مركز الأخبار – مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تعيش الأسواق السوريّة حالة من الركود الحاد، بعدما تحوّلت مواسم الأعياد من فرصة للشراء والفرح إلى عبءٍ اقتصادي ثقيل على معظم العائلات.
فالمحال التجارية في دمشق وغيرها من المدن بدت أقل ازدحاماً مقارنةً بالأعوام السابقة، بينما اكتفى كثير من المواطنين بجولات استطلاعية تنتهي بالسؤال عن الأسعار ثم المغادرة دون شراء، ويقول تجار في أسواق دمشق إن الحركة التجارية خلال الموسم الحالي تُعدُّ من الأضعف منذ سنوات، في ظل التراجع الحاد في القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية.
أسعار الملابس والأحذية خارج القدرة الشرائية
شهدت أسواق الألبسة ارتفاعات كبيرة قبيل العيد، خاصةً في أسواق الشعلان والحميدية والحمرا بدمشق، حيث تراوحت أسعار الأحذية الولادية بين 400 و600 ألف ليرة سوريّة، بينما وصل سعر البنطال أو القميص للأطفال إلى نحو 300 و400 ألف ليرة للقطعة الواحدة. أما الملابس النسائية، فقد سجلت بدورها قفزاتٍ واضحة، إذ بلغ سعر القميص النسائي بين 250 و350 ألف ليرة، والبنطال الجينز حتى 250 ألف ليرة، فيما تراوحت أسعار الأحذية النسائية بين 200 و300 ألف ليرة. هذا الواقع دفع العديد من الأسر إلى تقليص مشتريات العيد إلى الحد الأدنى، أو الاكتفاء بشراء قطعة واحدة للأطفال بعد أن كانت العائلات تؤمّن كامل مستلزمات العيد في مواسم سابقة.
فجوة سعر الصرف تُفاقم الأزمة
يرى اقتصاديون أن أحد أبرز أسباب الركود يعود إلى الفجوة الواسعة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية، ففي الوقت الذي يثبّت فيه مصرف سوريا المركزي الدولار عند نحو 11 ألف ليرة، تجاوز سعره في السوق السوداء 13 ألف ليرة، بفارقٍ يزيد على 20 بالمئة. وتنعكس هذه الفجوة بشكلٍ مباشر على الأسواق، إذ تُسعّر غالبية السلع وفق سعر السوق الموازية، بينما تبقى الرواتب والأجور محسوبة على السعر الرسمي، ما يؤدي إلى تآكل سريع في القدرة الشرائية للمواطنين.
العيد تحوّل إلى موسم للقلق
كثير من السوريين عبّروا عن عجزهم عن تأمين احتياجات العيد الأساسية، وتقول مواطنة من دمشق إن شراء ملابس لطفلين فقط قد يحتاج إلى أكثر من مليون ليرة سوريّة، مضيفةً إن العيد لم يعد مناسبة للفرح بل “موسماً للحسابات والقلق”.
كما يؤكد موظفون حكوميون إن رواتبهم الشهرية لم تعد تكفي حتى لشراء قطعة لباس واحدة أو حذاء، الأمر الذي يدفع آلاف العائلات إلى تأجيل الشراء أو الاستغناء عن بعض الاحتياجات الأساسية.
ارتفاع التكاليف يضغط على السوق
من جهتهم، يشير تجار وأصحاب معامل إلى إن ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والمحروقات أسهم في رفع أسعار المنتجات المحلية بشكلٍ كبير، خاصةً مع استمرار ارتفاع أسعار الكهرباء والمواد الأولية. وأوضح صناعيون إن المنتجات المحلية باتت تواجه منافسة غير متكافئة مع البضائع المستوردة منخفضة السعر، والتي تدخل الأسواق على شكل “ستوكات” أو بضائع متبقية، ما يزيد من الضغوط على الصناعة السورية. كما حذرت غرفة صناعة دمشق وريفها من استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج، مطالبةً بتخفيض الرسوم وتبسيط الإجراءات الإدارية ودعم القطاع الصناعي لتخفيف الأعباء عن المنتج المحلي.
امتدت موجة غلاء الأسعار لتشمل الأغذية والحلويات
لم يقتصر ارتفاع الأسعار على الألبسة فقط، بل امتد إلى المواد الغذائية والحلويات المرتبطة بموسم العيد، فقد ارتفعت أسعار السكر والبقوليات والسميد والمكسرات بشكلٍ ملحوظ، فيما تجاوز سعر كيلو لحم الخاروف 300 ألف ليرة سوريّة في بعض المناطق. كما سجلت أسعار مستلزمات الحلويات ارتفاعات إضافية، حيث وصل سعر كيلو الجوز وجوز الهند إلى نحو 90 ألف ليرة، بينما ارتفعت أسعار العجوة والسميد والمواد الأساسية الأخرى. وباتت اللحوم والفواكه خارج متناول شريحة واسعة من السوريين، في وقتٍ تعاني فيه آلاف الأسر من صعوبة تأمين الغذاء اليومي.
وارتفعت كلفة سلة الإنفاق الدُنيا في سوريا إلى 21 بالمئة خلال عام واحد وأكثر من ثلاثة أضعاف خلال عامين، بينما لا يغطي الحد الأدنى للأجور سوى 16 بالمئة من الكلفة الغذائية لتلك السلة تشير تقديرات اقتصادية إلى إن الحد الأدنى للأجور لم يعد يغطي سوى نسبةً ضئيلة من تكاليف المعيشة، في ظل ارتفاع مستمر في أسعار المواد الأساسية والخدمات. وتعيش شريحةً واسعةً من السوريين تحت ضغط معيشي متفاقم، مع اعتماد كثير من العائلات على الحوالات الخارجية أو الاستدانة لتغطية احتياجاتها الأساسية، بينما تتزايد المخاوف من اتساع دائرة الفقر والتسرّب المدرسي وعمالة الأطفال والهجرة.
مطالب بحلولٍ عاجلة وإصلاحاتٍ اقتصادية
يدعو خبراء اقتصاديين إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من التدهور، تشمل ضبط السوق السوداء، ودعم السلع الأساسية، وتخفيض تكاليف الإنتاج، إلى جانب دعم القطاعات الصناعية والزراعية وتعزيز الصادرات لتوفير مصادر دخل حقيقية بالعملة الأجنبية. كما يشددون على أهمية التنسيق بين الحكومة والقطاع الخاص، وضرورة تبنّي سياسات اقتصادية ونقدية أكثر توازناً للحد من انهيار الليرة السوريّة ومنع تفاقم الأزمة المعيشية.