قبل عقد من الزمن، بدا إن الاتفاق النووي الإيراني الموقّع عام 2015، قد يفتح نافذة لإعادة صياغة التوازنات في الشرق الأوسط، فقد راهن مؤيدو الاتفاق على إن معالجة الملف النووي عبر التفاوض سيُسهم في خفض التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وتمهد الطريق لمعالجة ملفات إقليمية أكثر تعقيداً، من العراق وسوريا إلى اليمن ولبنان والخليج العربي. لكن ما حدث خلال الفترة اللاحقة كشف حدود هذه الرهانات؛ فبدلاً من الانتقال من التفاهم النووي إلى بناء منظومة أمن إقليمي أكثر استقراراً، دخلت المنطقة في سلسلة متواصلة من الأزمات والصراعات التي بلغت ذروتها مع المواجهة العسكرية المباشرة بين إسرائيل وإيران، وما رافقها من انخراط أميركي متزايد، الأمر الذي وضع الشرق الأوسط أمام أخطر اختبار أمني منذ عقود.
منذ البداية، انطلق الاتفاق النووي من فرضية مفادها أن احتواء البرنامج النووي الإيراني يمكن أن يخلق مناخاً يسمح بمعالجة بقية الملفات الخلافية، وقد نجحت الاتفاقية بالفعل في فرض قيود صارمة على الأنشطة النووية الإيرانية مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية. إلا أن المشكلة الجوهرية تمثلت في إن الاتفاق ركز على الملف النووي باعتباره أزمةً مستقلة، بينما تجاهل البيئة الاستراتيجية التي أنتجت التوتر أصلاً، فالصراع بين إيران وخصومها الإقليميين لم يكن مرتبطاً فقط بمسألة التخصيب النووي، بل بشبكة معقدة من التنافس الجيوسياسي والصراعات الأيديولوجية والحروب بالوكالة الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط. وبالتالي، فإن الاتفاق عالج أحد أعراض الأزمة دون أن يتعامل مع جذورها العميقة.
في هذا السياق، جاء الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي عام 2018 ليقضي على ما تبقى من الثقة بين الطرفين، فقد أعادت واشنطن فرض عقوبات اقتصادية غير مسبوقة على إيران ضمن استراتيجية “الضغط الأقصى”، أملاً في دفعها إلى قبول اتفاق أكثر شمولاً. لكن النتيجة جاءت معاكسةً إلى حدٍ كبير؛ فبدلاً من تعديل السلوك الإيراني، دخلت المنطقة في مرحلة جديدة من التصعيد المتبادل، توسعت خلالها برامج التسلح، وتصاعدت أنشطة الردع المتبادل، وازدادت حدة المواجهات غير المباشرة عبر الحلفاء والشركاء الإقليميين. وفي الوقت ذاته، لم تنجح العقوبات في بناء إطار سياسي جديد لإدارة الصراع، بل ساهمت في تعميق الانقسامات الإقليمية.
في هذا المشهد المضطرب، شكلت أحداث السابع من تشرين الأول2023 نقطة تحول استراتيجية في الشرق الأوسط، فقد أعادت الحرب في غزة القضية الفلسطينية إلى مركز المشهد الإقليمي والدولي، وأظهرت حدود المقاربات التي حاولت تجاوز الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أو إدارته بدلاً من حله، فمع اتساع دائرة الحرب، امتدت المواجهات إلى جبهاتٍ أخرى، سواء في جنوب لبنان أو البحر الأحمر أو العراق وسوريا، لتدخل المنطقة مرحلةً جديدة من الترابط بين ساحات الصراع المختلفة. فما كان يُنظر إليه سابقاً على أنه ملفات منفصلة أصبح جزءاً من أزمة إقليمية واحدة تتداخل فيها الحسابات الأمنية والعسكرية والسياسية، ومن مرحلةٍ لأخرى تمثل المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران تحولاً تاريخياً في طبيعة الصراع الإقليمي، فعلى مدى عقود، اعتمد الطرفان على الردع غير المباشر والحروب بالوكالة. أما اليوم، فقد أصبح خطر الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة أكثر واقعية من أي وقت مضى.
