جوان عبدال
حقيقة في الأدب يحتاج المرء إلى السرد الفني ليشرح أو يوصف ما يريد قوله، وهنا تختل المعايير فيحتار الكاتب في كيفية تناول موضوعه، وما يختار له من أدوات، أيهما الأصح أو الأجدى ليعبر فيها جملة وتفصيلا فصاحة وبلاغة. ولكن؛ يمكن الاتفاق أن الموضوع هو كل ما يهم الأديب فيما يعبر عنه، والسؤال يطرح نفسه: لإيضاح المعنى هل نكتفي بالسرد المعني أم بالإيجاز المكثف، وكيف يكون هذا السرد مكثفا أم مختصرا، ليعطي معنى متكاملا للحالة في اللغة السردية.
هذا الخيط الرفيع يُظهر كم هو “دقيق” الحد الفاصل بين اللغو وبين العيّ، فان أطال قيل ثرثرة مجانية، وإن أبهم ولم يفصح قيل سرد مبستر، وإن لم يتناول أدواته اللغوية بكفاءة حرصاَ على الإطالة قيل هذا عيِّ وشحّ في معجمه اللغوي وأدواته البلاغية.
بالتأكيد يحتار الكاتب من أين يبدأ ومن أي نقطة ينطلق حرصا على لملمة موضوعة ولا تذهب فيها نقطة هدرا، فالتكثيف يعني الاختصار والاختزال وهذا يصعب مهمة الكاتب فتكثر هفواته (زلاته) لأنه يركز الضوء على نقطة يراها الأنسب ويتجاهل نقاطا أخرى يراها كماليات، وهنا قد يصيب وقد يخيب بنسب متساوية، فحين يكون مبتعدا في سرده عن التحليل ورسم صورة متكاملة للحدث.. يقترب من المباشر والتوثيق كأنه رصد وتحقيق صحفي بحت يرصد حادثة أو موقفا، ملغيا بالوقت ذاته الذائقة الفنية الجمالية.. من إبداع وخيال؛ لأنه ينتقي من سيرة الحدث محطات لا توصل إلى الهدف، فيوصف هذا بالانتقائية..
وهذا حسن، فالتكثيف يخلو من الزوائد والاستطرادات إنما يجنح إلى التركيز على الحدث بأقل الكلمات والنعوت ويستغني عن أي تفاصيل غير ضرورية لسير الحدث أو الحالة فهو لا يهتم بالتفاصيل الصغيرة الجانبية.. فحين يرصد الفعل الشعوري أو الحدث القصصي وينحو إلى المعالم البارزة ويسقط معالم أخرى مكملة، يقع في مطب الإبهام، وبهذا يصبح كقيد داخلي يضاف إلى القيود الأخرى التي تكبل يد الكاتب عن موضوعه، فتبدو كتاباته أشبه بمقالة انطباعية سردية مباشِرة.
التكثيف في العمل الأدبي جيد، ويشبه ومضة الشعر وقفلة القصة المركزة، ولكنه يقلل من سوية الإبداع لأن سرده يكون بمثابة تحقيق صحفي أو ضبط شرطة خال من الفنية والخيال والإبداع، ولكن قد يوفق امرئ ما في عمله هذا.. فإن وفق في تناول موضوعه على الوجه الأكمل كان بها وهي برامي “رمية من غير رام”.. وإن لم يوفق أبهم وأدغم مقاله وذهب جهده هباء منثورا..
حقيقة. هناك مقولة في الأدب تدعو إلى الاقتصاد في الكلام والوصف وروي الأفعال حتى لا يأخذ شكله التشتت في السرد بعيدا، بأقل المجازات والدلالات والتشابيه كصور ومترادفات تعبر عن الحالة.. فيلجا الكاتب إلى شد السرد وتكثيف الأفعال ورداتها وعدم التلفت يمنة أو يسرة ليأتي بمتطلبات تلك المقولة، وخير دليلنا كتابة الزوايا في الجرائد والمجلات، وكتابة شعر الومضة، وكتابة القصة وما استجد من القصة القصيرة جدا وبات بما يعرف بـ ق ق ج ..لخ. عادة يعتمد التكثيف الحق على لغة مهذبة غير متكلفة في بنية السرد الفنية، ويتميز ببساطته الخالية من الحشو والمجانية من الجمل، لا بل هو يوجز حتى أنه يستغني عن مرادفه، وهذا يتسم بتقنية بارعة في التجزؤ والتقطيع وحرفة فنية، قلما يصل المرء إليها، لأنه يلزمه حس وتركيز عال، كأنه واقف على حد شفا هاوية على الجنبين، ولا أقول شيئا آخر وإلا انزلق إلى ما لا تحمد عقباه وهو الارتماء في أحضان من هرب منه.. وهو اللغو والإطالة.
التكثيف الموفق يعني الفصاحة والبلاغة، وقليلون يمتلكون ناصيته، لهذا يعد التكثيف نهجا ذا لغة سلسة ينكأ بالخيال، فهو يتعمد الإقلال من الكلمات والجمل حتى يتبدى متنه كأن يدخل في رحاب السردية الشعرية، ولأنه يهمل جزئيات الروي ويهتم بالأسلوب فيتبدى السرد أقرب إلى خاطرة شعرية.. فهو يعتمد على البلاغة والإيجاز ليعطي معنىً ماديا مرصعاً حافظاً للذاكرة البهية، وبربط الجمل ببعضها يبدو المعنى في أجلّ معانيه..
في الحقيقة يعرف التكثيف بالشاعرية ولا ريب، وهي دعوة أن يُستغنى عن الفائض من الكلام والأخيلة، والاستغناء عن التشابيه والمجازات وباقي المحسنات اللغوية تماشيا مع تسارع وتيرة الحياة العصرية وتناميها، وعدم وجود الوقت الكافي، وعدم هدر وقته.
وعن الإيجاز يستشهد المرء عادة بعبارة النفري: “كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة”! أي أنه بهذا يلجأ إلى الاختزال والانزياح اللغوي بأن يكتب في أقل الجمل والكلمات، حتى ببضع كلمات معدودة.. ويستغني عن الفائض السردي، بأنه يوازي تطور إيقاع الحياة، وعلى الكتاب الاعتماد على ما قل ودل، وعلى الاختصار واحترام وقته واحترام وقت القارئ، هذا صحيح. ولكن؛ أية بوصلة تتحكم في هذه المعايير، ألا يقود هذا إلى الإبهام في المتن، في الرؤيا والطرح؟ – فإن بين التكثيف والإسهاب خيط رفيع شفاف كما بين المعنى والإبهام وكيف يتم الربط بينهما؟ وهذا ما نشاهد عكسه في المشهد الأدبي والثقافي. وقولنا هذا يدعو إلى توسط بين الأمرين ولا بد..