هناك الكثير من الشخصيات الوطنية الكردية التي ناضلت وكافحت في شتى مجالات الحياة، من أجل قضية شعبها ووطنها كردستان، لكنها للأسف لم تلقى الاهتمام والتعرف على كفاحها ونضالها من جانب أبناء شعبنا الكردي بالشكل المناسب، ومن هذه الشخصيات الأديب واللغوي والسياسي الكردي الشجاع، ابن ديركا جياي مازي في باكور كردستان “رشيد كُرد” الذي اختار طريق المقاومة والنضال من أجل قضية وطنه وشعبه بعيداً عن المصالح الشخصية الضيقة التي وللأسف الشديد، لا تزال حاضرة وبقوة في الوسط الكردي ليس فقط من جانب الأشخاص، بل حتى من جانب قوى وأحزاب سياسية تضع مصلحتها الحزبية الضيقة فوق المصلحة العامة للشعب، الأمر الذي جعلنا حتى الآن ونحن في القرن الواحد والعشرين لم نحقق أهدافنا في التحرر والعيش بكرامة فوق تراب وطننا الأم كردستان.
من هو رشيد كُرد؟
“رشيد كُرد” من أبرز الشخصيات الوطنية الكردية المناضلة والتي لعبت دوراً مهماً في تاريخ الحركة التحررية الكردية خلال القرن العشرين، فارتبط اسمه بالنضال السياسي واللغوي والاجتماعي، وبالدفاع عن حقوق الفقراء والمظلومين في مواجهة الأنظمة القمعية، هو “رشيد بن محمد بن رشيد بن بكر آغا بن مصطفى آغا بن محمد آغا بن جولو بك بن حسن بك” الملقب بـ “روتو”، وينتمي إلى عشيرة أباسان (عباسان) – فخذ روتا، ولد عام 1910 في قرية روشاد التابعة لمنطقة ديركا جياي مازي في باكور كردستان، والدته”زينة خالد سوركي”، وله من الإخوة: “خالد، بكر، أحمد، سلطانة، وعائشة”، تزوج رشيد كُرد مرتين، الأولى من “سبعة سوركي”، وهي ابنة خاله، وأنجب منها: “ملفية، غزى، وزين”، ثم تزوج من “خاتون موسى” من قرية عربان التابعة لعامودا، وأنجب منها: “بروين، برويز، مهوش، وجومرد”.
بدايات تشكّل الوعي الوطني
وشهدت منطقة الشرق الأوسط خلال بدايات القرن العشرين تحولات سياسية كبرى، أبرزها انتهاء الحرب العالمية الأولى، وصعود الفكر الاشتراكي، واندلاع الثورات والحركات القومية الكردية، وفي مقدمتها ثورة الشيخ سعيد بيران 1925، وقد تركت تلك الأحداث أثراً عميقاً في شخصية “رشيد كُرد” ووعيه السياسي منذ شبابه المبكر.
انحاز رشيد إلى جانب المحرومين والفقراء، ووقف ضد الإقطاع والاستغلال والسلطة الكمالية الشوفونية التي قمعت الشعب الكردي وحاولت طمس هويته القومية والثقافية، ونتيجة مواقفه الوطنية الجريئة، تعرض مراراً للاعتقال والسجن والملاحقة من السلطات التركية، وبعد فراره من السجن، صدر بحقه حكم بالإعدام، غير أن نفوذ أسرته وعلاقاتها الواسعة، بقيادة “حاجي نجيم آغا” زعيم ديركا جياي مازي، التي ساهمت في إنقاذ حياته بعد تدخلات، ودفع مبالغ مالية للسلطات التركية آنذاك، إلا إن ذلك لم يوقف حملات الملاحقة والتضييق بحقه.
اللجوء إلى روج آفا
وأمام تصاعد القمع، اضطر “رشيد كُرد” إلى مغادرة باكور كردستان متوجهاً إلى روج آفا، برفقة ابن بلدته وقريبه الأديب والشاعر والمناضل الكردي قدري جان، وأقام بدايةً في قرية تعلك التابعة لناحية الدرباسية، بضيافة أسرة جميل باشا الدياربكرلي، قبل أن يستقر لاحقاً في مدينة عامودا بافي محمد، التي كانت آنذاك مركزاً ثقافياً وسياسياً مهماً، وملاذاً للمناضلين والزعامات الكردية الفارة من بطش السلطات التركية بعد فشل الثورات الكردية المتعاقبة.
دوره الثقافي والأدبي
ولم يكن “رشيد كُرد” مناضلاً سياسياً فقط، بل كان أيضاً مثقفاً وكاتباً اهتم باللغة والأدب الكردي، فقد كتب في صحيفتي (هاوار، وروناهي) اللتين أسسهما الأمير جلادت بدرخان وشقيقه الأمير كاميران بدرخان، وأسهم في نشر الثقافة واللغة الكردية في مرحلة كانت فيها اللغة الكردية تتعرض للتهميش والمنع، كما نشر مجموعة من القصائد بعنوان “كوني رش” في جريدة “ريا تازة” التي كانت تصدر في أرمينا السوفياتية وقتها، كما كتب القصص والشعر، وألّف كتاباً تحت عنوان (قواعد اللغة الكردية، اللهجة الكرمانجية)، حيث تم نشره في دمشق عام 1956، إضافة إلى ديوان شعري بعنوان “كروان” أي القافلة، طُبع لاحقاً في السويد عام 1991.
