تعكس امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانويّة العامة أزمة بنيويّة في عملية التعليم تتجاوز قاعة الامتحان لتشمل كامل مفردات العمليّة الطلاب والكادر التعليميّ والأهالي والمنهاج، ورغم حقيقة أنّ الامتحانات ليست هدفاً بحد ذاته بل مضمون التعليم وأساليبه وسوية المعلومات وتوافقها مع حاجات المجتمع، فقد كان بروز الجدل حول امتحان مادة الرياضيات للثانوية العامة ــ الفرع العلميّ دليل أزمة في جودة التعليم بصرف النظر عن انقسام الآراء حول الامتحانات بين مدافع مبررٍ، ومنتقدٍ محتجٍ.
الفروقات بين مدخلات التعليم ومخرجاته
التعريف المباشر للامتحان هو استرجاع معلومات محددة ضمن معدلات زمنية محددة، ورغم بساطة التعريف إلا أنّه يشمل عوامل عديدة، فالمعلومات المسترجعة لها علاقة بالمنهاج المقرر وأسلوب التعليم وبيئته وظروفه، وبمستوى تأهيل المدرسين، وطريقة تثبيت المعلومات ودور العائلة، فيما مشهد قاعة الامتحان هو الأخير ويتعلق بنوعية الأسئلة وحتى أسلوب المراقبة وصولاً للتصحيح، وسلامة عملية التعليم تعني توفر شروط الأمن والاستقرار والسلامة البدنيّة والنفسيّة، ولكن ثمة عامل أضحى محوريّاً في التعليم وهو توفر المال الكافي لتغطية نفقات المعاهد الخاصة والدروس الخصوصيّة في المنزل. ووفقاً لذلك؛ فإن الامتحان ينطوي على شموليّةٍ تتجاوز الطلاب أنفسهم. في المشهد الأخير يجب أن تكون الأسئلة متوازنة ومتدرجة تعكس مستويات الطلاب بدقة. معلومٌ أنّ امتحان الشهادتين الإعداديّة والثانويّة ذات طابع وزاريّ ويشمل المدارس الحكوميّة في سوريا، ولكنه لا يأخذ بالاعتبار التباين بين مستويات التعليم بين المحافظات ولا الظروف الأمنيّة فيها، كما أنّ كل مدارس سوريا لا يمكنها إنهاء المنهاج المدرسيّ، بل تراجع الاعتماد على التعليم الحكوميّ منذ سنوات طويلة، وعدد أيام المدرسة لا تكفي إنهاء المنهاج. وهذا سبب لجوء الطلاب لارتياد المدارس ومعاهد التعليم الخاصة أو الدروس الخصوصيّة في المنزل.
السؤال؛ كيف تجري وزارة التربية امتحاناً لمنهاج لم تستكمل المدارس الحكوميّة تدريسه بالشكل الأمثل، فهي بذلك تطلب من الطالب ما لم تعطه، وكأنها مجرد صياغة المنهاج هو تمام العطاء والواجب، وهذا غبن كبير ليس للطالب بل لجوهر مسألة التعليم. فيما الحديث عن طبيعة الأسئلة وتناسبها مع الوقت مسألة تقنيّة يجب أخذها بعين الاعتبار إضافة إلى تباين مستويات بين المحافظات ومن مدرسة لأخرى بل حتى من مدرس لآخر، والمسألة هنا تتعلق بعدالة التعليم.
مشهد استنفار الأهالي أمام مراكز الامتحانات، ما يعكس قلقاً يتجاوز الطلاب إلى الأهالي الذين يعيشون بيئة الامتحان ليس في المنازل فقط، بل يحرصون على إيصال أبنائهم إلى المراكز لضمان عدم التأخر واستقبالهم فور خروجهم لاحتواء مشاعرهم وانفعالاتهم وتقديم الدعم المعنوي لهم… وهذا يعني أن النموذج التعليميّ والامتحاني لا يعزز شخصية الطلاب رغم بلوغهم سن الرشد.
وإذا كان استرجاع المعلومات يتطلب هدوءاً واستقراراً لتتدفق بسلاسة، فإنّ بيئة الامتحان ورهبته ونظام المراقبة عوامل سلبيّة تعيق استرجاع المعلومات ضمن المعدلات الزمنيّة المحددة، والنتيجة أنه لا يوجد توازن بين مدخلات عملية التعليم ومخرجاته.
