جل آغا / أمل محمد -رغم ما يشهده العالم من تطور حضاري وتقدم في مجالات التعليم والتكنولوجيا وحقوق الإنسان، لا تزال العديد من النساء حول العالم يواجهن أشكالاً مختلفة من الهيمنة الذكورية التي تحد حريتهن وقدرتهن على اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهن، وتتمثل هذه الهيمنة في فرض الآراء والقيود الاجتماعية والثقافية على المرأة، والتشكيك في قدراتها، والحد من مشاركتها في مختلف المجالات، الأمر الذي يؤثر سلباً على ثقتها بنفسها ومكانتها داخل المجتمع.
وتنعكس هذه الممارسات في تفاصيل الحياة اليومية للنساء، بدءًا من تقييد فرص التعليم والعمل، وصولاً إلى التدخل في خياراتهن الشخصية والمهنية، وعلى الرغم من الجهود الدولية والمحلية الرامية إلى تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، فإن بعض الموروثات الاجتماعية والعقليات التقليدية لا تزال تشكل عائقاً أمام حصول النساء على حقوقهن كاملة.
إن مواجهة الهيمنة الذكورية تتطلب تغييراً ثقافياً ومجتمعياً شاملاً يرسخ قيم العدالة والمساواة، ويمنح المرأة الفرصة الكاملة لإثبات قدراتها والمشاركة الفاعلة في بناء المجتمع.
على مدى عقود طويلة، واجهت المرأة في روج آفا تحديات كبيرة تمثلت في هيمنة العقلية الذكورية وسيطرة العادات والتقاليد الاجتماعية التي حدّت من دورها في الحياة العامة، وحصرت مشاركتها في نطاقات ضيقة، الأمر الذي انعكس على فرصها في التعليم والعمل وصنع القرار، وكانت العديد من النساء عرضة لضغوط اجتماعية فرضت عليهن أنماطاً محددة من الحياة، وحالت دون تمكينهن من ممارسة حقوقهن بشكل كامل أو التعبير عن آرائهن بحرية.
ثورة روج آفا ضيقت الخناق على الهيمنة الذكورية
إلا أن ثورة روج آفا شكلت نقطة تحول مهمة في مسار المرأة، إذ وضعت قضية تحرر المرأة وتمكينها في صلب مشروعها المجتمعي والسياسي، واعتبرت أن بناء مجتمع ديمقراطي لا يمكن أن يتحقق دون مشاركة المرأة الفاعلة والمتساوية.
ومنذ انطلاق الثورة، شهدت المنطقة خطوات واسعة لتعزيز دور المرأة في مختلف المجالات، من خلال إشراكها في المؤسسات المدنية والإدارية والسياسية والعسكرية، وتطبيق نظام الرئاسة المشتركة الذي يضمن تمثيل المرأة إلى جانب الرجل في مواقع صنع القرار، كما ساهمت الأكاديميات والمنظمات النسائية في رفع مستوى الوعي بحقوق المرأة ومواجهة المفاهيم التقليدية التي كرست التمييز ضدها لسنوات طويلة.
وأتاح هذا التحول للمرأة فرصة أكبر لإثبات قدراتها والمشاركة في إدارة شؤون مجتمعها، ما انعكس على مكانتها الاجتماعية وثقتها بنفسها وحضورها في الحياة العامة، ويرى كثيرون أن التجربة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية أسهمت في إحداث تغيير ملموس في النظرة إلى المرأة، وجعلتها شريكاً أساسياً في مختلف المجالات بعد أن كانت تعاني من التهميش والإقصاء بفعل القيود الاجتماعية والعقلية.
ساهمت ثورة روج آفا في إحداث تحول كبير في واقع المرأة من خلال تأسيس العديد من المؤسسات والهيئات المعنية بالدفاع عن حقوقها وتعزيز دورها في المجتمع، ومن أبرز هذه المؤسسات مؤتمر ستار، الذي يعد من أهم التنظيمات النسوية في روج آفا، حيث يعمل على تنظيم النساء وتوعيتهن بحقوقهن ومتابعة القضايا المتعلقة بهن في مختلف المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية، كما جرى افتتاح دور المرأة في المدن والبلدات، لتكون مراكز تستقبل النساء اللواتي يتعرضن للعنف أو المشكلات الأسرية والاجتماعية، وتقدم لهن الدعم والمشورة وتسعى إلى إيجاد حلول تحفظ كرامتهن وحقوقهن.
