فاطمة عبد الله
حين صدرت رواية “أبجدية ريخوين – حين غسلت الريح بحرف لم ينطق” عن دار آفا للنشر والتوزيع، لم تُقدَّم بوصفها رواية تحكي قصة قرية أو سيرة بطل، بل بوصفها مشروعاً أدبياً يسعى إلى إعادة مساءلة العلاقة بين الإنسان واللغة والذاكرة. إنها رواية تخرج من حدود السرد التقليدي لتدخل منطقة نادرة في الأدب العربي، حيث تصبح الأبجدية نفسها بطلة العمل، ويغدو الحرف كائناً حياً يحمل ذاكرة الشعوب وأوجاعها واحتمالات خلاصها.
لم تأتِ رواية لتضيف عملاً جديداً إلى رفوف الرواية العربية، بل جاءت لتطرح سؤالاً وجودياً عميقاً:
هل يمكن للغة أن تكون بطلة الرواية بدلاً من الإنسان؟
في هذا العمل، لا تتحرك الشخصيات داخل الأحداث، بل تتحرك الأحداث داخل اللغة نفسها، حتى يبدو السرد وكأنه رحلة طويلة في طبقات الذاكرة البشرية، حيث تتجاور الأسطورة والتاريخ والفلسفة والشعر في نسيج واحد يصعب فصله إلى أجناس أدبية مستقلة.
لقد نجح عمران علي (دوست) في بناء عالم روائي لا يشبه المدن ولا القرى المعروفة، وإنما يشبه العقل الإنساني عندما يفقد أسماء الأشياء ويبدأ بإعادة اختراعها من جديد.
ريخوين… الجغرافيا التي تحولت إلى ذاكرة
لا تقدم الرواية ريخوين باعتبارها مكاناً محدداً على الخارطة، بل باعتبارها مساحة وجودية تسكن الإنسان نفسه. إنها قرية صنعتها اللغة قبل أن يصنعها الحجر، وتحولت مع الزمن إلى مستودع للذاكرة الجماعية، وإلى أرشيف للأصوات الممنوعة والحروف المنفية. كل شيء فيها يحمل وظيفة رمزية؛ الأشجار تحفظ الأسرار، والرياح تؤرشف التاريخ، والمقابر لا تدفن الموتى بل تخزن الكلمات التي لم تجد من ينطقها. وبذلك تتحول ريخوين إلى استعارة كبرى عن الشعوب التي فقدت لغتها أو تعرضت ذاكرتها للتشويه، لكنها احتفظت بجذوة الحرف الأول في أعماقها.
دارون… الإنسان الذي يولد ناقصاً ليكتمل باللغة
يقدم د. عمران علي (دوست) شخصية دارون بوصفها أكثر من بطل روائي.
إنه مشروع فلسفي. فالطفل الذي يولد بلا لسان لا يمثل عجزاً جسدياً، وإنما يمثل الإنسان الذي سُلب حقه في التعبير، أو الذي خرج إلى العالم قبل أن يجد لغته الخاصة. ومع تقدم الرواية يتحول دارون من شخصية فردية إلى رمز كوني، إذ يصبح حامل الأبجدية الجديدة، والوسيط بين الصمت والكلام، وبين الذاكرة والنسيان. إن اكتماله لا يتحقق باكتساب لسان، بل باكتشاف لغة مختلفة تستطيع إعادة بناء العالم.
الرواية بوصفها بحثاً عن الحرف الأول:
لا تنشغل الرواية بمسألة من فعل ماذا، بقدر انشغالها بالسؤال الأقدم:
ـ كيف وُلدت الكلمة؟
ـ ومن سرقها؟
ـ وكيف يمكن استعادتها؟
ولهذا تتحول رحلة الشخصيات إلى رحلة داخل اللغة نفسها، حيث تصبح الحروف كائنات حية تتعرض للموت والتشويه والمنفى، وتصبح الأبجدية وطناً موازياً يمكن أن يُحتل أو يتحرر. إن هذا التصور يمنح الرواية بعداً فلسفياً نادراً في السرد العربي المعاصر، إذ ينتقل الصراع من صراع على الأرض إلى صراع على المعنى.
الأسطورة باعتبارها بنية معرفية
لا يستخدم (دوست) الأسطورة كزخرفة جمالية، وإنما يجعلها الأداة الأساسية لفهم الواقع.
الريح تلد.
والحروف تنمو.
والجبال تبتسم.