نموذجا امتحان
في الامتحانات الحالية تم تداول الحديث عن نموذج امتحان عرف باسم نموذج دمشق (الوزاريّ) ونموذج إدلب، ما أثار جدلاً واسعاً لتناقضه مع مفهوم العدالة التعليميّة، وهز أركان المساواة الصوريّة التي تحدثت عنها الوزارة. وفيما واجه طلاب المحافظات السورية الأخرى نموذجاً مركزيّاً موحداً وُصِف بالتعجيزيّ، لم يراعِ الانقطاعات التعليميّة والمناهج المغايرة التي درسوها طوال السنوات الماضية، فيما حظيت محافظة إدلب بنموذجٍ خاص وميّسر. وهذا التمايز الإداريّ، وإن كان مبرراً من الناحية الإسعافيّة لمنع ظلم طلاب إدلب، إلا أنّه يفتح فجوةً هائلة في تكافؤ الفرص التعليميّة. والخلل الحقيقيّ سيظهر مباشرةً ومتباينٍ بقوةٍ عند إجراء مفاضلة القبول الجامعيّ؛ وسينافس طلاب الأسئلة الميسرة بقية طلاب المحافظات الذين واجهوا أسئلة تعجيزيّة وشروطاً بالغة القسوة.
وجود نموذج خاص بإدلب يعني أن المحافظة لم تندمج في كيان سوريا، رغم أنّه بعد سقوط النظام السوري السابق؛ أنيط بحكومة الإنقاذ التي كانت تدير المحافظة دور إدارة الدفة الإداريّة لكامل سوريا في تأكيد لتعميم نموذجها، وهذا يفترض أن تكون أولى المحافظات اندماجاً وبخاصة الأمر لا يحتاج تحضير مناهج خاص بلغة غير العربيّة.
رغم أن محافظات أخرى كانت لنموذج أسئلة خاص بسبب أوضاعها الأمنيّة وفيضان الفرات، إلا أنّ الوزارة استثنت إدلب دون غيرها، وأصرّت على تعميم نموذج مركزيّ موحّد لبقية المحافظات، دون مراعاة الانقطاعات والتوترات الأمنيّة وتراجع التغذية الكهربائيّة الحاد والخدمات بين المحافظات، وهو ما يتعارض مع عدالة النتائج ولاحقاً عدالة القبول الجامعيّ، فالعدالة لا تحققها المساواة القسريّة بمجرد توزيع ورقة امتحان موحدة في نهاية العام، بل يجب أن تتأسس على عدالة التعليم ما قبل الجامعيّ، وتقليل الفوارق البنيويّة بين المناطق، واعتماد معدلات قبول جامعيّة مناطقيّة أو مفاضلة محليّة تحمي طلاب المحافظات الأكثر تضرراً وتضمن سد حاجتها من الكوادر المتعلمة وبخاصة الفروع العلميّة العالية من أبنائها، ودون هذا المنظور اللامركزيّ، سيبقى التعليم المركزيّ أداة تعمّق التمييز المناطقيّ وشرخ الهوية الوطنيّة.
مقصلة الامتحان الواحد
حصر تقييم جهود سنوات دراسية طويلة ومصير الطالب المهنيّ والأكاديميّ في امتحان قطعيّ مدته ساعات معدودة، يمثل عقماً تربوياً فادحاً وجناية بحق التراكم المعرفيّ البشري. فهذا النظام التقليديّ لا يقيس المعرفة الحقيقيّة والفهم المستدام، بل يختزل وعي الطالب ونضجه في قدرته على الحفظ والاستظهار السريع تحت الضغط النفسيّ الأقصى، وفي مدى ثباته النفسيّ خلال مئة وثمانين دقيقة وقد يصاب فيها بوعكة صحيّة طارئة أو يتشتت ذهنه.
هذا النموذج الامتحانيّ يتجاهل التدرج المعرفيّ والمعلومات التي تلقاها الطالب في الصفين العاشر والحادي عشر واللذين يعدان حجر الأساس للشهادة الثانويّة، ويتم تفريغ هذه الصفوف الانتقاليّة من قيمتها، وكأنّ الهدف منها مجرد إشغال وقت الطالب وحبسه حتى يبلغ سناً معينة تؤهله لتقديم الامتحان النهائيّ.
البديل العادل والمنطقيّ الذي يفرض نفسه اليوم كضرورة لإنقاذ الأجيال هو تبني نظام المعدل التراكميّ الموزون على مدار المرحلة الثانويّة كاملة. ويتحقق ذلك عبر معادلة تربويّة واضحة تُدخل الصفوف الانتقالية في حساب المجموع النهائيّ؛ بحيث يُحسب معدل الصف العاشر بمثل واحد، والحادي عشر بمثلين، والبكالوريا بثلاثة أمثال، ثم تُجمع هذه الأمثال وتُقسّم على ستة، لتكون المحصلة تقييماً عاماً وحقيقيّاً لمستوى الطالب خلال ثلاث سنوات. وهذا النموذج الموزون يوزع المخاطر النفسيّة والأكاديميّة، ويمنح الطالب فرصة حقيقيّة للتعلم والتعويض والتطور التصاعديّ دون خوف من مقصلة الامتحان الموحد، ويحدُّ تلقائيّاً من حالة القلق ومشاهد الانهيارات الجماعيّة وحالات الإغماء التي باتت طقساً امتحانيّاً مكرراً.
