لم تعد الرواتب والأجور في سوريا تُقاس بقيمتها الفعلية، بل بعدد الأيام التي تستطيع خلالها الصمود أمام موجات الغلاء المتلاحقة، فمهما تفاوتت المداخيل بين موظف وآخر أو بين منطقة وأخرى، تبقى النتيجة واحدة: “دخل يتآكل سريعاً تحت ضغط الإيجارات المرتفعة وأسعار الغذاء وفواتير الكهرباء والمياه وأجور النقل والتعليم والعلاج”، حتى باتت غالبية الأسر عاجزة عن تجاوز الأسبوع الأول أو الثاني من كل شهر دون الوقوع في الديون أو التخلي عن احتياجات أساسية.
ومع استمرار انهيار القدرة الشرائية، تحولت الرواتب إلى مبالغ بالكاد تكفي للبقاء، بينما تتسع الفجوة بشكل متزايد بين الدخل وكلفة المعيشة، وسط شعور عام لدى السوريين بأن تأمين الاحتياجات اليومية أصبح معركة مفتوحة بلا حلول واضحة.
تدهور معيشي متسارع واتساع دائرة الفقر
وتشهد مختلف المناطق السورية تدهوراً متسارعاً في الأوضاع الاقتصادية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية وشح فرص العمل، في وقت لا يتجاوز فيه متوسط الرواتب نحو مليون ليرة سورية شهرياً، وهو مبلغ لا يغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات الأساسية لعائلة متوسطة، في ظل تقديرات محلية تشير إلى أن كلفة المعيشة الشهرية تتجاوز عدة ملايين من الليرات السورية.
وباتت آلاف العائلات تعيش تحت ضغط معيشي خانق، مع عجز متزايد عن تأمين الغذاء والدواء واحتياجات الأطفال، ما يدفع كثيرين إلى الاستدانة أو تقليص الإنفاق على مواد أساسية، ويقول مواطنون: “إن أصعب ما يواجهه الرجل اليوم هو شعوره بالعجز أمام أسرته، عندما لا يتمكن من تأمين الطعام أو احتياجات أطفاله رغم عمله المستمر”.
أسعار غذائية تواصل الارتفاع
وحسب ما رصده المرصد السوري لحقوق الإنسان، شهدت الأسواق السورية ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار المواد الغذائية في معظم المحافظات، مع فروقات طفيفة ترتبط بتكاليف النقل والشحن، فقد بلغ سعر عبوة الزيت النباتي متوسط الجودة سعة أربعة ليترات نحو 109 آلاف ليرة سورية، فيما وصل سعر كيلو السمن إلى 27 ألف ليرة، وسعر عشر كيلوغرامات من السكر إلى نحو 97 ألف ليرة سورية. كما بلغ سعر عبوة الشاي بوزن 450 غراماً نحو 66 ألف ليرة سورية، بينما وصل سعر كيلو الأرز إلى 15 ألف ليرة، وسجل سعر عبوة دبس البندورة بوزن 800 غرام نحو 14 ألف ليرة سورية، في حين بلغ سعر الجبن الحيواني نحو 40 ألف ليرة.
أما اللحوم، التي أصبحت خارج قدرة الكثير من العائلات، فقد وصل سعر كيلو اللحم الأحمر إلى نحو 140 ألف ليرة سورية، بينما بلغ سعر كيلو الفروج حوالي 27 ألف ليرة، وسط تراجع واضح في قدرة السكان على شراء هذه المواد بشكل منتظم، حتى باتت بعض الأسر تكتفي بوجبة واحدة يومياً أو تستغني عن أصناف غذائية أساسية بشكل كامل.
وأوضح أحد كبار التجار في مدينة حلب، في حديثه للمرصد السوري، أن تفاوت الأسعار بين المناطق يرتبط بشكل رئيسي بتكاليف النقل اليومية، إلا أن العامل الأكثر تأثيراً في موجات الغلاء يبقى عدم استقرار الرسوم الجمركية عبر المعابر الحدودية، إلى جانب الارتفاع المستمر في سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية، ما ينعكس مباشرة على الأسواق والقدرة الشرائية للسكان.
