No Result
View All Result
محمد أرسلان علي
عندما نناقش مستقبل الكرد في سوريا، لا يمكننا استيراد نماذج جاهزة من أي تجربة أخرى، فكرد سوريا كانوا ولا زال يفرض عليهم أن يعيشون في سياق دولة مركزية عنيدة، تعرضت لانهيارٍ كبير بعد 2011، ثم أعادت بناء نفسها بقوة عسكرية وسياسية. اليوم، ومع الحديث عن “إعادة توحيد سوريا” ودمج المناطق الكردية في مؤسسات السلطة المركزية في دمشق، يبرز سؤال جوهري: هل المطلوب هو الاندماج (أي الذوبان الكامل وفقدان الاستقلالية) أم التكامل (التنسيق مع الاحتفاظ بالخصائص المحلية)؟ سنقوم على تحليل الفرق بين المفهومين من منظور كرد سوريا، ولنصل إلى أن التكامل هو السبيل الوحيد لتجنب الصدام وحماية المكتسبات.
التكامل (Integration) في أدبيات الحكم المحلي يعني أن تندمج مناطق الشمال الشرقي في الدولة السورية الموحدة. لكن؛ مع احتفاظها بصلاحيات ذاتية في مجالات محددة؛ الأمن الداخلي، التعليم باللغة الكردية للشعب الكردي وباللغات الأمّ للشعوب الأخرى في المنطقة، إدارة الموارد المحلية، ونظام قضائي محلي في القضايا غير السيادية. إنه نموذج قريب من اللامركزية الإدارية الموسعة أو الإدارة الذاتية للإقليم.
أما الاندماج (merger) فيعني أن تلغى كل المؤسسات التي أقامها الكرد خلال سنوات الحرب (المجالس المحلية، قوى الأمن الداخلي، المحاكم، الإدارة الذاتية) وتُستبدل بالكامل بمؤسسات دمشق المركزية، دون أي ضمانات للخصوصية الكردية، وهذا ما يخشاه الكرد تحديداً.
منذ 2012، بنى كرد سوريا (مع حلفائهم العرب والآشوريين) نظاماً فريداً في مناطقهم:
– نظام إداري: مجالس بلدية ومقاطعات (الجزيرة، الفرات، عفرين) ذات صلاحيات تشريعية وتنفيذية محلية.
– قوات أمنية: قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وقوى الأمن الداخلي (الأساييش) التي حاربت داعش وتحكم مناطق شاسعة.
– نظام تعليمي: مناهج باللغة الكردية إلى جانب العربية، ومراكز ثقافية.
– إدارة الموارد: إدارة واستثمار حقول النفط والغاز والزراعة في الحسكة والرقة ودير الزور.
وأن أي محاولة “لاندماج” صارم ستعني عملياً:
– حل قسد وضم أفرادها إلى الجيش السوري.
– إلغاء اللغة الكردية في المدارس والمجالس الرسمية وجعلها لغة مراكز تعليمية لمن يريد.
– نقل عائدات النفط والغاز بالكامل إلى دمشق دون ضمان عودة جزء منها للمنطقة.
– تغيير القيادات المحلية وتعيين أشخاص بموافقة دمشق.
هذا هو “مقصلة الاندماج” التي يشعر الكرد بأنها تهددهم، خصوصاً بعد استعادة الحكومة للعديد من المناطق العربية بسياسة “تسوية” قسرية. من واقع سياسي صعب، كرد سوريا لا يطالبون بالانفصال، ولا يريدون حرباً جديدة مع دمشق. وهم يدركون أن البقاء خارج الدولة السورية أمر مستحيل على المدى البعيد. لكن؛ الخيار الآمن لهم هو التكامل التعاقدي القائم على:
-
اعتراف دستوري بحق المناطق الكردية في إدارة ذاتية إدارية (ليس فيدرالياً بالضرورة، بل لامركزية موسعة مضمونة دستورياً).
-
الإبقاء على قوات الأمن المحلية كشرطة إقليمية، على أن يتولى الجيش السوري المسؤولية السيادية (الحدود، الدفاع الخارجي).
-
تخصيص نسبة مئوية من عائدات النفط والغاز لميزانية المناطق الكردية.
هذا النموذج ليس مثالياً، لكنه يجنب الكرد:
– فقدان هويتهم اللغوية والثقافية.
– نزع سلاحهم المحلي في بيئة مليئة بالأطراف المعادية (تركيا، مجموعات متطرفة).
– تحويل مناطقهم إلى مجرد محافظات فقيرة تدار من دمشق.
السؤال المطروح من الذي يراود مخيلة الكثيرين هو؛ لماذا قد ترفض دمشق التكامل وتفرض الاندماج؟
من منظور السلطة السورية (أياً كان شكلها)، فإن “التكامل” بشروطه السابقة يُقرأ على أنه “دولة داخل دولة” أو “فيدرالية خفية”. دمشق الرسمية تؤمن بأن الحل هو دولة مركزية واحدة بجيش واحد ومؤسسة واحدة، وأي انحراف عن ذلك يمثل تجزئة للوطن. كما أن حلفاء دمشق وخاصةً تركيا، يفضلون نموذجاً مركزيًا قابلاً للسيطرة.
فالشعب الكردي في سوريا ليس ضيفاً عابراً، بل هو جزء أصيل من النسيج السوري منذ قرون. لكن؛ جزءاً لا يعني الذوبان. الصيغة العادلة هي التكامل الذي يجمع بين الوحدة الوطنية والتنوع المحلي. أما الاندماج القسري على طريقة “إما أن تكونوا سوريين خالصين بلا خصوصية، وإلا فأنتم خونة”، فهو مقصلة ستقطع الجميع، بدءاً من الكرد وانتهاءً باستقرار سوريا كلها.
الخيار الحكيم اليوم هو الجلوس إلى طاولة مفاوضات صريحة، تضع على رأسها نموذج “التكامل اللامركزي”، وليس “التبعية المركزية”. وعندها فقط يمكن القول إن سوريا الجديدة تسع الجميع، لا تأكل بعضها.
No Result
View All Result