عسكرة التلقين
إن مشهد المعلم الواقف أمام السبورة يلاحق فيها الزمن وعقارب الساعة لتعليم 40 ـ 50 طالباً يختلفون في مؤهلاتهم وإمكاناتهم ويبذل الجهد في فرض الانضباط داخل الصف هو تصور خياليّ لنجاح التعليم، لأن المعلم مضطر لممارسة شيء من السلطة وربما التهديد لشدّ انتباه هذا الحشد الكبير، وبذلك يتقمص مضطراً دوراً ليس له مربٍ ومعلمٍ، كما لا يسعه في هذه البيئة مراعاة الفروق الفرديّة بين الطلاب وهي أحد أهم مبادئ التعليم؛ ذلك لأن الحشر الجماعيّ يفترض أن الطلاب كلهم متساوون في إمكاناتهم. وبذلك يعكس مشهد الصفوف نموذج عسكرة التعليم والذي تستكمل فصوله بفرض مناهج مؤدلجة…
أقصى حد للتعليم في هذه البيئة الضاغطة هو الاستظهار والذي يعني ضمنياً وضع حدود للعقل وقولبة الفكر، وانحسار الفكر التحليليّ وتصادر أنواع الذكاء المتعددة كالذكاء البصري، والمكاني، والحركي، والتطبيقي؛ فالطالب الذي يمتلك موهبة فذة في البرمجة أو الابتكار الميكانيكيّ يُصنّف رسمياً بأنّه فاشل لمجرد عجز ذاكرته عن حفظ قصيدة تعجيزيّة أو سرد تفاصيل تاريخ أدبيّ مفرغ من قيمته الوظيفيّة.
تصر المنظومة التعليميّة التقليديّة على تعميم حكم الفشل الجماعيّ بحق جيل كامل بتجاهلها التام للمبدأ التربويّ الأساسيّ المتمثل بمراعاة الفروق الفرديّة وتباين الإمكانات والمؤهلات الذاتيّة بين الطلاب ويتم حشر طلاب مختلفين في القدرات والملكات العقليّة في قالبٍ نمطيّ واحد، والحكم على مستواهم المعرفيّ بمعيار وحيد وصارم هو جودة الذاكرة المؤقتة والقدرة على استظهار النصوص، ليواجه الطلاب أصحاب المواهب الفنية والتقنيّة والحرفيّة تقييماً جافاً يصفهم بالإخفاق لمجرد عجزهم عن حفظ مواد لا تتصل باهتماماتهم وميولهم، والأمر يشبه تماماً الحكم العبثيّ بفشل سمكة عجزت عن تسلق شجرة.
والكارثة الأكبر تتمثل بقيام المؤسسة التعليميّة بتوثيق هذا الفشل وصياغته في شهادة رسميّة فتسحق ثقته بذاته وإمكاناته وتدمر كبرياءه الإنسانيّ، والمفارقة أن المجتمع ينتظر النجاح والإنتاج والإبداع من شخص سبق أن حكمت عليه المنظومة التعليميّة رسميّاً بالفشل!
إن التعليم في جوهره هو عملية بناء الإنسان والفشل فيه يعني انتقال الفشل إلى ساحة المجتمع، والصحيح أن تنطوي عملية التعليم على اكتشاف قدرات الطلاب وملكاتهم العقليّة وتسهيل خياراتهم في مراحل التعليم المتقدمة، وألا يكون مستقبلهم رهن حسابات رقميّة يحددها استظهار المواد وفي أحسن الحالات حل نماذج مسائل علميّة محدودة الخيارات.
يضمن الكشف المبكر عن المهارات والميول وإتاحة التخصص المبكر ومرونة المناهج والمسارات الفرعية منح الطالب مساحة أكبر لاختيار الفرع الدراسيّ المتوافق مع شغفه وميوله، ليكون الإنتاج والتميز النتيجة الطبيعيّة للمشوار التعليميّ. فالفلاح لا يزرع في أرضه ما لم يعلم مسبقاً أنّ التربة ملائمة له ليضمن الغلة الوفيرة.