أعباء معيشية تتجاوز الغذاء
ولا تتوقف الأعباء الاقتصادية عند الغذاء فقط، بل تمتد إلى مختلف تفاصيل الحياة اليومية، من تكاليف الكهرباء عبر نظام الأمبيرات وأسعار الغاز والمياه، وصولاً إلى نفقات التعليم والمواصلات والدروس الخاصة، الأمر الذي دفع كثيراً من العائلات إلى الاكتفاء بالحد الأدنى من الاحتياجات.
شهادات من داخل المعاناة اليومية
في هذا السياق، روى أحد معِيلي الأسر في مدينة عامودا، وهو أب لخمسة أطفال ضمن عائلة مؤلفة من سبعة أفراد، أن أسرته تحتاج إلى أكثر من خمسة ملايين ليرة سورية شهرياً لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، وأوضح أن هذا المبلغ بالكاد يغطي الاحتياجات الضرورية وبعض الكماليات البسيطة، من دون احتساب الفواكه أو أي وسائل ترفيه للأطفال.
وفي مدينة الحسكة، تحدث أحد الآباء عن الضغوط اليومية التي تنهك العائلات، مشيراً، إلى تكاليف شراء المياه بشكل أسبوعي، إضافة إلى أجرة المنزل وما يرافقها من التزامات متراكمة، مؤكداً “إن الأوضاع لم تعد تحتمل”.
وقال: “أصعب السنوات التي مرت عليّ منذ أكثر من ثلاثين عاماً من الزواج هي هذه السنة”، مضيفاً، “إن أصعب ما في الأمر أن يبكي الرجل أمام عدم قدرته على إعالة أسرته”.
أما في مدينة اللاذقية، فأوضح “ع.ا” وزوجته، وهما موظفان في القطاع الحكومي، أن مجموع راتبيهما يبلغ نحو مليونين و200 ألف ليرة سورية، بينما يستهلك إيجار منزل متواضع في أحد الأحياء الشعبية نحو مليون ونصف ليرة، ما يضع الأسرة أمام ضغوط مستمرة لتأمين باقي الاحتياجات. وفي إدلب، قال “ب.ح“، وهو أحد المنتسبين إلى جهاز الأمن الداخلي وأب لأربعة أطفال، إن راتبه الشهري البالغ 260 دولاراً أمريكياً لم يعد قادراً على تأمين أبسط متطلبات الحياة، إذ يذهب معظم الدخل للإيجار والفواتير الأساسية، ولا يتبقى سوى مبلغ محدود لا يغطي احتياجات الأسرة.
ومن مدينة “أريحا”، تحدثت معلمة تعمل في إحدى المدارس عن معاناتها مع راتب لا يتجاوز 130 دولاراً أمريكياً، في وقت تعيل فيه والدين مسنين، مشيرةً، إلى أن الجزء الأكبر من دخلها يذهب لتغطية الغذاء والأدوية والمواصلات، ما يجعل استمرار الحياة اليومية تحدياً مستمراً.
تحذيرات من اتساع الفقر وتداعيات اجتماعية أوسع
ويرى اقتصاديون أن استمرار تراجع القدرة الشرائية وغياب السياسات الاقتصادية الفاعلة يهددان بمزيد من الانكماش الاجتماعي واتساع دائرة الفقر، خاصة مع اعتماد شريحة واسعة من السوريين على الحوالات الخارجية أو الديون لتغطية احتياجاتها الأساسية.
وتأتي هذه الشهادات في ظل استمرار التدهور الاقتصادي والمعيشي في مختلف المناطق السورية، وسط مخاوف متزايدة من اتساع رقعة الفقر والعجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو معاناة السوريين اليوم أبعد من مجرد أزمة اقتصادية عابرة، إذ تحولت إلى تهديد مباشر لحقوق أساسية يفترض أن تكون مكفولة لكل إنسان، وفي مقدمتها الحق في الغذاء والسكن والتعليم والعلاج والحياة الكريمة.
ويحذر من أن استمرار هذا التدهور دون تدخلات عاجلة سيؤدي إلى اتساع رقعة الفقر والتفكك المجتمعي، ويدفع مزيداً من الأطفال إلى سوق العمل، ويرفع معدلات التسرب المدرسي والهجرة والاستغلال، في وقت بات فيه السوريون يخوضون معركة يومية من أجل البقاء.