وإلى جانب ذلك، أُسِّست لجان ومؤسسات نسوية متعددة تهدف إلى تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في الحياة العامة، فضلاً عن تطوير قوانين وتشريعات تستند إلى مبدأ المساواة والعدالة بين الجنسين، وشملت هذه القوانين إجراءات تهدف إلى حماية المرأة من العنف والتمييز، والحد من الممارسات التي تنتقص من حقوقها، بما في ذلك الزواج القسري وزواج القاصرات وغيرها من الظواهر التي كانت تشكل تحدياً أمام المرأة في المجتمع.
المؤسسات النسوية في مواجهة التقاليد والأعراف
كما لعبت المؤسسات النسوية دوراً بارزاً في احتضان النساء من مختلف الشعوب والخلفيات الاجتماعية، وتوفير مساحات آمنة لهن للتعبير عن مشكلاتهن ومطالبهن، والعمل على تعزيز ثقافة حقوق المرأة داخل المجتمع، هذه المؤسسات ساهمت في رفع مستوى الوعي المجتمعي بقضايا المرأة، ومكنت آلاف النساء من المشاركة بصورة أكبر في المجالات الاجتماعية والإدارية والسياسية، ما جعل المرأة أكثر حضوراً وقدرة على الدفاع عن حقوقها ومكانتها بعد سنوات طويلة من التهميش والإقصاء.
وبعد سنوات من النضال والعمل التنظيمي والاجتماعي، تمكنت المرأة في المنطقة من تحقيق نقلة نوعية في واقعها ودورها داخل المجتمع، فلم يقتصر التغيير على زيادة مشاركتها في المؤسسات والإدارات المختلفة، بل امتد ليشمل تغييراً عميقاً في نظرتها إلى ذاتها وقدراتها ومكانتها، وأسهمت التجارب التي خاضتها النساء في مختلف المجالات في تعزيز ثقتهن بأنفسهن، وكسر العديد من القيود والصور النمطية التي كانت تحصر دور المرأة ضمن أطر محددة.
كما انعكس هذا التحول على محيط المرأة الاجتماعي والأسري، حيث بات حضورها أكثر فاعلية في عملية صنع القرار والمشاركة في الحياة العامة، وساهمت حملات التوعية والمؤسسات النسوية في ترسيخ ثقافة قائمة على المساواة والاحترام المتبادل، الأمر الذي ساعد على إحداث تغييرات تدريجية في العقلية المجتمعية تجاه دور المرأة وحقوقها، وترى العديد من النساء أن سنوات النضال لم تساهم فقط في تحسين واقعهن القانوني والاجتماعي، بل ساعدتهن أيضاً على بناء شخصية أكثر استقلالية وقدرة على الدفاع عن حقوقهن والمساهمة في تطوير مجتمعهن، ما جعل المرأة اليوم أكثر حضوراً وتأثيراً في مختلف جوانب الحياة.
بين المد والجزر
ورغم الخطوات الكبيرة التي تحققت على صعيد تمكين المرأة وتطوير القوانين والمؤسسات المعنية بحماية حقوقها، إلا أن آثار الهيمنة الذكورية والعقلية التقليدية لا تزال حاضرة في بعض جوانب المجتمع، فالتغيير الاجتماعي والثقافي يحتاج إلى وقت طويل وجهود مستمرة، خاصة في المجتمعات التي ترسخت فيها مفاهيم وممارسات قائمة على التمييز بين الجنسين لعقود طويلة، ولذلك لا تزال بعض النساء يواجهن تحديات مرتبطة بالنظرة التقليدية لدور المرأة ومحاولات الحد من استقلاليتها أو التقليل من قدراتها في بعض المجالات.
ومع ذلك مؤسسات نسوية تؤكد أن حجم هذه الظواهر تراجع بشكل ملحوظ مقارنةً بالسنوات السابقة، نتيجة حملات التوعية المستمرة وتنامي مشاركة المرأة في مختلف مفاصل الحياة، كما تواصل المؤسسات النسوية ومنظمات المجتمع المدني العمل على تعزيز ثقافة المساواة ومناهضة العنف والتمييز، من خلال البرامج التوعوية والنشاطات المجتمعية والتشريعات القانونية التي تهدف إلى ترسيخ حقوق المرأة وحمايتها، ومن المؤكد أن الطريق نحو التخلص الكامل من آثار العقلية الذكورية لا يزال يتطلب مزيداً من العمل والتوعية، إلا أن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية تشكل خطوة مهمة نحو بناء مجتمع أكثر عدالة ومساواة بين المرأة والرجل.