ويتكامل هذا الخلل المعرفيّ بوجود بذور لتوجهات فكريّة فئويّة وأيديولوجيّة محددة تعيق بناء رواية وطنيّة جامعة تعزز قيم المواطنةِ وسيادة القانون وقبول الآخر وتماسك الهوية المشتركة. كما أنّ استيرادَ المناهج الحديثة دون توفير بيئة ملائمة لها وتأهيل كافٍ يحوّلها إلى عبء ثقيل، بدل أن تكون بذاراً صالحاً لحصاد وفير، يضمن جودة الإنتاج البشريّ وتدفق الكفاءات الفاعلة في الاقتصاد والمجتمع.
التعليم هندسة الإنسان
التعليم حقٌّ إنسانيّ أصيل تضمنه القوانين والمواثيق الدوليّة والتشريعات الوطنيّة، ولا يمكن نيلُ هذا الحق بصورة طبيعيّة إلا بتحقيق مبدأ العدالة إلا بمجانية التعليم في المدارس الحكوميّة، وتحريره من سوق الدروس الخصوصيّة وإنهاء كلّ مظاهر الاتجار به.
لكن ترهل التعليم يدفع الطلاب للجوء إلى المدراس والمعاهد الخاصة ذات الكلفة العالية ما يسهم بترسيخ طبقيّة التعليم وهذه الطبقية ستنعكس إلى المجتمع أيضاً. الأمر يتطلب إصلاحاً جذريّاً وصياغة قانون جديد ومتطور للتعليم يتبنى رؤية وطنيّة شاملة وعابرة للوزارات، فوزارة التربية بعملها المستقل والمنفرد مضطرة لتركيز على الجانب النظريّ الجاف. فيما تطوير التعليم وربطه بحاجات المجتمع وسوق العمل يتطلب التنسيق مع وزارات الصناعة والصحة والاتصالات والزراعة والصناعة لتنشيط الجانب العمليّ والتطبيقيّ ومراكمة الخبرات العمليّة ولنتصور أنّ طالب كلية الهندسة الزراعيّة يقضي كامل مراحل دراسته في المدرجات دون أن يلمسَ الترابَ.
هذا المشروع الوطنيّ رهن زيادة كفاءة الكادر التعليميّ وتطهير بنيته عبر تحسين رواتب وأجور المعلمين والمدرسين وتحقيق الاكتفاء الماليّ لهم ما يغنيهم عن المتاجرة بالدروس الخصوصيّة، وإهمال كفاية المعلم الماديّة في ظل نظام تعليميّ مترهل سينتج طوابير الخريجين بكفاءة متدنية يحملون شهادات ورقيّة بلا معرفة حقيقيّة، ويواجهون صدمة البطالة مباشرة بعد التخرج لعدم اتصال تعليمهم ببيئتهم.
إنّ هندسة الإنسان السوريّ الجديد تقتضي تحطيم هذه الجدران العازلة بين المدرسة والمجتمع، وتطهير المناهج من بذور التمييز والتوجيه الأيديولوجيّ والسياسيّ الضيق الذي يجزّئ الحالة الوطنيّة ويزرع أولى بذور الطائفيّة والمناطقيّة بين الأبناء، لصالح رواية تاريخيّة ووطنيّة جامعة تعلي من قيم المواطنة، وسيادة القانون، وقبول الآخر، وتضمن تماسك الهوية السوريّة.
القول: إنّ التعليم مشروع وطنيّ يعني بالضرورة تبنّي الحالة الوطنيّة الجامعة في جوهر عملية التعليم ومفرداتها التفصيليّة لتتناسب مدخلات العملية التعليميّة مع مخرجاتها؛ حالةً وطنيّةً جامعةً هدفها تنمية وتطوير البلاد والنهوض بها من الركام.
العملية التعليميّة بكل مراحلها متكاملة، والمدراس هي المنابع الأساسيّة لرفد المؤسسات المختلفة بالكفاءات والعاملين، والامتحانات إما أن يكون حلقة تتويج الجهود المتضافرة أو تكون مقصلة الأحلام، وتحسين نوعيّة الامتحانات يشترط تحسين جودة التعليم (كفاءة المدرس، حداثة المناهج، البيئة المدرسيّة، مرونة التقييم، والحوكمة المشتركة) وإنهاء التفاوت عند إسقاطها على الواقع المعاش.
ستبقى الامتحانات موسماً للحصاد المرّ المترافق بالقلق والاضطراب ما لم يتم الانتقال من عقلية التلقين الببغائيّ، وحشو المواد غير المتصلة بالحياة إلى التفكير التحليليّ والنقديّ والإبداعيّ هو المسار الوحيد واللازم لترميم البنى الاجتماعيّة والخدميّة المترهلة، فالإنسان أهم ميدان للاستثمار باعتباره رافعة إعادة الإعمار والتعافي من رحم المعاناة.