الأمن.. الحدود.. رأس المال: نقد الانعكاس
أكثر ادعاء راديكالي للكونفدرالية الديمقراطية هو “فكّ الأمن عن الدولة”. السياسة الحديثة تعادل الأمن باحتكار الدولة للعنف. لكن؛ التاريخ يرسم صورةً مختلفة. يبيّن الأنثروبولوجي جيمس سكوت أن مناطق جبلية لم تصلها الدولة حافظت قروناً على نظام بلا دولة. تقاليد “مالا جل” في القرى الكردية، و”الإيميجه” في إيجه، وقانون الجوار في البحر الأسود أمثلة على ذلك.
الكونفدرالية الديمقراطية تقترح تأسيس ذلك: وحدات دفاع الحي، قوة الدفاع الذاتي للمجتمع، مجالس الشعب المحلية، ونظام الحدود والجمارك والضرائب للدولة القومية قائم لاستمرار الحداثة الرأسمالية. البضائع المهربة، العمل المهرب، الفكر المهرب… كلها موضوع أمن الحدود.
الكونفدرالية الديمقراطية تهدف لإضعاف مطلَقية الحدود القومية عبر تقوية الروابط الثقافية والاقتصادية العابرة للحدود.
النقطة الحرجة: القائد أوجلان لا يريد “هدم” الدولة، بل “إخراجها من دائرة الحاجة”. تُعرّف الضريبة لا كخدمةٍ للوطن بل كتمويلٍ مشترك للحاجات المشتركة، وتُعرّف الحدود لا كأمن للبقاء بل كحدٍ للتواصل الثقافي.
تجربة روج آفا والأمثلة العملية
الكونفدرالية الديمقراطية لم تبقَ حبراً على ورق. منذ 2012 تحوّلت لتجربةٍ عملية في شمال سوريا، روج آفا، تأسست كانتونات الجزيرة، كوباني، عفرين. وبعد 2017 تأسست الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا. نوقشت القرارات في مجالس الأحياء وصُوّت عليها في الكومونات المشتركة. تأسست مجالس نسائية منفصلة. بدل الضرائب كانت الميزانية المشتركة للكومونات، وبدل الشرطة وحدات حماية المجتمع، وبدل الوالي مجالس تنسيق منتخبة.
الأمن لم يُفوّض للقوى المسلحة وحدها. تأسست وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، هذا تحدي مباشر لأطروحة فيبر عن “احتكار الدولة للعنف”، وفي الاقتصاد تأسست تعاونيات كومونالية، إنتاج مشترك في الزراعة والمخابز والنسيج. الأساس كان تلبية الحاجة لا منطق الربح.
بالطبع ظهرت الحدود. اضطرت الكانتونات للتعامل مع فاعلين دوليين أمام التهديد الخارجي، عاش الاقتصاد الكومونالي تحت الحصار والحرب لكنه لم ينمُ، هذا أظهر أكبر معوّق للطريق الثالث: تجاوز الدولة القومية ممكن فقط بقدر ما تتحول الدولة القومية عبر التكامل الديمقراطي.
روج آفا ليست المثال الوحيد. الزاباتيستا في المكسيك تدير كومونات مستقلة في تشياباس منذ 1994. بلديات كاتالونيا في إسبانيا، وتجربة التعاونيات في إميليا – رومانيا بإيطاليا… الدرس المشترك: الطريق الثالث ينمو عبر التكامل الديمقراطي لا بالثورات الكبرى وحدها.
السياق التركي والشرق أوسطي: الإمكانيات والنقد
تركيا والشرق الأوسط مجتمع متعدد الثقافات: كرد، علويون، أرمن، سريان، تركمان، لاز، بلوش… إلخ. كلما قمعت الدولة القومية هذا التعدد بشعار “أمة واحدة” تعمّقت الأزمة. الكونفدرالية الديمقراطية تفتح هذا الباب: الإدارات المحلية، التعليم باللغة الأم، التعاونيات… ثقافة الإيميجه والتكافل الموجودة في كل بلد هي الأرضية المحلية للاقتصاد الكومونالي.
لكن هناك ثلاثة انتقادات أساسية:
نقد الأمن: “إذا ضعف المركز تحدث الفوضى”. جواب الطريق الثالث: الأمن يُنتَج من الكومونات أيضاً، لكن ذلك يتطلب أن تفتح الدولة المجال.
نقد رأس المال: هل يصمد الاقتصاد الكومونالي أمام رأس المال العالمي؟ روج آفا تثبت أنه يعيش. الجواب: لا نرفض الاقتصاد القومي، لكن نقلل الاعتماد عليه.
من القداسة إلى الفعالية: قداسة السياسة الحديثة هي الدولة. الكونفدرالية الديمقراطية تستجوب هذه القداسة. لكن؛ الاستجواب ليس هدماً، هو سؤال: “كيف يمكن أن يكون غير ذلك؟”.
نموذج الدولة القومية لـ 200 عاماً يحمي نفسه بكماشة الأمن ورأس المال والهوية. الطريق الثالث يقترح ثلاث ركائز لكسر هذه الكماشة: سياسة بلا دولة، اقتصاد كومونالي، نموذج تحرير المرأة.
قد تكون هذه الركائز ضعيفة اليوم. لكن؛ كلما تزعزعت الدولة القومية أكثر، ستقوى هذه الركائز، لأن الناس لا يؤمنون بالمقدّس، بل بما يعمل.