والبقر يبكي لغة.
والأطفال يدفنون كلماتهم تحت الوسائد. هذه الصور لا تهدف إلى إدهاش القارئ بقدر ما تهدف إلى تحريره من منطق الواقعية الصلبة، وإدخاله في عالم تصبح فيه الأسطورة طريقة أخرى لقول الحقيقة. فالكاتب يدرك أن بعض المآسي أكبر من أن تُحكى بلغة التقرير، ولذلك يلجأ إلى الرمز ليقول ما تعجز اللغة المباشرة عن حمله.
اللغة عند د.عمران علي (دوست)… مادة وليست وسيلة
من أبرز إنجازات الرواية أنها تعامل اللغة بوصفها مادة فيزيائية.
يمكن أن تنكسر.
وتنزف.
وتتعفن.
وتُدفن.
وتولد من جديد.
لهذا لا تبدو الجمل مجرد تراكيب نحوية، بل كائنات عضوية تتحرك داخل النص. فكل صورة تلد صورة أخرى، وكل استعارة تفتح باباً لاستعارة جديدة، حتى يصبح القارئ داخل شبكة من العلاقات الدلالية التي لا تتوقف عن التوسع. إنها كتابة تعتمد على الانزياح الدائم، فلا تستقر الكلمة على معنى واحد، بل تظل في حالة تحول مستمرة.
تفكيك الزمن وإعادة تركيبه:
لا يسير الزمن في الرواية وفق خط مستقيم.
الماضي حاضر.
والمستقبل ذاكرة.
والبداية قد تكون النهاية.
بهذا البناء الدائري يحرر (دوست) السرد من القالب الزمني التقليدي، ويجعل القارئ يعيش تجربة تشبه التنقل داخل الوعي الإنساني، حيث تختلط الأزمنة كما تختلط الأحلام بالذكريات. إن الزمن في “أبجدية ريخوين” ليس إطاراً للأحداث، بل أحد أبطال الرواية.
مشروع لغوي جديد
تكشف الرواية عن مشروع لغوي شديد الخصوصية. فالكاتب لا يستعير المعجم العربي التقليدي، ولا يكتفي بتوسيعه، بل يعيد تشكيل العلاقات بين الكلمات نفسها. إنه يخلق مجازاته الخاصة، ويمنح الأشياء وظائف جديدة، ويصنع صوراً تستمد قوتها من التصادم بين العناصر المتباعدة. ولهذا يشعر القارئ أنه أمام لغة تتشكل لحظة القراءة، لا أمام لغة جاهزة. إنها كتابة تؤمن بأن الأدب الحقيقي لا يصف العالم، بل يعيد خلقه.
بين سليم بركات وعمران علي (دوست)
قد يلاحظ القارئ تقاطعاً مع التجربة البركاتية في كثافة الصورة، ووفرة المجاز، والانحياز إلى الأسطورة واللغة العالية.
غير أن عمران علي يتجه إلى أفق مختلف. فسليم بركات جعل الجغرافيا والهوية محوراً لأسطورته الشعرية، بينما يجعل عمران علي اللغة نفسها موضوعاً للأسطورة. إنه لا يبحث عن الإنسان داخل المكان، بل يبحث عن المكان داخل الحرف. ومن هنا يمكن اعتبار “أبجدية ريخوين” محاولة لتأسيس شكل جديد من الرواية العربية، تتقدم فيه الفلسفة اللغوية على الحبكة التقليدية، ويصبح الإيقاع الداخلي للنص أكثر أهمية من التسلسل الحكائي.
تقدم “أبجدية ريخوين” تجربة سردية استثنائية تنقل الرواية من فضاء الحكاية إلى فضاء التأمل الوجودي. إنها عمل يضع القارئ أمام سؤال الهوية والذاكرة واللغة، ويؤكد أن الخراب الحقيقي لا يبدأ بسقوط المدن، بل بسقوط الأبجدية. وفي عالم عمران علي، لا يكون الخلاص باستعادة الأرض وحدها، وإنما باستعادة القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها الأولى.
لهذا يمكن القول إن “أبجدية ريخوين” ليست رواية تُقرأ مرة واحدة، بل نص مفتوح يغيّر معناه مع كل قراءة، ويثبت أن اللغة، حين تبلغ أقصى حدودها الإبداعية، تستطيع أن تصبح وطناً كاملاً يسكنه الإنسان كلما فقد أوطانه الأخرى.