عود قصب لم يكتمل، فوضوي، وروحُّ وعرة، عينان عميقتان شاردتان، وأنامل متوترة تترصد أعداء الوطن، ونهر كلمات متدفق بعرق الصيف ونبل رمال الصحراء، وقلب معلق في ضوء القمر يهدر مثل الطواحين في مشانق الصباح، وحياة غير مبررة.
أنه فارس الشعر والموت، الذي لا حول له ولا شأن، ذلك الصعيدي الشرس مع المدينة التي أربكته في بدياته، مما جعله في حالة عداء معها ومع أهلها، صاحب الوجه الأسمر المنحوت كأنه أحد الفراعنة، والذي يبدو من ثقل نحت وجهه، أنه لا يتغير، صامد، وأكثر صمودا مع مبادئه، تلك التي أخرجها في أشعاره، وألهبت الكثيرين من الشباب في مظاهرات رافضة لكل ما يعيق الوطن وإنسانه البسيط.
إنه محمد أمل فهيم أبو القسام محارب؛ دنقل، الرافض، والمحارب، والصعلوك والليلي والذي لم تقيده وظيفة أو مكتب ولم يستطع دفتر حضور وانصراف أن يشل حركته، صاخب، وأكثر صخبًا في جلسته ومع أقرانه، لا يتوانى في مهاجمة أي شخص، ومهاجمة أي فكرة تقيد حريه الإنسان.
وإذا كان الجنوبي يعني التزمت والخشونة والصلابة، فإن أمل دنقل حمل تلك الصفات في تعامله مع البشر، الأصدقاء والأقارب والأغراب، حملها في حالة من الدفاع عن النفس، ليس ضدهم بقدر ما هي طبيعته القلقة من قروي جنوبي يخشى أبناء المدينة. لذا؛ فإن أشعاره جاءت ضد كل هذا، جاءت واضحة ومتفتحة وواعية ومرنة وسهلة الحفظ وقبلها سهلة الإدراك والفهم.
والجميل في أشعاره: النفس، أي أنك تشعر بأنك التي تقولها، أو هذا ما تريد أن تطلقه من داخلك، فجاءت تشبيهاته واستعارته سهلة وقوية وواضحة وضوح شمس النهار التي كان يكرها، فهو إنسان ليلي، يتنقل من مكان إلى مكان، يطرق بابك فجرًا أو بعد منتصف الليل، يتكوم على نفسه كقصيدة تنبت ببطء وبهدوء، قبل أن يستيقظ وينشرها فتربك الكون حوله.
فعلها بقصيدته لا تصالح، وفعلها قبل رحيله بأيام في قصيدته “الجنوبي”، تلك القصيدة التي حملت كل أنفاسه وكل معاناته مع المرض اللعين، ذلك المرض الذي ظل يأكل ويتغذى على جسده في الغرفة رقم ” 8″، وأمل يحاربه في صبر، متخذًا من سمته كل الأمل ومن صعيديته كل الشراسة، ومن رحلته القصيرة في الحياة وتربيته كل القوة، ليصبح هو والقصيدة شيئا واحداً، ناعم وهامس وقوي ومراوغ.
“فالجنوبي يا سيدي
يشتهي أن يكون.
الذي لم يكنه
يشتهي أن يلاقي اثنين:
الحقيقية…
والأوجه الغائبة”
وشعر أمل دنقل حجر زاوية في الشعر العربي الحديث، فهو لم يستكن في دفء التقليد الساذج للغرب كما كان يحدث، أو ينام في دف الصور الشعرية الجاهزة، أو الكلمات الحادة الرنانة دون أي ثقل لغوي وأدبي، بل لجأ إلى تراثه العربي الممتد في عمق التراث الإنساني، وتاريخه المصري الذي يقف كحجر أساس للتاريخ العالمي، يضاف إلى هذا نشأته كرجل منذ صغره كما تقول والدته، بالإضافة إلى يتمه المبكر، فقد أخته ووالده قبل أن يتم العاشرة، هذه الصفات جعلته لا يقترن مع أقرانه الصغار ويمارس ألعابهم ولا يأكل الحلوى مثلهم، بل نشأ منفردًا يقرأ ويجرب ويجوب ويصارع ويحتك ويحاول فهم العالم حوله، ذلك العالم الذي أخرجه في أشعاره الحارة والحادة والتي لم تهادن ولم تصادق أصحاب السلطة وأصحاب قيصر، هؤلاء الذين لا يخجلون ـ باستمرار ـ عن تحويل جذوع الأشجار إلى مشانق.
وكان أمل دنقل من الذكاء في كتابته وأشعاره أن يترك لنا مساحة نتسلل إليها، أي لم يغرق في ذاتيته أو تجربته أو يجعل القصائد عبارة عن طلاسم لا يستطيع فك رموزها إلا عتاة الإدراك، أو متاها لا نعرف لها بداية ونهاية أو ماذا يريد أن يقول، لا، كان دائما يجذبك إلى تلك الحالة من الاستقرار الوجداني والأمان النفسي المقلق، ذلك الأمان الذي يحولك بعد قراءه القصيدة لشخص آخر، شخص يري أكثر من الجميع مثلما رأت زرقاء اليمامة الحقيقة الواضحة في تحول النصر والدم إلى وصمة عار، وشخص مدرك للكثير من الأفخاخ التي تنصب للإنسان المصري والعربي، وكيف تتحول الشعارات والأسلحة والحراس لخدمة القائد فقط، بل أن هذه الأسلحة، التي تصطف في الاحتفالات عندما تطلق، يخبرنا أمل دنقل أنها تُطلق في صدورنا نحن.
كان أمل دنقل يملك أنامل وعقلاً تترصد “مقتل القمر”، وهو يسقط في الشراك التي ينصبها أصحاب قيصر، هذا الفوضوي القاسِ الذي قال: “لا” في وجه من قالوا “نعم”، وبعدها ختم جبهة الريح والتاريخ والشعر العربي بالجملة الوردية النارية الرافضة: “لا تصالح”.
“لا تصالحْ!
ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما.
هل ترى؟
هي أشياء لا تشترى.
لذا تم محاصرته وقتل يمامته الزرقاء، فأخرج لنا: “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” والذي يبدو فيه أنه لم يتغير، كما لم تتغير “أقوال جديدة عن حرب البسوس”، حيث فرسان ” العهد الآتي” حاصروه بالمرض اللعين، في الغرفة رقم ” 8″، فلم يفلح، خطابه غير التاريخي للقائد الشهير، في تمهيد الطريق لأهل الكهف، كي يفهموا: أن الطَبلُ البِدائيُّ لن يوقظ الموتى.
يا أبناء قريتنا ـ أمل ـ مات، قتله أبناء وأصدقاء القيصر، نعم، ذرفوا عليه الدموع، ولكن!! لم يعلموا في نشوتهم، أن موت القمر، هو الذي يوقظ الشمس.
أيها القمر المصلوب على جبين الشعر العربي، نفتقدك ونفتقد جراءتك.