استراتيجياً، لا يقتصر الأمر على صراع ثنائي بين دولتين، بل يتعلق بمستقبل ميزان القوى في الشرق الأوسط، فإسرائيل ترى أن منع إيران من تعزيز قدراتها العسكرية يمثل أولويةً أمنية وجودية، بينما تنظر إيران إلى الضغوط العسكرية والعقوبات باعتبارها جزءاً من مشروع أوسع يهدف إلى تقليص نفوذها الإقليمي وإضعاف قدرتها على الردع، وهو التناقض الذي يجعل فرص التسوية أكثر صعوبة، لأن جوهر الخلاف يتجاوز الملفات التقنية إلى تصورات متعارضة حول شكل النظام الإقليمي نفسه.
بالتوازي مع ذلك، تجد دول الخليج نفسها من أكثر الأطراف تأثراً بالاضطراب الإقليمي الراهن، فعلى مدار العقد الماضي، ركزت هذه الدول على مشاريع تنموية كبرى تهدف إلى تنويع اقتصاداتها وتقليل الاعتماد على النفط، وجذب الاستثمارات العالمية، وتحويل المنطقة إلى مركز للتجارة والسياحة والخدمات، غير أن هذه الرؤية التنموية تحتاج إلى بيئة مستقرة وآمنة. ولذلك سعت العواصم الخليجية خلال السنوات الأخيرة إلى تخفيض التوترات الإقليمية عبر الحوار والانفتاح الدبلوماسي، بما في ذلك إعادة بناء العلاقات مع إيران.
لكن استمرار التصعيد العسكري يهدد هذه المكاسب، فكل أزمة في الخليج أو مضيق هرمز أو الممرات البحرية الإقليمية تنعكس مباشرةً على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية، ولهذا تبدو دول الخليج اليوم معنية أكثر من أي وقت مضى بالحيلولة دون تحول المواجهة الحالية إلى حربٍ إقليمية شاملة.
المشهد العام يؤكد أن أبرز الدروس التي كشفتها أزمات العقدين الماضيين تمثل في أن القوة العسكرية، رغم أهميتها في تحقيق أهداف تكتيكية، لا توفر حلولاً مستدامة للصراعات السياسية المعقدة، فالحروب المتعاقبة في العراق وسوريا واليمن ولبنان وغزة أثبتت أن استخدام القوة يمكن أن يغير موازين القوى مؤقتاً، لكنه لا يعالج جذور الأزمات المرتبطة بالهوية والشرعية والتمثيل السياسي والتنمية الاقتصادية. بل إن كل جولة جديدة من العنف غالباً ما تخلق أزمات إضافية وتؤسس لموجات جديدة من عدم الاستقرار.
بعبارةٍ أخرى، تكشف التطورات الراهنة أن المقاربات الجزئية لم تعد كافية لإدارة أزمات الشرق الأوسط. فالأمن الخليجي، والبرنامج النووي الإيراني، والقضية الفلسطينية، وأمن الممرات البحرية، والعلاقات العربية الإيرانية، كلها أصبحت عناصر مترابطة ضمن معادلة واحدة، ومن ثم فإن أي استقرار مستدام يتطلب الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء نظام أمني إقليمي شامل يقوم على احترام السيادة، وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية، وتسوية النزاعات عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية، وضمان أمن الطاقة والتجارة الدولية، ومعالجة القضية الفلسطينية باعتبارها أحد أهم مصادر عدم الاستقرار في المنطقة.
الغاية إنه بعد عشر سنوات من الاتفاق النووي الإيراني، يبدو الشرق الأوسط أمام مفترق طرق تاريخي، فقد أثبتت التجربة إن معالجة الملفات الأمنية بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع لا تنتج سلاماً دائماً، كما أن الاعتماد المفرط على أدوات الردع العسكري والعقوبات الاقتصادية لم ينجح في بناء نظام أكثر استقراراً. واليوم، ومع تصاعد المواجهة بين إسرائيل وإيران، واتساع دائرة الاضطراب الإقليمي، يصبح السؤال المطروح ليس كيف يمكن كسب جولة جديدة من الصراع، بل كيف يمكن منع المنطقة من الانزلاق إلى دورة طويلة من الحروب المتعاقبة قد تكون كلفتها السياسية والاقتصادية والأمنية أكبر من قدرة جميع الأطراف على تحملها.