No Result
View All Result
ضياء إسكندر
الاستبداد، تلك الآفة التي أقلقت شعوب العالم وأرهقت أجيالاً متعاقبة، ما زالت تُلقي بظلالها الثقيلة على حياة الملايين، فآثاره لا تتوقف عند حدود القمع وتكميم الأفواه ومصادرة الحريات، وإنما تمتد إلى أعماق النسيج الأخلاقي والاجتماعي، حيث تُعيد تشكيل العلاقات الإنسانية وفق منطق الخوف والريبة والسعي إلى النجاة الفردية.
في ظلِّ هذه الأجواء، يصبح الناشط السياسي، الذي يفترض أن يكون ضمير المجتمع، منبوذاً حتى من أقرب الناس إليه، لا لشيء سوى إنه قرر أن يقول “لا” في وجه “نعم” الجماعية المفروضة.
وتعمل الأنظمة الاستبدادية على إحكام هذا الطوق حول المعارضين، فتسعى إلى عزلهم عن محيطهم الاجتماعي وتشويه صورتهم في أعين محبيهم، فيغدون عبئاً نفسياً واجتماعياً بدلاً من أن يُنظر إليهم بوصفهم أصحاب قضية ورسالة.
تبدأ المأساة من لحظة الانتماء، حين يقرر الفرد أن يكون جزءاً من حركة سياسية أو فكرية معارضة، فيجد نفسه فجأةً في مواجهة مع السلطة من جهة، ومع أهله وأصدقائه وجيرانه من جهةٍ أخرى. وسرعان ما يتحوّل الانتماء السياسي إلى وصمة في نظر البعض، ويُنظر إليه، كمن جلب البلاء لأسرته، في حين أن غايته الأساسية تتمثل في الدفاع عن كرامة الجميع وحقوقهم.
عندئذٍ تتسع دائرة الخلافات داخل الأسرة، ويُحمَّل الناشط مسؤولية ما قد تتعرض له العائلة من مضايقات أمنية، الأمر الذي يقوده إلى عزلة اجتماعية قاسية.
وفي حالات أخرى، ينتهي الزواج؛ بسبب اختلاف الانتماء السياسي أو الخوف من تبعاته، فتنهار العلاقات العاطفية أمام جدار الخوف، ويصبح أفراد الأسرة مخبرين غير رسميين، يراقبون بعضهم البعض، ويتجنّبون الخوض في الشأن العام حتى داخل الجدران المغلقة، فتغدو البيوت أماكن يسكنها التوجس أكثر مما يسكنها الأمان.
ولا يقتصر أثر الاستبداد على تفكيك العلاقات، بل يتعداه إلى إعادة تشكيل منظومة القيم ذاتها. فبفعل الخوف من البطش والطمع في المكاسب، تنتشر ظاهرة التملق والزلفى والانتهازية في صفوف الشعب، ويُكافأ من يبيع ضميره على قارعة الولاء، بينما يُعاقب من يتمسك بموقفه. ويصبح الانتماء للسلطة جواز مرور إلى الامتيازات، ويغدو شعار المرحلة: “اسرق وانهب ما تشاء، المهم أن تكون في صفوف الولاء”.
وفي ظل غياب قضاء مستقل ونزيه، تتعرض العدالة للتشويه، فيجد الفاسد من يحميه ويوفر له الغطاء، بينما يواجه أصحاب النزاهة التهميش والتضييق، وقد يتحولون إلى موضع اتهام بدلاً من أن يكونوا موضع تقدير. وهكذا تتبدل معايير النجاح في الوعي الجمعي، فتُربط بالقدرة على التلون ومجاراة موازين القوة، أكثر من ارتباطها بالاستقامة والثبات على المبادئ والكرامة الشخصية.
إن المعاناة التي يعيشها الناشط السياسي ومن يرتبط به لا يمكن أن تتلاشى في ظل هذه البيئة الخانقة، فالجراح التي يخلّفها الاستبداد لا تُشفى إلا في مناخ نقيض له تماماً، حيث تسود الديمقراطية وتُحترم الحقوق وتُصان الكرامات.
لذلك، فإن الصبر والصمود والتحلي بالثبات الأخلاقي والوجداني تبقى الخيار الوحيد أمام المناضلين، إلى أن تتحقق الأهداف، وتُفتح نوافذ الحرية على مصاريعها.
والتغيير لا يولد من التمنيات وحدها، وإنما من التضحيات والإرادة الراسخة والإيمان العميق بأن النور لا يأتي إلا بعد عبور النفق، مهما طال ظلامه.
No Result
View All Result