اللغة الكردية بوصفها قضية وجود
ويروي حسن دريعي في إحدى مقالاته أن “رشيد كُرد” خرج من باكور كردستان عام 1940 محكوماً بالإعدام، لتصبح الملاحقات والسجون والتعذيب جزءاً من حياته اليومية، وفي عام 1946 قرر العودة سراً إلى مسقط رأسه، ليس فقط من أجل عائلته، بل من أجل مخطوط كتابه الخاص بقواعد اللغة الكردية الذي كان يخشى ضياعه، وبعد وصوله إلى هناك، طلب من زوجته خاتون الاستعداد للرحيل إلى سوريا، وقال لها عبارته الشهيرة: “خذي الكتاب يا خاتون واذهبي إلى سوريا، وإذا تمكنتِ من الوصول إلى قرية تعلك ومعكِ الكتاب، فستكونين قد أنقذتِ حياتي”.
كانت تلك العبارة تعبّر عن مدى إيمانه بأن الحفاظ على اللغة والثقافة الكردية لا يقل أهمية عن النضال السياسي نفسه.
زعيم شعبي بين الفقراء
واستطاع “رشيد كُرد”، أن يكتسب شعبية واسعة بين أبناء الجزيرة السورية بمختلف شعوبها الكردية والعربية والمسيحية، وذلك بسبب قربه من الناس ودفاعه عن الفقراء والمهمشين، وقد عُرف بمواقفه الإنسانية وشجاعته الكبيرة، حتى أصبح واحداً من أبرز رموز الحركة الوطنية الكردية في مختلف أجزاء كردستان، الأمر الذي جعله عرضة للاعتقال والنفي المستمر بسبب تمسكه بمبادئه الوطنية ودعوته إلى حرية الشعب الكردي وكرامته.
الانخراط في العمل السياسي والسجون المتواصلة
وفي عام 1948 انضم “رشيد كرد” إلى صفوف الحزب الشيوعي السوري، وفي العام نفسه دخل السجن مع المناضل “يوسف حرسان”، وبعد خروجه من السجن عام 1958، توارى عن الأنظار فترة من الزمن، وأقام لدى أبناء عمومته في قرية علوانكي شيخي قرب ديركا حمكو، بضيافة قريبه حاج شيخي رشيد آغا، رئيس عشيرة أباسا، لكن الملاحقات لم تتوقف، ففي عام 1959 اعتُقل مجدداً مع 83 شيوعياً، وكان الأكبر سناً بينهم جميعاً، عرفته سجون “قامشلو، دير الزور، تدمر، دمشق”، مواصلاً رحلة طويلة من الصمود داخل السجون السورية والتركية على حد سواء.
أخلاق المناضل الحقيقي
ولم يكن “رشيد كُرد” مجرد قائد سياسي، بل كان مثالاً نادراً للأخلاق والوفاء والشهامة، فقد عُرف بمواقفه الإنسانية حتى مع من كانوا مكلفين باعتقاله، وهو ما تجلّى في العديد من المواقف التي أظهرت وفاءه لكلمته ورفضه الغدر بالآخرين، رغم ما تعرّض له من تعذيب واضطهاد، ولهذا بقي اسمه حاضراً في ذاكرة أبناء الشعب الكردي بوصفه مناضلاً صلباً، ومثقفاً وطنياً، وزعيماً شعبياً نذر حياته لقضية شعبه حتى وفاته، التي حصلت في 19 أيار سنة 1968 لمضاعفات التعذيب الوحشي الذي تعرض له خاصة في سجن المزة العسكري، على الرغم من إرساله من الحزب الشيوعي السوري إلى رومانيا للمعالجة، لكن الأمراض كانت قد غزت جسده، فدفن في مدينة عامودا بعيداً عن مسقط رأسه “ديركا جياي مازي” التي بقيت تسكن قلبه حتى توقفت نبضاته.
الشرطي الدمشقي
ونختتم مقالنا بقصته مع الشرطي الدمشقي، حيث يروي الحادثة حسن دريعي: “وفي قامشلو عذب بوحشية لا حدود لها، حيث كان يربط بالسلاسل إلى جذع شجرة ويتم تعذيبه، ومن ثم تم ترحيله مخفوراً برفقة شرطي إلى سجن المزة، وفي الطريق، تعرف الشرطي على رشيد، وكم أسعده أن رشيد يجيد اللغة التركية، لأن والده يتقن اللغة التركية، كان الشرطي من مدينة دمشق نفسها، تعاطف الشرطي معه فقام بفك الكلبجة من يديه، وعامله معاملة حسنة، وبوصولهم دمشق، أخذه إلى بيته وعرفه على والده، الذي تعاطف معه أيضاً، وأكرمه غاية الإكرام، وبات ليلته في بيتهم مرتاحاً من عناء السفر، في الصباح كان الرجل قد أقنع ولده الشرطيّ بهروب رشيد في الشارع بعد أن أوقعه أرضاً وهرب، لكن إباء رشيد وإنسانيته بحرصه على هذا الإنسان، الذي احترمه وكرمه، لأنه كان يدرك أنه ماذا سيحل بالشرطي بعد هروبه، حتّى أن الشرطي ووالده قد رضيا حتى بالتسريح، والمحاكمة بالرغم من معرفته ماذا سيحصل له في سجن المزة، ولكن أخلاقيّته أبت عليه أن ينكث بعهده أولاً وأن يغدر بالشرطيّ ثانياً”.