في 20 حزيران 2023، قصفت مسيرة تركية سيارة مدنية تقل قياديين في مجلس مقاطعة قامشلو التابع للإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، أسفر الهجوم عن استشهاد الرئيسة المشتركة لمجلس المقاطعة “يسرى درويش”، ونائبتها “ليمان شويش”، والسائق فرات دانيال (فرات توما)، بالإضافة إلى إصابة الرئيس المشترك لمجلس المقاطعة “كابي شمعون” بجروح بليغة.
وقعت الحادثة قرب قرية تل شعير على الطريق بين قامشلو وتربه سبيه أثناء قيام الوفد بجولة ميدانية لتفقد مؤسسات الإدارة الذاتية. تُعد هذه المجزرة جزءاً من نمط متكرر لهجمات الطائرات المسيرة التركية على مناطق الإدارة الذاتية التي تستهدف غالباً مسؤولين وبنى تحتية، ومدنيين، يأتي ذلك ضمن سياسة الاحتلال التركي التي تهدف إلى زعزعة الاستقرار ومنع بناء نموذج ديمقراطي تعددي في المنطقة.
تفاصيل الهجوم
وقع الاستهداف على الطريق الواصل بين القرى الواقعة شرق مدينة قامشلو، بالقرب من قريتي تل شعير، وبياندور، وبحسب التقارير المنشورة آنذاك، كانت السيارة المدنية التابعة للإدارة الذاتية تنقل مسؤولين مدنيين في جولة تفقدية للمؤسسات المحلية عندما تعرضت لضربة مباشرة من طائرة مسيّرة تركية، وأسفر القصف عن تدمير السيارة بشكل شبه كامل واستشهاد ثلاثة أشخاص على الفور، بينما نجا كابي شمعون بعد إصابته بجروح، وقد وثقت منظمات الرصد ومصادر إعلامية متعددة أسماء الشهداء والمصابين وأكدت أن الهجوم استهدف المركبة بشكل مباشر، ما يشير إلى أن الضربة كانت عملية اغتيال دقيقة وليست نتيجة اشتباكات أو قصف عشوائي، شكلت الجريمة صدمة كبيرة لأهالي المنطقة، ولا سيما أن المستهدفين كانوا من الوجوه المعروفة في العمل الإداري والخدمي والمجتمعي.
يسرى درويش.. امرأة كرّست حياتها لخدمة المجتمع
“يسرى محمد درويش”، مواليد 1971 عامودا، معلمة اللغة الفرنسية، حاصلة على إجازة في الآداب من جامعة حلب، انخرطت في العمل التربوي والاجتماعي، ثم في النضال السياسي والإداري ضمن الإدارة الذاتية، شغلت منصب الرئيسة المشتركة لمجلس مقاطعة قامشلو، تُعدّ يسرى درويش إحدى أبرز الشخصيات النسائية في الإدارة الذاتية، حيث لعبت دوراً مهماً في تنظيم العمل الإداري والمجتمعي في مقاطعة قامشلو، تميّزت بحضورها الميداني الدائم وقربها من هموم المواطنين، وعملت على تطوير المؤسسات المدنية وتعزيز مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار. لذلك؛ اعتبر كثيرون أن استهدافها لم يكن موجهاً لشخصها فقط، بل لدور المرأة الريادي في ثورة التاسع عشر من تموز.
ليمان شويش.. نموذج للمرأة المناضلة
“ليمان شويش” والمعروفة أيضاً باسم (ريحان عامودا)، مناضلة مخضرمة ناضلت نحو 38 عاماً في صفوف حركة حرية كردستان، كانت من النساء الأوائل اللواتي انخرطن في الثورة، وكسرت العادات والتقاليد البالية، عملت في تنظيم المرأة والمجتمع، وارتبط اسمها بالنضال من أجل حرية المرأة والشعب، شغلت منصب نائبة الرئاسة المشتركة لمجلس المقاطعة، عُرفت بنشاطها الاجتماعي والتنظيمي ومشاركتها في العديد من المبادرات الرامية إلى خدمة المجتمع وتعزيز دور المرأة، وقد اعتبرها أبناء المنطقة مثالاً للمرأة التي جمعت بين المسؤولية الإدارية والالتزام بقضايا شعبها. كانت رمزاً للالتزام والصمود.
فرات دانيال.. شهيد الواجب والخدمة
وإلى جانب المسؤولتين المدنيتين، استشهد السائق فرات دانيال (فرات توما) السرياني الأصل، والعضو في حزب الاتحاد السرياني الذي كان يقود السيارة المستهدفة، وتشير التقارير إلى أنه لم يكن يشغل أي موقع سياسي أو عسكري، وإنما كان يقوم بعمله كسائق ضمن الوفد الإداري.
المسيّرة التركية وسياسة الاغتيالات
منذ سنوات تستهدف الدولة التركية مناطق الإدارة الذاتية واستهداف رياديي ثورة روج آفا؛ لضرب مكتسبات الثورة وإفشال المشروع الدمقراطي، ويعد استهداف رياديات الثورة في 20 حزيران 2023 من بين المجازر التي أحدثتها الدولة التركية في هجماتها على المنطقة.
ردود الفعل والإدانات
وأدانت عشرات المنظمات النسائية، والأحزاب الكردية، ومجالس عوائل الشهداء الهجوم، معتبرةً، أن استهداف المسؤولين المدنيين يمثل انتهاكاً للقوانين والأعراف الدولية، كما أنه محاولة يائسة من جانب دولة الاحتلال التركي للنيل من إرادة المرأة والشعب، أقيمت جنازات حاشدة وفعاليات إحياء ذكرى سنوية في عامودا وقامشلو وغيرها، وأكدت البيانات على استمرار النضال تحت شعار “المرأة، الحياة، الحرية”، ووعدت بالسير على خطى الشهداء، وطالبت البيانات الجهات الدولية الضامنة بتحمل مسؤولياتها تجاه وقف الهجمات الجوية المتكررة، وأكدت أن الشهداء والمصابين كانوا في طريقهم لزيارة مؤسسات خدمية وإدارية وقت وقوع الضربة، كما تناولت منظمات توثيق النزاعات الاستهداف ضمن سجلات الشهداء المدنيين، ووصفتها بأنها حادثة أسفرت عن ارتقاء ثلاثة مدنيين وإصابة مسؤول مدني آخر، اللافت في الأمر صمت المجتمع الدولي حيال هذا الاستهداف وعدم خروج أي ادانة أو استنكار وهو أمر مخزي ومريب في الآن نفسه.
البعد الإنساني
ولم يكن ذلك الاستهداف مجرد حادثة أمنية عابرة، بل تركت أثراً عميقاً في المجتمع المحلي، فقد تحولت جنازات الشهداء إلى مناسبات شعبية واسعة شارك فيها آلاف الأشخاص، وسط تأكيدات على استمرار العمل المدني رغم التهديدات الأمنية، كما أعادت الحادثة النقاش حول سلامة العاملين في المؤسسات المدنية وإمكانية تحولهم إلى أهداف مباشرة في بيئة النزاع المستمرة، يتم كل عام في ذكرى استهداف الرياديات زيارة مزار الشهداء، ووضع أكاليل الورود على أضرحة الشهداء الثلاث حيث يتم التأكيد على مواصلة العمل الذي بدأوه، والاستمرار في خدمة المجتمع والدفاع عن قيم التعايش المشترك والديمقراطية التي ناضلوا من أجلها.
وختاماً، نقولها وبكل وضوح، إن استهداف الرياديتين يسرى درويش وليمان شويش لم تكن حادثاً معزولاً، بل تعبيراً عن سياسة قائمة على الاحتلال والتوسع بهدف القضاء على التجربة الديمقراطية في مناطق روج آفا وشمال شرق سوريا، وإن “يسرى درويش، ليمان شويش، وفرات توما”، يمثلون آلاف الشهداء الذين ارتقوا دفاعاً عن مشروع يقوم على المساواة والتعددية. نعم فقد رحلت “يسرى درويش وليمان شويش وفرات دانيال” بأجسادهم. لكنهم؛ تركوا وراءهم سيرة من العطاء والعمل والإيمان بخدمة المجتمع، وإذا كانت الطائرات قد استطاعت إسكات أصواتهم، فإنها لم تستطع إسكات الرسالة التي حملوها طوال حياتهم، رسالة الإدارة المدنية الحرة، والتعايش المشترك، وإرادة الشعوب في بناء مستقبلها رغم كل التحديات، ولذلك يبقى الشهداء الثلاثة رموزاً للمقاومة المدنية والنسوية ضد الاحتلال والإرهاب، يستمر شعار ثورة روج آفا في التردد، مؤكداً أن دماء الشهداء تغذي مشروع التعايش والديمقراطية. تبقى المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم مستمرة، في مواجهة الصمت الدولي المخزي.